المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
انتخابات الكنيست الـ 26: بصمة العرب الفلسطينيين هي الأوضح.  (صحف)
انتخابات الكنيست الـ 26: بصمة العرب الفلسطينيين هي الأوضح. (صحف)
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 4
  • برهوم جرايسي

أفرزت نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية للكنيست الـ 26، التي جرت يوم 27 تشرين الأول 2026، حالة سياسية مرتبكة، ستُصعّب بقدر كبير طرح توقعات بشأن مستقبل الحكومة الجديدة، إذا ما تشكلت أصلًا، والعامل الرئيس لهذه الحالة هو إقبال العرب على صناديق الاقتراع، بنسبة غير مسبوقة، فاقت نسبة اليهود في سجل الناخبين، إذ بحسب تقديرات أولية، حذرة، فإن نسبة التصويت بين العرب قد تجاوزت بقليل 80%، مقابل 56.5% في انتخابات 2022، في حين أن نسبة التصويت العامة لامست 78%، في مقابل نسبة 70.6% في الانتخابات التي سبقتها. ولم يحقق أي من المعسكرين المتنافسين على سدة الحكم حسمًا، إذ خسر الائتلاف الحاكم في الدورة المنتهية الأغلبية المطلقة بقدر كبير، وهبط من 68 مقعدًا إلى 53 مقعدًا، في حين أن تكتل المعارضة تلقى هو أيضًا ضربة بتمثيله الإجمالي، بحصوله على 48 مقعدًا. وفي الوسط، تقف القائمتان الفاعلتان في المجتمع العربي مع 19 مقعدًا بزيادة 5 مقاعد عن آخر الاستطلاعات، مع تباين الموقف بين القائمتين. 

نسبة التصويت وخاصة بين العرب

بلغ عدد ذوي حق الاقتراع ما يلامس 7.332 مليون شخص، وبالدقة 7.331.981 صاحب حق اقتراع، وبلغ عدد المصوتين 5.716.665، وهذا يعني نسبة 77.96%، أي ما يلامس 78%. 

القضية غير المسبوقة في ارتفاع نسبة التصويت كانت في المجتمع العربي، فبعد فحص دقيق أجريته لنتائج 135 مدينة وقرية فيها نسبة العرب 100%، فإن نسبة التصويت داخل البلدات بلغت 87.7%، إلا أنه في حدود 2.3% من الناخبين العرب صوتوا خارج بلداتهم، أو في صناديق اقتراع أخرى، ما يرفع نسبة التصويت بين العرب إلى ما فوق 80%، بينما النسبة العامة لامست 78%، كما سبق أن ذكر. 

وهذه البلدات للمجتمع العربي فيها 82.5% من ذوي حق الاقتراع العرب، بمعنى أن النتائج فيها تعكس الأجواء العامة لدى الجمهور العربي، إذ أن الباقي بمعظمه يسكن في المدن الفلسطينية التاريخية، التي باتت مختلطة مع أغلبية يهودية، عكا وحيفا ويافا واللد والرملة، وأيضًا مدن فيها تواجد عربي بقدر كبير، لكن تقديرات أخرى تقول إن نسبة التصويت في هذه المدن تكون عادة أقل مما هي عليه في باقي المدن والبلدات العربية، لذا وتفاديًا لهامش الخطأ، فإن التقدير هو أن نسبة التصويت بين العرب تجاوزت 80% بقليل.

هذه النسبة لدى العرب، التي تستند إلى النتائج النهائية المصادق عليها في لجنة الانتخابات المركزية، تؤكد أن نسبة التصويت بين العرب فاقت لأول مرة نسبة التصويت بين اليهود المسجلين في سجل ذوي حق الاقتراع؛ لكن كي نكون أكثر دقة، فإن نسبة التصويت بين العرب قد تكون شبيهة، أو تقل بقليل، عن اليهود المتواجدين في البلاد في يوم الانتخابات، إذ يستدل من تقرير مكتب الإحصاء المركزي، أن 12.4% من ذوي حق الاقتراع اليهود مقيمون في الخارج، لكن عاد منهم في يوم الانتخابات، نحو 70 ألفًا، ما يعادل 1.4% من اليهود المقيمين في الخارج. وكان تقرير مكتب الإحصاء قد أشار إلى أن 11% من ذوي حق الاقتراع، ككل، مقيمون في الخارج، وأن 4% من العرب مقيمون في الخارج، بين مهاجرين وطلاب. 

وكشاهد ميداني في يوم الانتخابات، فإن هذا بدا واضحًا منذ الدقائق الأولى لفتح صناديق الاقتراع، السابعة صباحًا، إذ بدأ الناس يقبلون على مراكز الاقتراع، ولم ينتظروا الأحزاب، بل سبقوها، وهذا رد فعل على 4 سنوات من استفحال العنصرية والقهر والاضطهاد، ورأت الجماهير أن هذه هي الأداة الأنسب لرد الفعل، وقد صدقت لأنها خلقت حالة ارتباك غير مسبوقة في الحالة السياسية الإسرائيلية.

أدى هذا الارتفاع في نسبة التصويت إلى ارتفاع عدد الأصوات التي تحتاجها نسبة الحسم للتمثيل في الكنيست، إلى ما يقارب 185 ألف صوت، ولهذا فإن التمثيل كان لـ 11 كتلة برلمانية حسب التوزيع التالي: الليكود- فاجأ بحصوله على 27 مقعدًا؛ "يشار" (مستقيم) بقيادة غادي أيزنكوت- 21 مقعدًا؛ "معا" بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد- 12 مقعدًا؛ القائمة المشتركة التحالفية لثلاثة أحزاب فاعلة في المجتمع العربي برئاسة البروفسور يوسف جبارين- 11 مقعدًا؛ "الديمقراطيون" برئاسة يائير غولان- 8 مقاعد؛ القائمة العربية الموحدة برئاسة د. منصور عباس- 8 مقاعد؛ "إسرائيل بيتنا" برئاسة أفيغدور ليبرمان- 7 مقاعد؛ تحالف يهدوت هتوراة- 7 مقاعد؛ "قوة يهودية" بزعامة إيتمار بن غفير- 7 مقاعد؛ شاس بزعامة آرييه درعي- 6 مقاعد؛ تحالف "الصهيونية الدينية- هوية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش- 6 مقاعد. 

هزّة كبيرة في تمثيل الحريديم

لعلّ أحد أبرز مؤشرات نتائج الانتخابات الأخيرة، كان خفض تمثيل الحريديم بخمسة مقاعد، وهنا صدقت تقديرات الاستطلاعات، لربما صدفة، لأن الاستطلاعات ذاتها لم تنجح في تقدير نسبة إقبال العرب على الصناديق، وأيضًا حجم تمثيلهم، الذي قفز بأربعة وخمسة مقاعد، عن آخر استطلاعات الرأي العام، وتسعة مقاعد عن استطلاعات قبل شهرين من الانتخابات.

مسألة الحريديم تحتاج إلى فحص معمق لمواطن الضعف، خاصة لدى حزب شاس الذي تلقى الضربة الأقسى، وهبط تمثيله من 11 مقعدًا إلى 6 مقاعد، وفي عدد الأصوات من قرابة 393 ألف صوت في انتخابات تشرين الثاني 2022، إلى 300 ألف صوت في انتخابات الأسبوع الماضي، على الرغم من ازدياد عدد الحريديم بنحو 16% في سجل الناخبين، الذي ارتفع فيه عدد ذوي حق الاقتراع بالمجمل بـ 8%، في حين أن عدد أصوات قائمة الحريديم الثانية، تحالف يهدوت هتوراة، ارتفع بنحو 11.5%، وحافظ التحالف على تمثيله السابق بسبعة مقاعد، رغم توقعات ارتفاعه إلى 8 مقاعد، لكن هذا ممكن تفسيره بالارتفاع الحاد في نسبة التصويت العامة، وبشكل خاص لدى العرب، وتقليص الفجوة مع الحريديم.

من باب الشفافية، والمصداقية، كنت نشرت مقالًا حول منهجية التصويت لدى الحريديم، في نشرة "المشهد الإسرائيلي" في مركز "مدار"، يوم 28 أيلول الماضي، العدد 723، وفيه اعتمدت فقط على نسبة تكاثر الحريديم، ونقضت استطلاعات الرأي العام التي تنبأت بتراجع حاد في تمثيل شاس، وهذا يعد إخفاقًا مني، في عدم فحص جوانب أخرى. وتبين من فحص سريع أجريته في نتائج مستوطناتٍ كل الساكنين فيها حريديم، مثل "موديعين عيليت" و"بيتار عيليت"، وأيضًا "إلعاد"، القائمة على خط التماس مع الضفة الغربية المحتلة، أن شاس حافظت عدديًا، أو تراجعت قليلًا في عدد الأصوات، وفي كلتا الحالتين يعد هذا تراجعًا مع الأخذ بعين الاعتبار الزيادة السكانية. في المقابل فإن تراجع شاس في بلدات جنوبية، تتميز بارتفاع نسبة اليهود الشرقيين، كان واضحًا. 

بالإمكان التقدير أن خسارة الحريديم خمسة مقاعد، بالمجمل، يعود بمعظمه للارتفاع الحاد في نسبة تصويت العرب، السابق ذكرها هنا، فهذا ساهم في خفض تمثيلهم بثلاثة مقاعد، بحسب التقدير السريع، الذي يحتاج إلى فحص أدق، إضافة إلى ارتفاع نسبة التصويت لدى اليهود عامة، من دون الحريديم، وهذا قلص الفجوة مع نسبة التصويت العالية لدى الحريديم، مثلا تل أبيب التي قفزت فيها نسبة التصويت من 59% في العام 2022، إلى 65% في انتخابات الأسبوع الماضي، علمًا أن ما لا يقل عن 14%، كتقدير، من المسجلين في سجل الناخبين في تل أبيب متواجدون خارج البلاد. 

حالة مرتبكة وتشكيل الحكومة أشد صعوبة

الوضع الناشئ في التركيبة البرلمانية سيجعل من الصعب تشكيل حكومة، حتى في غضون شهرين، لأن فريق الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو بعيد جدًا عن الأغلبية، إذ لديه 53 نائبًا من أصل 120 نائبًا في الكنيست، على الرغم من أن تشكيل الحكومة لا يحتاج لأغلبية 61 نائبًا، لكن إسقاطها يحتاج إلى أغلبية كهذه، إذ ليس في باقي الكتل من ترضى بأن تكون محايدة لضمان تشكيل حكومة برئاسة نتنياهو.

الصعوبة لدى نتنياهو تكمن أيضًا في عدم استعداده للتخلي عن أي كتلة من الكتل الشريكة، لأنها تشكل حامية له، وكل الكتل الصهيونية المعارضة له رفعت شعار فرض الخدمة العسكرية على الحريديم بشكل كامل من دون أي تنازلات، وهذا ما لن يقبل به الحريديم، كذلك فإن ثمة من كتل المعارضة من تعترض على الشراكة مع الكتلة التي يتزعمها إيتمار بن غفير، وحتى الثانية برئاسة بتسلئيل سموتريتش.

في المقابل، فإن فريق المعارضة الصهيونية تلقى ضربة، بحصوله على 48 نائبًا بالمجمل، وفي هذا مقولة إسرائيلية بأن غالبية اليهود منحوا أصواتهم لفريق نتنياهو. وغالبية كتل المعارضة ترفض الشراكة مع العرب، والقصد كتلة القائمة العربية الموحدة، التي على رأس أجندة زعيمها منصور عباس الشراكة في كل حكومة تقبل به، إذ إن القبول بهذه الكتلة سيضمن للمعارضة حكومة 56 نائبًا، وفي هذه الحالة، ممكن للقائمة المشتركة أن تُخرج نفسها من التصويت، لضمان حكومة أقلية تستبدل الحكومة القائمة، وهذا أيضًا ما ترفضه أطراف في المعارضة الحالية.

وطرح غادي أيزنكوت، مساء السبت الأخير، 31 تشرين الأول الماضي، أربعة شروط للانضمام للحكومة، وهي موجهة إلى كتل الحريديم والعرب، وهي كالتالي: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية، والالتزام بمبادئ "وثيقة الاستقلال"، وواجب الخدمة الإلزامية في الجيش أو "الخدمة المدنية" للجميع، و"الاعتراف بحركة حماس كمنظمة إرهابية، وواجب إبادة قوتها العسكرية والسلطوية في قطاع غزة".

أمام هذا، من السابق لأوانه طرح سيناريوهات واقعية، بما فيها احتمال انشقاقات في كتل معينة، ولكن خيار إعادة الانتخابات يبقى قائمًا وبقوة، لكنه ليس الخيار الوحيد.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات