المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • برهوم جرايسي

ساهم تصريح لعضو الكنيست منصور عباس، زعيم "القائمة العربية الموحدة"، الجسم البرلماني للحركة الإسلامية- الجناح الجنوبي، قال فيه إن "الدولة الفلسطينية قائمة"، في إثارة نقاش حام في الحلبة السياسية الإسرائيلية، ليصطف قادة أحزاب المعارضة الساعية لاستبدال حُكم بنيامين نتنياهو، في ما يشبه الطابور، أمام وسائل الإعلام الإسرائيلية ليؤكدوا رفضهم قيام دولة فلسطينية، بمن فيهم من يظهرون في الساحة السياسية وكأنهم رموز ما يسمى بـ "اليسار الصهيوني"؛ فسارع منصور عباس للتقليل من شأن تصريحه، معلنًا أن هذا ليس شرطًا لانضمامه إلى الائتلاف الحكومي لاحقًا، رغم رفضهم مشاركته، لكن كل هذه الزوبعة سلطت الضوء على مدى تماهي أحزاب المعارضة مع اليمين الاستيطاني، خاصة وأن قسمًا كبيرًا من هذه المعارضة نبع من هذا اليمين ولم ينفصل عنه يومًا.

وكان عضو الكنيست منصور عباس قد قال أمام مؤتمر حزبه، وفق بيان صادر عن مكتبه: "نحن المواطنين العرب في إسرائيل جسر لتحقيق السلام. ودولة فلسطين موجودة وقائمة، ويعترف بها معظم العالم، باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، ونحن نريد أن يعترفا بها، ونعمل على تحقيق السلام،والمصالحة، ونهاية الاحتلال والصراع". ولاحقًا في مقابلات باللغة العبرية قال إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يكون شرطًا لدخوله الحكومة التي ستتشكل بعد الانتخابات.

وليس هذا فحسب، بل في مقابلة في القناة التلفزيونية الإسرائيلية 12، وحينما استذكر الصحافي عميت سيغل أقوال عباس في سنوات سابقة عن النكبة الفلسطينية وجرائم العصابات الصهيونية وتهجير الفلسطينيين في العام 1948، رد عليه عباس، بلغة اعتذارية، بأن الكثير من الحالات تنقلب مع السنين، وأنه ما كان سيقول هذا الكلام في وضعه الجديد.

لكن كل هذا لم يسعفه من ردود فعل رافضة لما جاء في خطابه، وتوالى قادة المعارضة الصهيونية، وأعضاء كنيست من تلك الأحزاب، ليعلنوا رفضهم الدولة الفلسطينية، وكان أبرزهم متصدّر نتائج الاستطلاعات، الوزير السابق، ورئيس الأركان الأسبق غادي أيزنكوت، الذي قال في بيان صادر عنه، إنه في حكومته التي سيشكلها لن تقام دولة فلسطينية، وأضاف: "لا توجد دولة فلسطينية، وفي الحكومة التي سنقيمها، لن تقام دولة فلسطينية".

كما أن موقف رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، الذي كان سابقًا رئيس "مجلس المستوطنات"، معروف طوال وجوده على الساحة السياسية، وهو رافض للدولة الفلسطينية، وأصلًا بينيت من اليمين الاستيطاني، وكذا بالنسبة لزعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان.

وليس بعيدًا كثيرًا عنهما، زعيم حزب "يوجد مستقبل"، يائير لبيد، الذي هاجم في وقت سابق دولًا أوروبية، أعلنت اعترافها بالدولة الفلسطينية، وفي تصريحات إعلامية، ردًا على أسئلة وجهت له، قال إنه لا يرى دولة فلسطينية ستقام في السنوات العشر المقبلة.

أما زعيم حزب "الديمقراطيون" (تحالف حزبي العمل وميرتس)، يائير غولان، فقال سابقًا إن سلسلة الاعترافات بالدولة الفلسطينية ما من شك في أنها أمر سلبي لإسرائيل، وبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 فإن "الحديث عن دولة فلسطينية هو أمر هدّام لإسرائيل، كنا بحاجة للحديث عن عملية في صلبها الانفصال المدني، مع الاحتفاظ بالمسؤولية الأمنية لإسرائيل". وكان الجنرال احتياط غولان في تصريحه دقيقًا في اختيار كلماته، "انفصال مدني، واحتفاظ إسرائيل بمسؤولية الأمن"، وهذا بعيد عن مفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.

أما زميلة غولان، النائبة عن حزب العمل نعومي لزيمي، المحسوبة إسرائيليًا على ما يسمى "اليسار الصهيوني"، فكانت في الأسبوع الماضي أكثر وضوحا، إذا قالت في مقابلة إذاعية: "يجب السعي لحل سياسي لا يقيم دولة فلسطينية، فالحكومة الحالية تشجع نشوب انتفاضة ثالثة في يهودا والسامرة (الضفة الغربية المحتلة)". وأضافت: "حاليًا فإن قطر وتركيا توقفان حماس على أرجلها، وحتى الأميركان يتحادثون مع حماس، التي تنظر لها الحكومة الحالية على أنها مكسب".

قراران في الكنيست لرفض الاعتراف بدولة فلسطينية 

هذه المواقف لدى المعارضة الصهيونية ليست جديدة، فخلال الولاية البرلمانية الـ 25 تم التصويت في الهيئة العامة للكنيست على قرارين بفارق 5 أشهر، خلال العام 2024، يرفضان إقامة دولة فلسطينية، أو الاعتراف بدولة فلسطينية، واقتصرت المعارضة على نواب الكتلتين الفاعلتين في المجتمع العربي، فيما غادر نواب حزب العمل، الذي تحالف مع حزب ميرتس وشكلا حزب "الديمقراطيون"، الجلستين من باب التحفظ على الصيغة، وليست من منطلق الاعتراض الجوهري. 

وقد أقر الكنيست يوم 21 شباط 2024، بأغلبية الأصوات، بيانًا مقتضبًا، عرضه باسم الحكومة، رئيسها بنيامين نتنياهو، جاء فيه:

"ترفض إسرائيل، بشكل قاطع، إملاءات دولية في مسألة الحل الدائم مع الفلسطينيين. إن حلا كهذا، يتم إنجازه فقط بالمفاوضات المباشرة بين الجانبين، من دون شروط مسبقة. إسرائيل تواصل رفضها الاعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية. إن اعترافا كهذا، في أعقاب مجزرة 7 تشرين الأول/ أكتوبر، يمنح جائزة ضخمة جدًا للإرهاب، جائزة لا مثيل لها، وتمنع أي حل مستقبلي للسلام".

وكان التصويت اسميًا، بمعنى مناداة النواب كلٌ باسمه للإعلان عن موقفه، وليس إلكترونيًا. وصوّت إلى جانب البيان 99 عضو كنيست من كتل الائتلاف وغالبية نواب المعارضة. وصوّت ضد البيان 9 نواب فقط هم: 5 نواب كتلة "الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير"، و4 نواب من كتلة "القائمة العربية الموحدة" التي غاب منها نائب.

وتغيبت كتلة حزب العمل، التي تضم 4 نواب عن جلسة التصويت، كموقف جماعي، فيما كان باقي الغياب من كتل أخرى، من دون أي مدلول سياسي.

وبعد إعلان النتيجة قال رئيس الحكومة نتنياهو أمام الهيئة العامة للكنيست: "إن الكنيست توحّد بغالبية ضخمة جدًا ضد المحاولة الرامية إلى فرض إملاءات علينا لإقامة دولة فلسطينية. إن إملاء كهذا ليس فقط أنه لن يجلب السلام، بل سيبعدنا عنه. إن التصويت يمرّر رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي وأنا أتوجّه للمجتمع الدولي باللغة الإنكليزية: إن شعب إسرائيل ومنتخبيه موحدون، بشكل لا سابق له. إن قادة إسرائيل موحدون اليوم، كما لم يكونوا في الماضي. إن السلام ممكن إنجازه فقط بعد أن نحقق نحن انتصارًا حاسمًا على حركة حماس".

ولاحقًا، في يوم 17 تموز 2024، أقر الكنيست قرارًا سياسيًا، شبيهًا بما أقره سابقًا، لكن بصيغة أشد، ويرفض "بشكل قاطع" قيام دولة فلسطينية في أي مكان في فلسطين التاريخية، أو حسب نص القرار، "في أرض إسرائيل"، و"غرب نهر الأردن".

وينص القرار على ما يلي (ترجمة حرفية بما يشمل التعابير المستخدمة):

"إن الكنيست الإسرائيلي يعارض بشكل قاطع قيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن. إن قيام دولة فلسطينية في قلب أرض إسرائيل يشكل خطرًا وجوديًا على دولة إسرائيل وعلى مواطنيها، وهي ستخلد النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وتثير استقرار المنطقة. وستكون مسألة وقت قصير، حتى تسيطر حركة حماس على الدولة الفلسطينية، وتحوّلها إلى قاعدة إرهاب إسلامي أصولي، تعمل بتنسيق مع المحور الذي تقوده إيران، من أجل القضاء على دولة إسرائيل".

وتابع: "إن الدفع قدمًا بفكرة دولة فلسطينية يشكل جائزة للإرهاب، ويشجع حماس ومؤيديها على رؤية الأمر بمثابة جائزة بفضل مذبحة 7 أكتوبر 2023، ومقدمة للسيطرة الإسلامية الجهادية على الشرق الأوسط".

واتخذ القرار بأغلبية 68 نائبًا، من كتل الائتلاف الحاكم، ومعهم نواب كتل المعارضة: "المعسكر الرسمي" بقيادة بيني غانتس، و"إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان، و"اليمين الرسمي" بقيادة جدعون ساعر، الذي انضم لاحقًا للحكومة، وعاد لاحقًا إلى صفوف حزبه الأم، الليكود.

وعارض هذا القرار 9 نواب من كتلتي "الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير"، و"القائمة العربية الموحدة". وغادر جلسة التصويت نواب كتلتي "يوجد مستقبل" بقيادة يائير لبيد، وحزب العمل.

يشار إلى أنه لا مكانة قانونية للبيانات السياسية الصادرة عن الكنيست، فهي ليست ملزمة للحكومة لو عارضت بيانًا معينًا. لكن هذا التأييد المباشر، أو غير المباشر، عن طريق التغيب عن التصويت، ورفض التصويت ضد القرار، يُبرز المواقف الحقيقية للمعارضة.

"أيزنكوت لا يستطيع تجاهل الملف الفلسطيني"

أكد رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، في مقال نشره يوم الأربعاء 26 آب الجاري تحت عنوان "حكومة التغيير لا تستطيع تجاهل الفلسطينيين"، أن الانتخابات على الأبواب مجددًا، ويخوض تحالف جديد من كتلة التغيير، بقيادة غادي أيزنكوت هذه المرة، منافسة شرسة ضد ائتلاف بنيامين نتنياهو من الكهانيين والحريديم. و"يأمل العديد من مؤيديه في أن تعيد الحكومة التي يقودها إسرائيل إلى ما كانت عليه إبان حكومة بينيت ولبيد، قبل الانقلاب على جهاز القضاء، وهجوم حماس في السابع من أكتوبر، والحرب المستمرة منذ ذلك الحين".

وتابع: "تستهدف حملة أيزنكوت، التي تحاول التقليل من شأن القضية الفلسطينية قدر الإمكان، شريحة الناخبين المتوسطة في الكتلة. هذه المرة، لا يتجاهلون قضايا الدين والدولة، بدعوتهم الحريديم إلى التعبئة، لكنهم يسعون إلى التوافق مع سياسة نتنياهو الحازمة، ويحاذرون بث أي رسالة اعتراف بالفلسطينيين وحقوقهم وتطلعاتهم.

"يمكن فهم موقف أيزنكوت. فكتلته منقسمة، وعليه أن يحافظ على تماسكها الهش خشية أن تنهار تحت قيادته. لا يقبل شريكاه الرئيسيان، بينيت وأفيغدور ليبرمان، بقيادته، رغم نجاحاته في استطلاعات الرأي العام، لكن هذه مشكلته الصغيرة".

ويواصل ألوف بن: "أما المشكلة الكبرى فكانت ولا تزال الفجوات الأيديولوجية بين أحزاب التغيير، من بينيت وليبرمان إلى الديمقراطيين والقائمة العربية الموحدة، بشأن القضية الفلسطينية. ولا يقلّ عنها خشيتهم من أن أي إشارة إيجابية للفلسطينيين ستدفع المترددين من اليمين إلى أحضان نتنياهو. لهذا السبب يفضل أيزنكوت التزام الصمت.

"لنفترض أن هذه المناورة تنجح في صناديق الاقتراع. لكن، حتى لو تشكلت حكومة أيزنكوت بعد الانتخابات، فلن تتمتع حتى بفترة السماح القصيرة التي حظي بها بينيت ولبيد في العام 2021. فالضفة الغربية تحترق وتهدد بالانفجار. ماذا سيفعل أيزنكوت؟ هل سيوقف الدعم الحكومي والعسكري الذي يقدمه نتنياهو للإرهاب اليهودي؟ هل سيُجدّد اعتقالات نتنياهو الإدارية للمشتبه بهم بالإرهاب اليهودي، والتي ألغاها وزير الدفاع يسرائيل كاتس؟ هل سيُشيّد الحيّ المثير للجدل في المنطقة E-1، أم سيتخلى عن المشروع تحت ضغط دولي؟ هل سيُخلي مزارع المستوطنين ومعاقل التطهير العرقي وسرقة الأراضي الفلسطينية، أم سيُواصل نشر قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي من أجل حمايتها؟ إن أي قرار يتخذه أيزنكوت في الضفة الغربية قد يُثير حفيظة أحد أحزاب ائتلاف التغيير، سواء من اليمين أو اليسار. هذا قبل أن يُواجه خطة إعادة إعمار غزة والمطالب المتزايدة بانسحاب إسرائيلي من القطاع وجنوب لبنان وسورية".

ويختم ألوف بن كاتبا: "لن يتمكن أيزنكوت من الهروب إلى الأمام. فمسألة كيفية التعامل مع الإرث السام الذي يُخلّفه نتنياهو على الحدود والأراضي ستُطارد حكومته منذ البداية. ولن يتمكن من ’التركيز على المجالين المدني والاقتصادي’ أو على إنقاذ الديمقراطية في مناطق الخط الأخضر. ولذلك، سيكون من الصعب للغاية الحفاظ على ائتلاف التغيير على المدى الطويل".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات