أثارت رسالة عممها 63 شابة وشابا إسرائيليا من طلاب المرحلة الثانوية، الذين على وشك فرض الخدمة العسكرية الالزامية عليهم، وأعلنوا فيها رفضهم للخدمة العسكرية، قلقا واضحا في الحكومة وأيضا في قيادة الجيش، فرغم العدد المحدود للطلاب إلا أنهم يكشفون عن حالة رفض عادت لترفع رأسها من جديد، في ظل أجواء التطرف الطاغية في الشارع الإسرائيلي. من ناحية أخرى فقد تبين أن الجيش، وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، يعمل على تحفيز طلاب المرحلة الثانوية، على الانضمام للوحدة الاستخباراتية "8200"، التي ذاع صيتها في السنوات الأخيرة، بعد نشر عشرات الضباط شهاداتهم، حول أساليب الاضطهاد والتنكيل والقتل التي ترتكبها الوحدة ضد الفلسطينيين.

 

وكان 63 شابا وشابة من اليهود الإسرائيليين، في جيل التجنيد العسكري الالزامي، قد بعثوا قبل أيام برسالة الى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزيري الدفاع والتربية والتعليم، يعلنون فيها رفضهم الخدمة العسكرية في الجيش، لرفضهم الاحتلال والاضطهاد والتنكيل بشعب بأكمله. وهذه الرسالة التي تعرف بكنية "رسالة الطلاب الثانويين"، تصدر سنويا منذ ما يزيد عن 35 عاما، ويوقع عليها عشرات الطلاب في المرحلة الثانوية، الذين ستفرض عليهم الخدمة العسكرية بعد أشهر قليلة. وهؤلاء الطلاب هم عادة ممن يختارون المجاهرة برفضهم ويتحدون المؤسسة الحاكمة، إلا أن هناك أعدادا أكبر، وفق التقديرات، ممن يختارون عدم الخدمة بواسطة التذرع بأسباب أخرى.

نرفض الاحتلال والعنصرية

وقال الطلاب في رسالتهم الجماعية "نحن شباب قررنا كتابة هذه الرسالة، كتصريح وإعلان عن رفضنا للتجند للجيش، الجيش الذي ينفذ سياسات حكومية عنصرية تخرق حقوق الإنسان الأساسية، والتي تكيل بالمكيالين- قانون للإسرائيليين وقانون آخر للفلسطينيين في نفس المنطقة. لهذا قررنا أن لا نشارك في احتلال وقمع الشعب الفلسطيني، هذا الاحتلال الذي يقسم أبناء البشر لمعسكرين عدائيين. فما دام هناك أناس يعيشون تحت الاحتلال الذي يسلب منهم حقوق الإنسان وحقوقهم القومية لن نستطيع الوصول الى السلام".

وتابعت الرسالة أنه "منذ أكثر من خمسين عاما تسلب حقوق الشعب الفلسطيني، بواسطة الجدار الفاصل الذي يقسم الضفة الغربية والحصار المفروض على غزة وبواسطة طرق إضافية أخرى. المستوطنات تقطع اوصال الضفة الغربية وتفصل الفلسطينيين عن بعضهم وتحجزهم في مقاطعات وذلك بهدف منع التواصل الجغرافي. الأراضي الفلسطينية الخاصة تُصادر من اجل إقامة المستوطنات. البيوت تُهدم بشكل دائم، ويتم هضم الحق بالكهرباء والمياه النظيفة لمئات الاف السكان".

وقالت الرسالة "اضافة الى ذلك، يُحرم الفلسطينيون من حقوق سياسية بسيطة بما في ذلك حق التعبير عن الرأي والاحتجاج والحق في المشاركة في انتخابات ديمقراطية في السلطة الفلسطينية. وايضًا الحق بالإعلام ونشر ما يجري مسلوب هو الاخر بواسطة اعتقال الصحافيين والرقابة. ان دائرة الكراهية، العنف والإرهاب تهدم حياة الفلسطينيين والإسرائيليين. وحتى نحسن حياتنا كلنا بين النهر والبحر علينا أن ننهي الاحتلال وأن نتوصل الى سلام، منذ خمسين عامًا والوضع "المؤقت" يستمر، ونحن لن ندعم هذا الوضع".

وقال الرافضون "ان مفاهيم العسكرة مغروسة في المجتمع الإسرائيلي وفي اذهاننا، أطفال روضات يزورون معارض الجيش، ضباط يحاضرون في المدارس، تمارين اطلاق نار حي في المدارس، ورسائل عسكرية في مواضيع التعليم المختلفة، هكذا نؤهل أبناءنا ليكونوا جنودا في الحرب القادمة، بدون التفكير أن هناك خيارا آخر. العسكرة في إسرائيل تخلق المبررات والجاهزية العاطفية، ليس للتجنيد فقط ولكن للجاهزية في المساس وقتل الأخر. في الواقع الذي يكون للجيش قيمة عليا في المجتمع، نحن نخرج ونرفض المفاهيم الذي تفضل الحرب والنزاع على الصلح والسلام. وفي رفضنا هذا نحن نعبر عن معارضتنا للأيديولوجية العسكرية".

وتابعوا في رسالتهم أنه "من شهادات جنود ومسؤولين كبار في الجهاز الأمني، تعلمنا بأن إمكانية التغيير لن تأتي من هناك، وأن واقع الاحتلال يمنع منا أن نُغير من الداخل، إن القوة لتغيير الواقع غير موجودة عند الجندي الوحيد وانما عند كل الجهاز ككتلة واحدة، وان الذنب ايضَا هو ليس ذنب الجندي الوحيد وانما عند الجيش والحكومة. نحن نطالب بتغيير هذا الجهاز ولن نتعاون معه ما دام يسعى لتحقيق اهداف تتعارض مع ضمائرنا".

وشدد الموقعون على الرسالة على أن ثمة "سنوات من السيطرة العسكرية على المجتمع الفلسطيني ولا نهاية قريبة لهذا، وهناك شعب بأكمله يقبع تحت التحريض المُمأسس والموجه ضد الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، ونحن هنا، شباب في عمر التجنيد من مناطق مختلفة في البلاد ومن خلفيات مختلفة، نرفض أن نصدق جهاز التحريض هذا، نرفض أن نشارك في ذراع القمع والاحتلال الحكومي، نحن نرفض التجنيد والخدمة العسكرية لالتزامنا بقيم السلام، العدل والمساواة. ومن معرفتنا أن هناك واقعًا آخر نستطيع خلقه سويًا. ومن هنا نحن نتوجه لأبناء جيلنا ونطلب أن يسألوا أنفسهم، هل الخدمة العسكرية تحقق فعلا هذا الواقع؟".

قلق حكومي وعسكري

وقد هاجم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت، الشبان والشابات رافضي الخدمة العسكرية الالزامية. واعتبر نتنياهو ظاهرة الرفض "بالغة الخطورة"، فيما اعتبرها أيزنكوت تحديا للجيش والحكومة. وكان ليبرمان قد وصف الرافضين في وقت سابق بأنهم "خونة".

وقال نتنياهو في جلسة حكومته الأسبوعية "إنني أعتبر ظاهرة التهرب من التجنيد في صفوف الجيش من قبل أي جهة كانت أمراً في بالغ الخطورة مع أن هذه الظاهرة لا تخص سوى مجموعة هامشية بسيطة".

وقال أيزنكوت في تصريحات نشرتها صحف إسرائيلية "إن رسائل الطلاب الثانويين، التي تظهر من حين الى آخر، تخلق مشكلة صعبة. وأريد القول من جديد إن الجيش لم يختر أن يكون حاكما على يهودا والسامرة (الضفة). والجيش يتلقى التعليمات من الحكومة. ومن يتحدث عن القيم، فليتفضل ويطبق هذه القيم من خلال خدمته العسكرية. فالرفض من هذا النوع، وهو رفض جماعي، هو تحد للمجتمع والجيش والحكومة".

وقالت حركة "رافضات" الداعمة لرافضي الخدمة العسكرية، إن ردود فعل قادة الحكومة والجيش، تعبر عن حالة فزع لديهم من الظاهرة الآخذة بالاتساع. وقالت الحركة "إنه في نهاية المطاف فإن الاحتلال سيسقط، كما هو حال كل احتلال".

وقالت المحامية نوعا ليفي، الناشطة والداعمة لحركة رفض الخدمة العسكرية، إن عملية غسيل الدماغ التي تقوم بها المؤسسة الحاكمة اليمينية، لا تنجح بشطب حركة الرفض للاحتلال وجيشه. وفي العامين الأخيرين، بادرت مع نشيطات وناشطين، الى اقامة حركة داعمة لرافضي الخدمة العسكرية، وخاصة أولئك الذين تفرض عليهم أحكام بالسجن، وأطلقنا عليها اسم "حركة رافضات". وأضافت: إنني أشعر باعتزاز في مرافقة هؤلاء الرافضين أمام المحاكم العسكرية، وفي حركة التضامن والدعم لهم.

وقال الشاب هيلل غورمي، الذي وفق الفحوصات فجسمه ملائم للوحدات القتالية الخاصة، وقد وقع على رسالة الرافضين، إنه لا يخاف من الهجوم واسع النطاق المنتظر ضده وضد رفاقه، بسبب التوقيع على الرسالة، "ونشر الرسالة بما تحمل من مضامين، أهم بكثير من حسابات رد الفعل علينا".

وقال غورمي "إننا نرفض الخدمة في الجيش، من منطلق التزامنا بالسلام، ومن خلال سعينا الى تغيير الواقع الحالي وخلق واقع جديد. إننا ندعو كل أبناء جيلنا لأن يسألوا أنفسهم ما إذا الخدمة العسكرية تخدم تغيير الواقع؟".

وأعلن المبادرون أنهم سيتواصلون مع شابات وشبان آخرين لجمع المزيد من التواقيع، في حين تجري تقريبا أسبوعيا تظاهرة قبالة السجن العسكري، تضامنا مع الشاب متان هيلمان، الذي يقبع في السجن منذ حوالي 50 يوما لرفضه الخدمة العسكرية.

تحفيز الطلاب للخدمة في المخابرات

وفي سياق متصل يوضح مدى سعي المؤسسة الحاكمة لعسكرة المجتمع الإسرائيلي، قال تقرير لصحيفة "كالكاليست" التابعة لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن قيادة الجيش وضعت مع وزارة التربية والتعليم برنامجا تعليميا، يسعى الى تحفيز طلاب متميزين في المرحلة الثانوية، ليلتحقوا ضمن خدمة الالزامية ولاحقا، بوحدة الاستخبارات العسكرية، المعروفة بكنية "8200".

ويجري الحديث عن الوحدة "8200" في جهاز المخابرات العسكرية في جيش الاحتلال، التي كثيرا ما تتباهى بها إسرائيل وجيشها، نظرا لحجم انتشارها، وآليات التنصت والتجسس التي تستخدمها، وهذه الوحدة توجه الطائرات والأجهزة الأخرى، ساعة تنفيذها جرائم الاغتيال، اضافة إلى مهمات أخرى. ويرتبط عمل الوحدة بالتقنيات العالية "الهايتيك"، ومن أبرز المغريات للطلاب، أنهم سيتعلمون لغرض عملهم في الوحدة، المواضيع ذات الصلة بالتقنيات العالية، مقابل عملهم لسنوات في الوحدة، ومن ثم تكون فرصهم هي الأكبر للانخراط في سوق العمل في مجالات التقنيات العالية.

وقد تفجرت قضية هذه الوحدة الاستخباراتية، على مستوى الرأي العام، حينما كشف نحو 45 عسكريا من الضباط والجنود، قبل أكثر من ثلاث سنوات، عن أساليب عمل هذه الوحدة، برسالة جماعية، أعلنوا فيها رفضهم الاستمرار في الخدمة في هذه الوحدة (اقرأ عنها في مكان آخر من هذه الصفحة).

16 جنديا انتحروا خلال 2017

صدرت في الأيام الأخيرة إحصائيات عن الجيش، أبرزها أن عدد العسكريين الذين انتحروا وهم في الخدمة العسكرية في العام الماضي 2017، بلغ 16 جنديا، وفي السنوات الثلاث التي سبقت كان عدد المنتحرين 15 جنديا سنويا، وهذا يعد عددا قليلا قياسا بسنوات التسعين، حينما كان ينتحر سنويا ما بين 35 الى 40 عسكريا.

ويقول الجيش إنه اتخذ سلسلة من التدابير لمحاصرة الظاهرة، من بينها كشف مبكر للجنود والضباط الذين يصابون بالاكتئاب، ووضعهم في بيئة مشجعة، وزيادة كبيرة في أعداد الأطباء والمستشارين النفسيين. ويقول التقرير إن المنتحرين كانوا 15 رجلا وشابة واحدة، وإن 13 من المنتحرين كانوا ضمن الخدمة الالزامية، بالإضافة إلى ضابطين في الجيش النظامي، وجندي في الاحتياط.

وحسب تقرير الجيش، فإنه في العام الماضي قتل 55 عسكريا، من بينهم 16 انتحروا، و9 في عمليات عسكرية أو عمليات تفجيرية، و9 جنود بظروف صحية، وقتل جنديان خلال تدريبات عسكرية، و8 جنود في حوادث طرق خلال اجازاتهم، و4 بحوادث طرق خلال الخدمة، و9 خلال عملهم العسكري، وفي حوادث ناجمة عن قلة اليقظة والأمان.

الإثنين, مايو 28, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية