أكد المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل أن تأخير تعيين العميد في الاحتياط في الجيش الإسرائيلي غال هيرش قائداً عاماً للشرطة الإسرائيلية أتاح إمكانية إلقاء نظرة نادرة إلى حد ما على العالم الخفي والمظلم عموماً لشركات إسرائيلية تتعاطى تجارة الأسلحة وتقديم استشارات أمنية في الخارج.

وأضاف هرئيل أنه على غرار حالات أخرى أدى فيها تطور عرضي في قضية معينة إلى أمور مختلفة تماماً، ترسم هذه الحالة صورة مشوهة، وتبين مدى التهاون في إشراف سلطات الدولة على تلك التجارة. كما أن التنسيق بين مختلف الهيئات هامشي، ويكاد يكون معدوماً. وكل من يعرف قواعد اللعبة - وخاصة جنرالات الاحتياط الذين يستغلون تجاربهم ومعارفهم بعد التقاعد - يعرف كيف يناور بين قطرات المطر من دون أن يصيبه البلل.

وأشار إلى أنه برزت من الضجة التي أثيرت حول تعيين هيرش قائداً للشرطة، عدة مسائل. وهذه المسائل هي: أولاً، بدأ تحقيق ما قبل عملية التعيين في شركات يملكها، وهو يتعلق بشبهات غسيل أموال ورشوة مسؤولين أجانب. ثانياً، وصلت المعلومات بهذا الخصوص إلى إسرائيل بعد أن كانت دول أجنبية ووكالات تحقيق، ومن بينها مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي ("إف. بي. آي")، أجرت تحريات بهذا الخصوص. ثالثاً، أجرت "سلطة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب" التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية، وليس الشرطة الإسرائيلية، بحسب مزاعم محامي هيرش، تحقيقاً في هذه التهم. رابعاً، بالرغم من مرور عامين، لم يسفر التحقيق في هذه المسألة عن أي تقدم. خامساً، لم تكن وزارة الدفاع على علم بشيء بخصوص الاتهامات الموجهة لهيرش مع أنه يحمل رخصة تصدير من الوزارة، ولا بخصوص 21 شركة أمنية إسرائيلية أخرى تواجه اتهامات مماثلة. وأخيراً، لم يوقف الجيش الإسرائيلي صفقات التصدير الأمنية الخاصة بهيرش عندما أعيد تعيينه في صفوف الجيش كنائب رئيس قيادة مستحدثة في الجيش الإسرائيلي في العام 2012.

ةبرأي هذا المحلل فإن أياً من هذه الوقائع لا ينبغي أن يفاجئ أحداً من المطلعين قليلاً على مجال التصدير الأمني. فهناك تأكيدات حول قضايا مماثلة كانت تظهر بشكل روتيني في تقارير مراقب الدولة، بعضها يبقى مصنفاً كسريّ للغاية (أي يحظر إطلاع الجمهور عليه) ويسمع عنها من بعض الناشطين والقانونيين ممن هم على دراية بهذا المجال. ولقد مارست إسرائيل عمداً في كل ما يتعلق بتجارة الأسلحة، سياسة غموض شاملة مبنية على التقاء المصالح.

وأضاف: لقد علمت صحيفة "هآرتس" من مصدر أمني رفيع عمل في هذا المجال لسنوات عديدة، أنه في العديد من الصفقات التي تجريها الصناعات العسكرية الإسرائيلية في الخارج، هناك "احتمال أساس" لوجود جرائم إفساد، ودفع رشى، واستخدام معلومات حساسة من دون الحصول على إذن كامل من المؤسسة الأمنية. وأشار هذا المصدر إلى أن قسماً كبيراً من تجارة الأسلحة ميدانه بلدان العالم الثالث والدول الشيوعية السابقة. وفقط في العهد الأخير أُثيرت اتهامات ضد شركة "الصناعات العسكرية الإسرائيلية"، وضد شركة "الصناعات الجوية الإسرائيلية" بشأن دفع رشى لمسؤولين في الهند. كما طرحت أسماء شركات إسرائيلية ومن ضمنها شركة غال هيرش، في ظروف مماثلة، في ما يتعلق بوزير خارجية جورجيا، كما أن نائب وزير الدفاع البولندي اضطر إلى الاستقالة بعد أن وجد نفسه وسط نزاع قبيح بين شركتين إسرائيليتين.

وأكد أن أحد التأكيدات المتكررة التي يطرحها بعض المطلعين على هذا المجال أنه من الصعب، بل من المستحيل أحياناً، تمرير صفقات وخصوصاً صفقات السلاح في بلدان العالم الثالث، من دون "تزييت عجلات" مسؤولين حكوميين وسياسيين للحصول على موافقتهم. وفي بعض الحالات كما نشر سابقاً، عملت شركات أمنية إسرائيلية كبيرة مع وسطاء ووكلاء محليين كي تنأى بنفسها عن اتهامات الرشوة، برغم أنف جهود منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) المعلنة لتعزيز تشريعات وإنفاذ إجراءات مكافحة الرشوة.

وبحسب رأيه يعود أحد الأسباب التي تفسّر بطء التدخل في هذا المجال، إلى مقدار عائدات الصفقات الهائل الذي راوح في الأعوام الأخيرة بين 5ر6 مليار دولار و5ر7 مليار دولار في السنة، ووضع إسرائيل بموجب تقدير جهات عديدة، في قائمة أكبر خمس دول مصدرة للأسلحة في العالم. وعندما نفصح عن هوية الشركات التي تتعاطى هذه التجارة - ثلاث شركات مملوكة للحكومة بشكل أو بآخر ("الصناعات العسكرية الإسرائيلية"، و"الصناعات الجوية الإسرائيلية"، وسلطة تطوير الوسائل القتالية ("رافائيل")، وشركة كبرى رابعة تربطها بالدولة وشائج قوية (شركة "إلبيت")، وطائفة من رجال الأعمال ممن لهم باع طويل في الشؤون العسكرية - نفهم لماذا تفتقر سلطات الإنفاذ الإسرائيلية إلى أنياب في مجال تصدير الأسلحة.

وختم هرئيل قائلاً: من أجل ضمان إنفاذ حقيقي للقوانين، ينبغي أن تكون هناك تشريعات إضافية ورغبة حقيقية من المؤسسة الأمنية والنظام القضائي لأن ينقبا تحت كل حجر، مع افتراض أنه سيتم العثور على أدلة فساد تحت أكثرها. لكن لم يظهر حتى الآن مثل هذا العزم.

وتابع: يثير تعيين هيرش موضوع خلوّ المرشح للتعيين أمنيّاً من الشبهات من جديد، خصوصاً عندما يطال هذا الأمر ضباطاً كباراً في الاحتياط. وهنا يجب أن يكون واضحاً أنه حتى خلال الأسبوع الأخير شديد الاضطراب، لم تطرح ذرة من الشبهات ضد هيرش على خلفية حساسية أمنية. لكن، إذا كانت هناك معلومات بشأن شبهات تتعلق بانتهاكات لضوابط تصدير الأسلحة على مدى عامين، فينبغي أن توضع هذه المعلومات أمام أعين المؤسسة العسكرية عندما يتخذ قرار بشأن ترقية ضابط كبير في الاحتياط أو إعادة تنصيبه في منصب رفيع. ولقد كانت هناك بالفعل في الماضي مسائل صادمة - إقدام حزب الله على خطف العقيد (احتياط) إلحنان تننباوم في لبنان بعد استدراجه، وتزوير وثيقة بحسب اعتراف الجنرال (احتياط) بوعز هرباز - حيث كان لضباط كبار في الاحتياط ذوي خلفيات إشكالية، قدرة على الوصول إلى معلومات مصنفة كسرية على مدى سنوات عديدة من دون أن يدق ناقوس الخطر في الجيش. لكن، مرة أخرى، هيرش ليس هرباز، وبالتأكيد ليس تننباوم. ومع ذلك، ينبغي أن تطبق المبادئ التوجيهية على الجميع.

وكنّا خصصنا في العدد قبل السابق من "المشهد" (عدد 5/8/2015) محوراً خاصاً لموضوع تجارة السلاح في إسرائيل أشرنا خلاله من ضمن أمور أخرى إلى أنها تعتبر واحدة من أكبر الدول المصدرة للأسلحة في العالم، لكنها خلافا لمعظم الدول لا تتقيد بقرارات ومعاهدات دولية تمنع تصدير الأسلحة والخبرات الأمنية لأنظمة يحظر التعاون معها وتفرض عليها عقوبات. ويعمل في هذا المجال عدد كبير من الإسرائيليين، بينهم ضباط جيش، يحظون بمعاملة متساهلة من وزارة الدفاع الإسرائيلية حيال خرقهم للقرارات الدولية.
وأوضح المحامي إيتاي ماك، الخبير في مجال حقوق الإنسان والناشط من أجل زيادة الشفافية والإشراف العام على التصدير الأمني الإسرائيلي، أن وصف إسرائيل بأنها "دولة عظمى في مجال التصدير الأمني" هو تعريف واسع جدا، يشمل السلاح والعتاد الأمني والخبرات، مثل العقائد القتالية أو تدريب قوات وميليشيات.

وقال ماك في مقابلة أجرتها معه صحيفة "هآرتس"، ونشرتها في أواسط تموز الماضي، إن التصدير الأمني هو "أمر مقبول وجميع الدول تفعل ذلك، لكن المشكلة هي أن إسرائيل، اليوم، ضالعة في أماكن كثيرة، قررت الولايات المتحدة وأوروبا منذ فترة أن تمتنع عن التصدير الأمني إليها. ونحن نعرف أن إسرائيل تبيع السلاح إلى أذربيجان وجنوب السودان ورواندا. وإسرائيل دربت ولا تزال تدرب قوات تابعة لأنظمة رئاسية في دول إفريقية. ووفقا للتقارير فإن هذه أمور تحدث في الكاميرون والتوغو وغينيا الاستوائية، وهذه دول ليست ديمقراطية، وبعضها ديكتاتوريات تقتل وتنهب وتقمع مواطنيها".

وأضاف ماك أنه يوجد في إسرائيل عدد قليل من الشركات الأمنية العملاقة، مثل "رافائيل" (سلطة تطوير الوسائل القتالية)، ويوجد أكثر من 300 شركة تعمل في مجال تصدير الأسلحة والخدمات الأمنية، أقامها أشخاص من أجل جني أموال طائلة، "وجميع هذه الشركات تعمل تحت مظلة وزارة الدفاع، التي تصدّق على عمل الشركات".

كما أوضح ماك آلية تصدير الأسلحة والخدمات الأمنية، حيث تصل إلى إسرائيل ميزانيات من دول وجهات معنية بشراء أسلحة، ووزارة الدفاع تقرر لمن تمنح تراخيص تصديرها "وكيفية توزيع الكعكة"، إذ أن قسما من المصدرين هم ضباط كبار في الجيش وموظفون سابقون في وزارة الدفاع وسياسيون سابقون.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية