يستدل من مئات استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية، الصادرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، أن الجمهور المعارض لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ليس واثقا من البديل الحقيقي لحكمه المستمر بتواصل، تقريبا، منذ العام 2009؛ فعلى الرغم مما يظهر في استطلاعات الرأي العام، حتى الآن، ليس مضمونا أن نتنياهو سيخسر الحكم في انتخابات تشرين الأول المقبل، فمنذ الانتخابات الأخيرة، تناوبت 4 أحزاب معارضة على صدارة استطلاعات الرأي العام، كمنافس رئيس لحزب الليكود، وزعيمه، وخلال هذه الفترة، تلاشى أحد هذه الأحزاب، والثاني في طريقه ليكون كتلة صغيرة، وربما هامشية.
وبالإمكان الاستنتاج من هذا، أن جمهور المعارضين في حالة تخبط، وليس واثقا من البديل، وفي المقابل، فإن الفريق الحاكم، الذي يظهر في استطلاعات الرأي العام بعيدا عن العودة إلى الحكم، بفعل خسائر الليكود الكبيرة، يُظهر ثباتا، وهذا ما قد يكون قاعدة لتقدمه أكثر نحو حاجز "النصف"، أي 60 مقعدا من أصل مقاعد الكنيست الـ 120.
الائتلاف تراجع بعد الانتخابات فورا
اللافت أن فريق الائتلاف الحاكم حاليا، والذي حاز على أغلبية 64 مقعدا، من أصل 120 مقعدا، بدأ يخسر أغلبيته المطلقة، بُعيْد الإعلان عن تشكيل حكومته، يوم 30 كانون الأول 2022، بعد الانتخابات الأخيرة بشهرين، إذ تكشفت على الملأ أجندته، التي في صلبها ضرب الجهاز القضائي، وكل ما هو مرتبط به، مثل طواقم الاستشارات القضائية في مؤسسات الحكم، بدءا من منصب المستشار القانوني للحكومة، ومن ثم جميع الوزارات، والمؤسسات الرسمية.
في واجهة هدف هذا المخطط كانت محاكمة بنيامين نتنياهو، الذي يريد ضرب جهاز النيابة العامة، ومن ثم تغيير تركيبة هيئة قضاة المحكمة العليا، وفرض سطوة على تعيين القضاة، وهذا هدف مهم ومركزي، لكن ليس وحده، بل إن اليمين الاستيطاني المتطرف يريد إزالة كافة المعوقات القانونية وغيرها، التي قد تقف أمام أجندته المتطرفة، وشديدة التطرف، إن كان على مستوى الاستيطان ومخطط ضم الضفة الغربية، أو على صعيد سن قوانين عنصرية أشد.
ولم تمر ثلاثة أسابيع، بمعنى قبل أن ينتهي الشهر الأول من العام 2023، كانون الثاني، حتى اندلعت موجة احتجاجات شديدة في المدن الإسرائيلية، استقطبت في وقت لاحق مئات آلاف المتظاهرين، وهنا بدأت تظهر استطلاعات الرأي العام التي خفّضت قوة الليكود، من 32 مقعدا فاز بها في الانتخابات، إلى ما دون 27 مقعدا وأكثر، حتى فقد الفريق الحاكم في الاستطلاعات أغلبيته.
وقفز إلى الصدارة يومها، حزب "يوجد مستقبل" ("يش عتيد") بزعامة يائير لبيد، الذي حصل في الانتخابات على 24 مقعدا، تلته كتلة تحالف "المعسكر الرسمي"، بزعامة بيني غانتس وجدعون ساعر، وكان لها في الانتخابات 12 مقعدا.
المحطة التالية هجمات السابع من أكتوبر
أحدثت هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، صدمة غير مسبوقة في الشارع الإسرائيلي، وقلبت فورا اهتمامات الشارع، وأولها طي حملة الاحتجاجات الشعبية لعدة أشهر، وتشكيل حكومة حرب، بحسب التسمية، وهي حكومة طوارئ، مع فرض أنظمة طوارئ واسعة، عرفت مثلها إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، لكن مع سلسلة من الإضافات، التي أجازت قمع الشارع، وتشديد القبضة الحديدية والقمعية ليس فقط على قطاع غزة، وإنما على الفلسطينيين في الضفة الغربية ومناطق 1948.
ودعا نتنياهو الذي تهاوى بسرعة في استطلاعات الرأي العام، بعد تحميله مسؤولية الفشل، إلى حكومة "وحدة قومية" واسعة، لكن هذا لم يتحقق، نظرا لعدم رغبة، غير معلنة، من نتنياهو شخصيا، وأيضا من منافسه الأبرز، حتى ذلك الوقت، يائير لبيد، وتم ضم الكتلة التي يتزعمها رئيس هيئة الأركان الأسبق بيني غانتس، ودخل إلى الحكومة، مع عدد من النواب، من دون تولي حقائب وزارية مباشرة، بل كان غانتس، ومعه شريكه في الكتلة، رئيس هيئة الأركان الأسبق غادي أيزنكوت، أعضاء في طاقم إدارة الحرب المقلص.
وهنا سطع نجم "الجنرال المسؤول" غانتس، وحقق قفزات غير منطقية في استطلاعات الرأي العام، التي منحته على مدى أسابيع ما بين 38 وحتى 41 مقعدا، في مقابل انهيار الليكود إلى 16 مقعدا، كما جاء تقدم غانتس على حساب يائير لبيد وحزبه.
لكن بعد أشهر قليلة جدا، بدأ مسار التراجع، حتى قرر غانتس مغادرة الحكومة يوم 8 أيار 2024، بعد 7 أشهر، تقريبا، من انضمامه لها، وقبل هذا، كان شريكه في الكتلة، جدعون ساعر، قد انشق عنه، لكن لم يكن له وزن في استطلاعات الرأي العام، وهنا بدأ مسار التراجع المتسارع لغانتس في الاستطلاعات، والذي منذ عام ونصف العام، باتت تتنبأ له بعدم عبور نسبة الحسم، التي تضمن 4 مقاعد برلمانية.
ظهور نفتالي بينيت مجددا
مع مرور الوقت، وتأقلم الشارع الإسرائيلي مع الوضع الحربي، إن جاز التعبير، وتغليب خطاب القوة، عاد نتنياهو والليكود إلى صدارة استطلاعات الرأي العام، بتناوب لفترة قصيرة، مع حزب أقامه رئيس الحكومة الأسبق، نفتالي بينيت، وفي هذه الفترة، وكما ذكر سابقا، تثبتت مكانة الحزب الذي يقوده بيني غانتس دون نسبة الحسم، بموازاة استمرار تراجع حزب "يوجد مستقبل" بزعامة لبيد، إلى معدل 7 مقاعد، من أصل 24 مقعدا حصل عليها في الانتخابات الأخيرة، وهذه النتيجة في استطلاعات الرأي العام كانت شبه ثابتة في جميع الاستطلاعات، التي تنشر تباعا في وسائل الإعلام.
في مرحلة لاحقة، بدأ نفتالي بينيت يتراجع، وباتت نتيجة حزبه دون حزب الليكود، الذي تثبت في صدارة استطلاعات الرأي العام.
أمام هذه الوضعية، وبهدف أن يكون بينيت في صدارة استطلاعات الرأي العام، كالحزب الأقوى، أقام في نهاية شهر نيسان الماضي، تحالفا انتخابيا مع حزب "يوجد مستقبل"، وكان واضحا منذ البداية أن هذا التحالف هو تلاق بين شخصين، تلاقيا في الأهداف والسياسات، منذ أن وصل لبيد لأول مرة إلى الكنيست، في انتخابات مطلع العام 2013، لكن كما ثبت لاحقا، فإن هذا التلاقي لا يعني إقناع كامل جمهور المصوتين لكليهما، لأنه يعكس تجانسا سياسيا بين زعيمي الحزبين، لكن بموازاة اختلافات مجتمعية إسرائيلية، لا يمكن غض الطرف عنها، وهذا انعكس في نتيجة التحالف، الذي قد يخسر أكثر لاحقا.
فقبل إعلان التحالف كان مجموع ما يحصل عليه الحزبان في استطلاعات الرأي العام بمعدل 30 مقعدا، وقالت أول استطلاعات نشرت بعد إعلان التحالف، أنه يحصل على ما بين 25 إلى 26 وأحيانا 27 مقعدا.
ثم بدأت مسيرة التدهور في استطلاعات الرأي العام، حتى بلغ في نهاية الأسبوع الماضي، تقريبا في جميع استطلاعات الرأي العام، حد 17 مقعدا، مع توجه تراجع آخر لاحقا. وظهرت شائعة في الأسابيع القليلة الماضية، أن بينيت ولبيد سيفكان الشراكة، لكن سرعان ما نفيا الأمر.
أيزنكوت "النجم المناوب"
بموازاة تراجع بينيت، كان الحزب الذي أسسه رئيس هيئة الأركان الأسبق، غادي أيزنكوت، يرتفع تباعا في استطلاعات الرأي العام، ليس فقط من حيث عدد مقاعد حزبه، بل أيضا هو الشخص الوحيد، في العامين الأخيرين، الذي تفوق على نتنياهو، في الإجابة على سؤال: من تفضل لرئاسة الحكومة؟. ففي الأشهر القليلة الأولى للحرب، في العام 2024، كان تفوقا قصيرا لغانتس، ثم تراجع.
ويحصل أيزنكوت في استطلاعات الرأي العام حاليا على ما بين 20 و21 مقعدا، لكن ما زال التفوق لحزب الليكود.
تبدّل الأسماء والأزمة واحدة
تحما كل هذه الأسماء التي تناوبت ولا تزال على صدارة أحزاب المعارضة، خطابا سياسيا متشابها بقدر كبير، لكن لا يوجد أي حزب من كل هذه الأحزاب، يحمل خطابا نقيضا لخطاب ديمومة الحرب، وإشعال النيران في كل مكان، لا بل في كل الحالات، كان قادة الأحزاب الأربعة السابق ذكرها، قد انتقدت اتفاقيات أو تفاهمات لوقف إطلاق النار، إن كان في لبنان، أو في إيران مرتين، وحتى أيضا في قطاع غزة، إذ كانت انتقادات لنتنياهو بأنه "لم ينجح في إلحاق هزيمة مطلقة بحركة حماس".
نعني بهذا أن هذه الأحزاب لم تطرح خطاب انفراج وتهدئة، بل على العكس، فخطاب التوتير وسيطرة القوة، هو خطاب محسوب في الشارع الإسرائيلي على اليمين الاستيطاني، واليمين الأشد تطرفا، علما أن بينيت، على سبيل المثال، هو من أبرز شخصيات اليمين الاستيطاني، وكان ذات يوم رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية، ولم ينفك يوما عن هذا الخط السياسي.
إن هذه الحال تقول بشكل واضح إنه لا توجد معارضة قوية قادرة على خلع الحكومة الحالية، وفريقها الحاكم عن سدة الحكم، بشكل قاطع.
وإذا أخذنا بالحسبان الخلل الدائم في استطلاعات الرأي العام، وهذا ما استعرضناه سابقا في "المشهد الإسرائيلي"، فإن الاحتمال قائم بأن يكون مجموع مقاعد الفريق الحاكم حاليا أكثر من مجموع أحزاب المعارضة الصهيونية، لكن من دون أن يحظى بأغلبية مطلقة.
والخلل الأبرز في استطلاعات الرأي العام، هو أنها كلها تقلل من مجموع مقاعد كتلتي جمهور المتدينين المتزمتين، الحريديم، من 18 مقعدا حاليا، إلى ما بين 16 وحتى 15 مقعدا، في حين أن هاتين الكتلتين اللتين تعتمدان على جمهور يتكاثر بوتيرة ثلاثة أضعاف الجمهور العلماني، مرشحة لزيادة مقاعدها الحالية، على الأقل بمقعد واحد، وربما بمقعدين.
والخلل الثاني هو تجميد مجموع مقاعد الأحزاب التي تنشط في المجتمع العربي عند 10 مقاعد حاليا، في حين أن التحالفات التي ستكون شبه مؤكدة قد تضيف 3 أو 4 مقاعد، وممكن أكثر، بمعنى أن مقاعد الحريديم والعرب قد تعيد توزيع المقاعد بشكل مختلف عما نراه في استطلاعات الرأي العام.
إن الاستنتاج المرحلي مما يظهر حتى الآن أن الانتخابات المقبلة ستوجد خارطة برلمانية مشرذمة، فإذا تشكلت بعدها حكومة، سيكون عمرها قصير الأجل، في حين أن سيناريو إعادة الانتخابات يكون قائما، وهذا للتأكيد كما يبدو المشهد حاليا، وقد تحدث مفاجآت.
المصطلحات المستخدمة:
المستشار القانوني للحكومة, الصهيونية, الكتلة, الليكود, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو, يائير لبيد, نفتالي بينيت