ما زال حزب "الديمقراطيون" الإسرائيلي، الذي تشكل قبل نحو عامين، بوحدة حزبي العمل وميرتس، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان الأسبق يائير غولان، عند قوة في استطلاعات الرأي العام تتراوح بين 9 إلى 10 مقاعد، من أصل 120 مقعدًا في الكنيست، وهي تقريبًا مجموع الأصوات التي حصل عليها الحزبان، بشكل منفصل، في انتخابات خريف العام 2022، إلا أنه في حينه خسر حزب ميرتس التمثيل، بفارق بسيط نسبيًا، عن أصوات نسبة الحسم المطلوبة لتمثيل الحد الأدنى، من 4 مقاعد. فحينما تشكل هذا الحزب في حزيران العام 2024، قفز في استطلاعات الرأي العام إلى ما بين 13 وحتى 16 مقعدًا، لكن لاحقًا بدأ يخسر أمام تشكيلات جديدة نشأت في صفوف المعارضة الصهيونية، كما أن الحزب لم يرفع صوته كبديل سياسي حقيقي، بل في كثير من الأحيان طغت على تصريحات قادته تخبطات، وتقلبات، سايرت أحيانًا توجهات اليمين.
ومعروف أن مطلب الوحدة بين حزبي العمل وميرتس نشأ مرارًا في السنوات العشر الأخيرة، لكن بشكل خاص في السنوات الست الأخيرة، وبالذات في أعقاب نتائج انتخابات الكنيست الـ 25، التي جرت يوم الأول من تشرين الثاني 2022، حينما هبط حزب العمل إلى حضيض غير مسبوق، بتمثيل الحد الأدنى، 4 مقاعد، ونحن نتكلم هنا عن الحزب المؤسس لإسرائيل، الذي انفرد في الحكم في السنوات الـ 29 الأولى.
كما أن حزب ميرتس، الذي تمثل في ما مضى بعدد مقاعد كثيرة، نسبيًا، 12 مقعدًا، أو أقل بقليل، خسر تمثيله كليًا، لأول مرة منذ الإعلان عن تأسيسه، بتحالف 3 أحزاب، عشية انتخابات ربيع العام 1992، التي أعادت حزب العمل برئاسة إسحق رابين إلى الحكم.
في شهر حزيران من العام 2024، وبعد مفاوضات دامت شهورًا كثيرة، تم الإعلان عن الوحدة بين الحزبين، العمل وميرتس، لكن على الرغم من الحديث عن اندماج كلي، فإن الاتفاق ضمن ثلاثة مقاعد لحزب ميرتس، حتى المقعد التاسع في قائمة المرشحين، وبالتأكيد أن هذا الاتفاق سيضمن تغطية ديون حزب ميرتس بملايين الشواكل لخزينة الدولة، في أعقاب خسارته للتمثيل البرلماني، على مدى أربع سنوات.
فالوحدة بين حزبي العمل وميرتس، جاءت من باب اللا مفر لدى الحزبين المتهاويين، وهذا انعكاس لتضاؤل قوتهما الجماهيرية في الشارع الإسرائيلي، الذي يواصل انزياحه إلى اليمين المتشدد، فقد قال أحد استطلاعات الرأي العام، في الشهر الماضي، تموز، إن 38% من الإسرائيليين قالوا إنهم أصبحوا أكثر ميلا لليمين بعد هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كما قال استطلاع آخر أجراه معهد أبحاث سياسة الشعب اليهودي أن 70% من اليهود الإسرائيليين يُعرّفون أنفسهم بأنهم يتبنون مواقف يمينية معتدلة إلى متطرفة.
وعمليًا، فإن حزب ميرتس، الذي احتل موقعًا في الحلبة السياسية الإسرائيلية، وظهرت فيه أصوات جريئة، نسبيًا، أمثال شولاميت ألوني، وزهافا غالئون، ستتلاشى أجندته تدريجيًا في صفوف الحزب الجديد، على الرغم من أن رئيس حزب "الديمقراطيون" غولان، تمثّل في الكنيست، قبل الولاية المنتهية، من خلال حزب ميرتس، لكنه كان شخصية مساندة وليس ممن يتبنون كل برنامج هذا الحزب، الذي يصنّف بموجب التعريفات الإسرائيلية، على أنه "يسار صهيوني".
وفور الإعلان عن إقامة الحزب الجديد، قفز في استطلاعات الرأي العام إلى مستويات لم يعرفها الحزبان، بعد انتخابات العام 2015، ووصل في بعض الأحيان إلى منح هذا الحزب 16 مقعدا، أي ضعفي ما حصل عليه، وجاءت هذه الزيادة على حساب حزب "يوجد مستقبل"، وكنا في ما مضى، استعرضنا العلاقة الطردية بين حزبي "يوجد مستقبل" والعمل، إذ كلما حدث تقدم لأحدهما كان هذا على حساب الآخر.
لكن لاحقًا، لمع اسم رئيس هيئة الأركان الأسبق، غادي أيزنكوت، الذي يقفز منذ عدة أسابيع في استطلاعات الرأي العام، فأزاح عن مقدمة نتائج أحزاب المعارضة، تحالف حزب "يوجد مستقبل" مع حزب نفتالي بينيت، (تحالف "معا")، وليس هذا فحسب، بل إن الزيادة في عدد المقاعد التي يحصل عليها أيزنكوت، جاءت أيضًا على حساب حزب "الديمقراطيون".
أزمة "الديمقراطيون" كأزمة باقي أحزاب المعارضة
يعكس المشهد الحاصل في حزب "الديمقراطيون" أزمة متصلة تمامًا بالأزمة التي تضرب المعارضة الصهيونية برمتها، وهذا ما أشرنا إليه في "المشهد الإسرائيلي"، في العدد 713، الصادر يوم 6 تموز الماضي، إذ يستدل من مئات استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية، الصادرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، أن الجمهور المعارض لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ليس واثقًا من البديل الحقيقي لحكم نتنياهو، المستمر بتواصل، تقريبًا، منذ العام 2009؛ فعلى الرغم مما يظهر في استطلاعات الرأي العام حتى الآن، ليس مضمونًا أن نتنياهو سيخسر الحكم في انتخابات تشرين الأول المقبل، فمنذ الانتخابات الأخيرة، تناوبت 4 أحزاب معارضة على صدارة استطلاعات الرأي، كمنافس رئيس لحزب الليكود، وزعيمه، وخلال هذه الفترة، تلاشى أحد هذه الأحزاب، والثاني في طريقه ليكون كتلة صغيرة، ولربما هامشية.
وبالإمكان الاستنتاج من هذا أن جمهور المعارضين في حالة تخبط، وليس واثقًا من البديل، وفي المقابل، فإن الفريق الحاكم، الذي يظهر في استطلاعات الرأي العام بعيدًا عن العودة إلى الحكم، بفعل خسائر الليكود الكبيرة، يُظهر ثباتًا، وهذا ما قد يكون قاعدة لتقدمه أكثر نحو حاجز "النصف"، والقصد 60 مقعدًا من أصل مقاعد الكنيست الـ 120.
ولا يوجد أي حزب من كل هذه الأحزاب يحمل خطابًا نقيضًا لخطاب ديمومة الحرب، وإشعال النيران في كل مكان، لا بل في كل الحالات، كان قادة الأحزاب، وبضمنهم يائير غولان رئيس "الديمقراطيون"، قد انتقدوا اتفاقيات أو تفاهمات لوقف إطلاق النار، إن كان في لبنان، أو إيران مرتين، وحتى أيضًا في قطاع غزة، إذ كانت انتقادات لنتنياهو بأنه "لم ينجح في إحراز هزيمة مطلقة لحركة حماس".
ونعرض الآن نموذجًا جديدًا لهذه الحالة السياسية في المعارضة، فقبل نحو أسبوعين، هاجمت عصابات المستوطنين قرية تل وارتكبت هناك مجزرة، وكان من الأهالي من دافع عن نفسه، وفي الحال أصدر غولان بيانًا يدعو فيه إلى ما أسماه "معالجة الإرهاب الفلسطيني" في الضفة الغربية، وبعد مرور ثلاثة أيام، أصدر بيانًا آخر يدعو فيه إلى معالجة "عنف المستوطنين".
وزاد على هذه الحالة النائب العمالي جلعاد كريف، الذي يظهر بمظهر السلامي، فقد أصدر منشورين باللغتين العبرية والعربية، ففي حين انتقد المستوطنين باللغة العربية، ففي اللغة العبرية عبّر عن تضامنه مع من أسماهم "أهالي الضحايا" من المستوطنين.
هل ستدخل إسرائيل مرحلة قلاقل جديدة؟
استنادًا لما تبثه جميع استطلاعات الرأي العام فإن إسرائيل مقبلة على انتخابات ستفرز حالة عدم استقرار جديدة، كما كان على مدى 3 سنوات ونصف السنة الماضية، من ربيع العام 2019 وحتى خريف العام 2022، إذ أفرزت الانتخابات الحكومة الأكثر استقرارًا منذ 38 عامًا، لكن أيضًا هذا الاستقرار لم يكن واقعًا حقيقيًا، إذ أنه حصل بعد عدم اجتياز حزبين نسبة الحسم بقوة مجتمعة لسبعة مقاعد، وحزب آخر حصل على ما يعادل أكثر من مقعد، ففي حين أن معدّل نسبة الأصوات التي لا تدخل في حسابات المقاعد في الانتخابات البرلمانية في حدود 3%، فإنه في الانتخابات الأخيرة، كانت هذه النسبة 8.7%، ما انعكس على توزيع المقاعد كلها، ولولاها لكان الائتلاف الحاكم اليوم قد حصل على أغلبية الحد الأدنى (61 مقعدًا) أو نصف مقاعد الكنيست لا أكثر.
كذلك تشير استطلاعات الرأي العام إلى أنه حتى الآن ستغيب عن الكنيست الكتلة الكبيرة، إذ أن أكثر ما تحصل عليه كتلة كهذه حوالي 23 مقعدًا، وهذا يعني أن تشكيل أي حكومة سيحتاج إلى عدد كبير نسبيًا من الأحزاب، ما سيساهم في قلاقل أي حكومة سوف تتشكّل، هذا إذا تشكلت أصلًا بعد الانتخابات.
المصطلحات المستخدمة:
الصهيونية, الكتلة, الليكود, الكنيست, بنيامين نتنياهو, نفتالي بينيت