يصف مخرج الأفلام الوثائقية الإسرائيلي، درور موريه، رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، بأنه الخطر الأكبر على وجود دولة إسرائيل، بسبب التضليل الذي يمارسه، وألمح إلى أنه مسؤول عن اغتيال سلفه، إسحاق رابين، لأنه كان بين المحرضين ضده في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو، وأن مكانه ليس في الحكومة وإنما في السجن إلى جانب قاتل رابين، يغئال عمير.

واشتهر موريه بشكل واسع، على مستوى العالم وليس في إسرائيل فقط، قبل سنتين، عندما نافس الفيلم الذي أخرجه، بعنوان "حراس التخوم"، على جائزة الأوسكار. وفي موازاة ذلك أصدر كتابا بالعنوان نفسه.

ويتضمن الفيلم والكتاب مقابلات مع آخر ستة رؤساء لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، الذين تحدثوا عن ممارسات هذه الجهاز ضد الفلسطينيين منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، وعن إخفاقات إسرائيل في التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين وكيف أن هذه الإخفاقات تسببت باندلاع الانتفاضة والحروب في غزة. وبعد التحقيق العميق والمقابلات كتب موريه مقدمة الكتاب، التي عبر فيها عن قلق ويأس إزاء حال إسرائيل ومستقبلها.

وقال موريه، في مقابلة معه نشرتها صحيفة "هآرتس" يوم الجمعة الماضي (4/9/2015)، إنه "لو أني سأكتب هذه المقدمة اليوم لكتبت أمورا أشد وأخطر. وكنت سأبدأ باغتيال رابين، لأنني أعتقد فعلا أن هذه هي نقطة الحضيض التي وصل إليها المجتمع الإسرائيلي، وحتى اليوم لم نواجه بشكل حقيقي دلالة هذا الاغتيال، بسبب جبن اليسار، وجبن شمعون بيريس الذي تحدث عن وحدة وهمية وينبغي الحفاظ عليها، وكذلك بسبب جبن (الرئيس الأسبق للمحكمة العليا) مئير شمغار، رئيس لجنة التحقيق في اغتيال رابين، الذي امتنع عن الدخول إلى كافة جوانب وتبعات التحريض".

وأردف "أنا شخصيا هوجمت بعد مقابلة أجرتها معي كريستيان أمانبور في CNN، حول التحريض الذي سبق الاغتيال، وقلت إن الكثير من الأشخاص الذين يتجولون أحرارا، وحتى الذين يجلسون في الحكومة، ينبغي أن يقبعوا في السجن مع يغئال عمير لأنهم يتحملون مسؤولية اغتيال رابين. ولا شك لدي في أن انعدام مبالاة المجتمع الإسرائيلي نابع من عدم مواجهة هذا الأمر".

وأوضح موريه "إننا نأكل الآن الثمار المرة لعدم معالجة هذا التحريض، من جانب الحاخامين والسياسيين. وعندما تظاهر أشخاص في قلب تل أبيب ضد الحرب في غزة، العام الماضي، تعرضوا للضرب. ويجرؤ الآن عضو كنيست على القول إنه يجب هدم المحكمة العليا بجرافة D9 لأنها قررت هدم بيتين (في مستوطنة). ويوجد لدى الشعب اليهودي جينات الجنون، وغالبا ما يكون هذا الجنون مرتبطاً بالدين".

ويعتبر موريه أن اغتيال رابين أزمة كبيرة، لأنه "عندما انتخب رابين، رغم الصعوبات الهائلة، كان هناك أمل. واليوم لا يوجد شيء. لقد تغيرنا. وقد كانت الولايات المتحدة في حالة مشابهة قبل الحرب الأهلية. فقد قال أحد الأطراف إنه ’نريد استمرار العبودية’ بينما قال الطرف الآخر ’لا، هذا ليس أخلاقيا’، ودارت الحرب".
وأردف "أعتقد أن على دولة إسرائيل أن تسأل نفسها عما تفعله. فاليمين المتطرف، الديني، لم يعد منذ وقت طويل عدة أعشاب ضارة وهو يشن حربا. أنظروا ما يحدث حول قرار إخلاء مبنيين (في مستوطنة "بيت إيل") بأمر من حكومة يمين. كل شيء هش ويمكن أن يتغير خلال دقيقة. كانت المجتمعات في البوسنة ورواندا وليبيا تبدو عادية، والوضع فيها انقلب خلال فترة قصيرة جدا. نشبت حرب، المسيحيون والمسلمون يريدون افتراس بعضهم والأفراد يجدون أنفسهم في معسكرات تجميع. أنظروا إلى ما يحدث في سوريا أمام أنظار العالم كله، الذي لا يفعل شيئا. فكروا في القرار بمهاجمة إيران الذي أوقف تنفيذه (رئيس الموساد السابق) مئير داغان، (رئيس الشاباك السابق) يوفال ديسكين وغابي أشكنازي (رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق). تخيلوا فقط أن هذا كان يمكن أن يحدث".

لا يستبعد موريه احتمال إقدام إسرائيل على مغامرة مثل مهاجمة إيران، خصوصا إذا رأى نتنياهو أن أمرا كهذا يمكن أن يحسن حظوظه بالفوز في الانتخابات المقبلة. وقال إن "هذا ما أخشاه. فالتهديد الأمني الأساس علينا داخلي. والعالم المحب أصبح متعبا منا. والعقوبات تقترب منا".

تضليل نتنياهو

يعتبر موريه أن لفيلمه "حراس التخوم" تأثيراً على الإسرائيليين. رغم ذلك، يشبّه "الجمهور الإسرائيلي اليوم بملاكم في الحلبة، موجود في الجولة 15 من أصل 16 جولة، وتلقى لكمات من اليمين واليسار وينزف دما. وبالإمكان التأثير عليه في الهوامش فقط. ماذا لم يحدث عشية الانتخابات الأخيرة؟ كل المؤسسة الأمنية تقريبا وقفت على رجليها الخلفيتين وحذرت من بنيامين نتنياهو. كذلك تم الكشف عن كل الفضائح، بدءا من تقرير حول بيوته والبيت في قيساريا والزجاجات الفارغة (التي طلبت زوجته ثمنها)، وبعد كل ذلك يصرخ هذا الرجل ’عرب’ ويفوز بالانتخابات" في إشارة إلى تفوهات نتنياهو العنصرية في يوم الانتخابات بأن "العرب يتوجهون بحشودهم إلى صناديق الاقتراع" بادعاء أن ذلك سيشجع ناخبي اليمين على التصويت.

وقال موريه إنه "لا أعتقد أن نتنياهو يهمه أن ’حراس التخوم’ كان مثالا على مناعة الديمقراطية الإسرائيلية، لأن مناعة الديمقراطية الإسرائيلية لا تهمه أبدا، بل على العكس، هو يفعل كل شيء من أجل تقويض الديمقراطية الإسرائيلية، على الرغم من أنه يتفاخر بأنه الفارس الذي يحافظ عليها... وأنا لا أخجل في قول ذلك: بنظري، نتنياهو هو الخطر الأكبر على وجود دولة إسرائيل، وذلك لأنه مضلِل للغاية. والمشكلة هي أنه ما زال يعتقد أن هذا التضليل ناجح".

لكن موريه أشار إلى أنه يعمل حاليا على فيلم وثائقي جديد، يلتقي من خلاله مع مجموعة من كبار المسؤولين الأميركيين. وقال إن تضليل نتنياهو لم يعد مؤثرا، "ليس في العالم. أنا أتحدث مع مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية. لم يعد أحد هناك يصدقه".

صناعة القرار شخصية

تحدث موريه عن فيلمه الجديد وقال إن عنوانه المؤقت هو "أروقة القوة". "لقد بدأت هذا المشروع في الولايات المتحدة وسيُصور في فرنسا وألمانيا وروسيا. وأتحدث مع أصحاب مراكز في الإدارة الأميركية، وزراء خارجية، مستشاري الأمن القومي، حول ما يحدث في غرف صناعة القرار، عندما ينبغي اتخاذ قرار حول حالات إبادة عرقية في مكان آخر في العالم. أحاول أن أفهم ما هي الاعتبارات التي تؤيد وتعارض التدخل، عندما يكون واضحا أنه تنفذ جرائم ضد البشرية وبإمكانهم منعها، مثلما حدث في البوسنة".

وأضاف أنه تحدث مع وزراء الخارجية الأميركيين السابقين هنري كسينجر، حيمس بيكر، كولين بأول، مادلين أولبرايت وجورج شولتس ومستشار الأمن القومي السابق ستيفن هادلي. وتابع أن "هذا المشروع بدأ بفيلم أخرجته عن أريئيل شارون. لقد حاولت أن أفهم كيف أن أبا المستوطنات أخلى المستوطنات في غزة وكذلك أربع مستوطنات في يهودا والسامرة (أي الضفة الغربية)، رغم حملة جنونية خاضها المستوطنون ضده وادعوا أنه قام بذلك بسبب الفساد. وبالمناسبة، هذا ليس صحيحا، فالتحقيقات ضده انتهت قبل عام من تنفيذ خطة الانفصال. وأنا أعمل كثيرا في مسألة صناعة القرار وأروقة القوة، والاستنتاجات مثيرة لليأس وحتى أنها مأساوية".

وأوضح موريه "نحن نعتقد أنه يوجد في أماكن كهذه، في أروقة القوة، تبصر زائد. والوضع ليس كذلك، ليس كذلك أبدا. ويعتقد الناس، وأنا أيضا كنت أعتقد في الماضي، أنه عندما يقررون شن حرب، مثلا، أو بشأن خطة الغاز، فإنه يجلس في الغرفة أناس جديون وأنهم جاؤوا من أجل خدمة الجمهور ويرجحون الرأي باتجاه التأييد أو المعارضة. لكن الأمور ليست كذلك. وإنما هناك غرائز، مشاعر أنانية، اهتم بمصلحتي وسأهتم بمصلحتك، اعتبارات غريبة وشخصية. وأنا أتحدث عن أعلى المستويات والتي تقرر أكثر الأمور مصيرية في حياتنا".

وأورد موريه مثالا على ذلك ذهاب رئيس حكومة إسرائيل في العام 2000، إيهود باراك، إلى قمة كامب ديفيد مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. "لقد كان هذا أحد أكثر القرارات جنونية، عندما تعرف الحافز من ورائه، أو بأي مستوى من الإهمال أدير كل شيء. لقد كانت هذه غطرسة من جانب شخص اعتبر أن كل العالم، بما في ذلك الدول العظمى، يجب أن يؤيد ما يفكر به هو. ليس أن ياسر عرفات كان جيدا، لا أبدا، لكن باراك قبل كامب ديفيد قضى على كل بقايا الثقة بعرفات، وبعد ذلك خرج ليبلغ العالم بأنه ’لا يوجد شريك’". وشدد على أن "عواقب هذا الأمر على وضع دولة إسرائيل اليوم، وعلى معسكر السلام، وعلى كل حياة جميعنا هنا في المنطقة، هي عواقب كارثية. لقد أراد أن يصور نفسه كمن يذهب ويصنع ويعطي. لكنه حطم المعسكر وحطم الأمل ولم يكن لذلك، لهذه العبارة، أي أساس من الصحة".

وتطرق موريه إلى موضوع فيلمه الجديد حول عملية صناعة القرار في دول العالم ومقارنتها مع إسرائيل، وقال إنه "في حالة الأميركيين، ومما أشاهده وأسمعه وأصادفه، فإن الأفراد هناك جديون أكثر بكثير من الأفراد هنا في البلاد. ورئيس الولايات المتحدة محاط بأشخاص مهنيين للغاية، ويفترض بهم أن يساعدوه في اتخاذ القرار الأفضل. واضح أنهم هم أيضا يخطئون، لكن عندما تحدثت مع يوفال ديسكين حول تجربته في هذه الغرف المغلقة لصناع القرار هنا في الدولة، فإن هذا الأمر كان مخيفا. والجمهور لا يدرك أن القرارات التي يتخذها نتنياهو اليوم، فيما إسرائيل تقف أمام قرارات مذهلة من حيث أهميتها وستحدد مستقبلنا. وانظروا إلى قراره بالدخول في صدام مع الإدارة الأميركية (حول الاتفاق مع إيران). لقد كنت في واشنطن في اليوم الذي ألقى فيه خطابه في الكونغرس، وما سمعته كان مزعزعا جدا. لقد قالوا إن هذا عمل لا يغتفر، وإن هذا يمس في الجوهر الأعمق للعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنه يدهور وضع إسرائيل الأمني، وإنه بكل بساطة لا يمكن تصديق أنه يفعل أمرا كهذا. والمتحدثون لم يكونوا من المسؤولين في إدارة أوباما حتى، وإنما هم مسؤولون في إدارتي (الرئيسين السابقين) جورج بوش وبيل كلينتون، ويحبون إسرائيل فعلا ودعموها دائما، ويصرحون على الملأ بمحبتهم لها. لقد كانوا مذهولين" من خطاب نتنياهو في الكونغرس.

وأشار موريه إلى التقاء سفير إسرائيل في واشنطن، رون ديرمر، مع أعضاء كونغرس بهدف إقناعهم بمعارضة الاتفاق النووي الذي يؤيده الرئيس الأميركي. "هذا جنون. تخيلوا أن حزب الليكود يريد تمرير قرار ما، ويقوم (السفير الأميركي في إسرائيل) دان شابيرو بالتقاء أعضاء الكنيست ويقول لهم: لا تفعلوا ذلك. إننا ننزل من حضيض إلى حضيض أعمق".

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أغسطس 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية