المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 30
  • ياسر مناع

عقد في إسرائيل مؤتمر الحكم المحلي MUNI EXPO 2026 في نسخته التاسعة تحت عنوان "شراكة رابحة". وامتد المؤتمر على مدار يومين في 23 - 24 حزيران 2026، بمشاركة واسعة من النخبة السياسية والإدارية والاقتصادية. وشملت المشاركة رئيسي الدولة والحكومة، ووزراء وأعضاء كنيست ورؤساء بلديات ومجالس استيطانية ومديري وزارات حكومية، إضافة إلى ممثلين عن شركات مركزية وخبراء في الابتكار الحضري وإدارة السلطات المحلية.

يقصد بالسلطات المحلية في إسرائيل وحدات الحكم المحلي التي تدير الشؤون البلدية والخدماتية للسكان ضمن نطاقات جغرافية محددة، وتشمل البلديات والمجالس المحلية والمجالس الإقليمية.

لم ينحصر المؤتمر في قضايا الحكم المحلي والخدمات البلدية. فقد تحوّل إلى منصة سياسية وأمنية عكست أولويات إسرائيل في المرحلتين الآنية والمقبلة. إذ حضرت في مداخلاته ملفات الحرب في غزة والوجود العسكري في جنوب لبنان والمواجهة مع إيران والتهديد الحوثي والضفة الغربية، إلى جانب الجريمة في المجتمع العربي وسياسة هدم البيوت في النقب وعلاقة المؤسسة الرسمية بالسلطات المحلية بعد 7 أكتوبر.

تتناول هذه المساهمة أبرز القضايا والمداخلات التي وردت في المؤتمر عبر استعراض مواقف الشخصيات المشاركة. ويأتي في مقدمتها بنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس وبتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير، إلى جانب مداخلات أخرى تناولت الحكم والضفة الغربية المحتلة والأمن والمجتمع والاقتصاد.

أطول حرب في تاريخ إسرائيل

من أبرز المداخلات كانت مداخلة نتنياهو، إذ قدم خطابًا مدافعًا عن القرارات العسكرية التي اتخذتها حكومته خلال الحرب في غزة ولبنان وسورية وإيران، مدعيًا أنها حققت مكاسب استراتيجية كبيرة وغيّرت ميزان القوى في المنطقة. 

وقال إن الحكومة عملت خلال الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر والتي وقفت إسرائيل خلال على حافة الهلاك – وفق تعبيره- وهي الحرب الأطول في تاريخ إسرائيل، وفق سياسة تقوم على تحقيق أمن الدولة. وأضاف أن إسرائيل تحقق الأمن من خلال قاعدة واحدة، وهي: "من ينهض لقتلك، بادر إلى قتله". 

فيما أكد أن إسرائيل ستواصل الحفاظ على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان لمنع حزب الله من اجتياح الجليل أو تهديد التجمعات الشمالية، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل تفكيك بنى حزب الله في جنوب لبنان. كما قال إن إسرائيل تعمل على مواجهة تهديد الحوامات المسيّرة المتفجرة، واعتبر أن هذا التهديد يمثل مشكلة عالمية وأن إسرائيل ستكون أول من ينجح في حلّها.

كما تحدث نتنياهو عن الاعتراضات التي واجهها قبل دخول رفح واستهداف حزب الله والحرب مع إيران، وقال إنه لم يستمع إلى هذه التحذيرات. وأضاف أن من عارضوا هذه العمليات ينتقدون اليوم لأن إسرائيل لم تحقق كامل أهدافها، مع أن النتيجة - بحسب قوله - "ضخمة" رغم بقاء عمل إضافي في غزة ولبنان وإيران. كما دافع عن العمليات الإسرائيلية في سورية، وقال إنها جاءت لحماية الدروز وتعهد بعدم التخلي عنهم. وفي الملف الإيراني، كرر أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي كان مهمة مركزية في حياته السياسية.

معركة إسرائيل طويلة

جاءت مداخلة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ قصيرة نسبيًا حيث نوه إلى أن معركة إسرائيل طويلة، وأنها أثبتت من جديد أن إدارة الدولة لا يمكن أن تستغني عن السلطات المحلية. وأكد أن أفضل الأفكار والحلول تأتي غالبًا من المستوى المحلي؛ لأن السلطات المحلية تقف مباشرة أمام احتياجات السكان اليومية. 

وأضاف أنه بعد نحو ثلاث سنوات على 7 أكتوبر وفي ظل حالة كبيرة من عدم اليقين داخل إسرائيل، تبرز الحاجة إلى سلطات محلية قوية وقادرة على إدارة الحياة اليومية بوصفها جزءًا من حاجات الناس الأساسية.

وتحدث هرتسوغ عن ضرورة بناء "حيز إسرائيلي مشترك" لكل الجماعات التي تتكون منها الدولة، أي حيز يضم جماعات لا تتفق على كل شيء وأحيانًا لا تتفق على أي شيء لكنّها تستطيع إنتاج نسيج حياة محترم ومستقر يتسع للجميع. 

لا انسحاب من جنوب لبنان

كان وزير الدفاع يسرائيل كاتس أكثر وضوحًا في مداخلته، إذ جدد التأكيد أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، حتى في حال صدور طلب أميركي بذلك، مع تأكيده أن واشنطن لم تطلب هذا الانسحاب في المرحلة الحالية. وقال كاتس إن الجيش مستعد للبقاء في المنطقة، وإن إسرائيل أعلنت مسبقًا أنها لن تنسحب في أي ظرف. 

وأشار إلى أن إسرائيل تسيطر على منطقة أمنية تمتد على طول الحدود مع لبنان، وتصل في بعض المناطق إلى عمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وتشمل مناطق تتجاوز نهر الليطاني وتصل إلى أطراف النبطية.

وتطرق كاتس إلى ملف السكان اللبنانيين الذين أخلوا منازلهم في الجنوب، وقال إن نحو 200 ألف منهم لن يعودوا إلى منازلهم، مبررًا ذلك بأن وجود سكان مدنيين داخل مناطق أمنية سابقة أتاح تنفيذ هجمات وعبوات ناسفة ضد الجنود الإسرائيليين. 

كما وجّه تهديدًا مباشرًا إلى قيادة الحوثيين في اليمن، وعلى رأسها عبد الملك الحوثي. وقال إن إسرائيل لن تتردد في استهداف قائد الحوثيين عند توفر فرصة عملياتية، وقال إن زعيم الحوثيين "يختبئ في الأنفاق، وفي حال أصبح على مرمى الاستهداف، فسيموت".

بن غفير يتوعد بمزيد من الهدم

اثارت مداخلة  وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير موجة غضب عارمة، إذ تطرق فيها إلى الاحتجاج البدوي في النقب ضد هدم المباني "غير المرخصة"، وأكد أن سياسة الهدم ستستمر وتتوسع. وقال إن السلطات لم تتعامل خلال السنوات السابقة بصورة كافية مع ما وصفها بأنها ظاهرة البناء غير القانوني في النقب، وفي السنة الأخيرة فقط تم هدم 5,700 بيت زاعمًا أنها بيوت غير قانونية.

وأضاف أنه لا ينوي تغيير سياسة الهدم، قائلًا: "ليناموا في الكثير من المدارس، وليجهزوا الكثير من الأماكن لأنني سأهدم لهم المزيد والمزيد". في إشارة إلى العائلات التي وجدت نفسها مضطرة إلى الاحتماء بالمدارس بعد هدم منازلها.

كما ركز بن غفير على علاقته بالسلطات المحلية، ووصف التعاون معها بأنه بلغ مستوى غير مسبوق، وإن وزارته أقامت 1000 فرقة حراسة ونقلت إليهم مركبات أمنية، وفتحت لأول مرة مناطق كاملة أمام استحقاق حمل السلاح. وانتقد بن غفير قرارات الجيش الإسرائيلي بشأن إغلاق بعض فرق الحراسة، واعتبر ذلك خطأ. وقال إن عدد رخص السلاح ارتفع خلال ولايته من 8000 - 25000 رخصة، داعيًا إلى زيادة العدد أكثر. 

على بُعد قرار واحد من التحليق فوق إيران

أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش فقال في مداخلته إن إسرائيل لا تشارك طوعًا في آلية الرقابة في لبنان، وإنها تواصل تعميق الإنجاز هناك عبر ما وصفه بـ"حراثة عميقة لا سابقة لها". وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يقف على بُعد قرار واحد من التحليق فوق إيران خلال ثلاث ساعات وأن النظام الإيراني خسر حتى الآن في العملية الأخيرة أكثر من 400 مليار دولار. 

كما قال سموتريتش إن إسرائيل توسّع مساحة سيطرتها في غزة، وإنها تسيطر على 70% من القطاع، مؤكدًا أن لا حرب من دون قيود، وداعيًا إلى عدم التعامل مع هذا الملف بطريقة شعبوية. وفي حديثه عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال سموتريتش إن ترامب سار مع إسرائيل مسافة طويلة وإنه لا يجوز إنكار ذلك أو التعامل معه بنكران جميل.

وتوسع سموتريتش في الحديث عن إيران، وقال إن الجيش الإسرائيلي يستطيع اليوم بمجرد صدور قرار من المستوى السياسي العمل فوق طهران وتنفيذ ما يلزم. وأضاف أن إيران مكشوفة تمامًا وأضعف بكثير عسكريًا وسلطويًا وأن إسرائيل نجحت في تأخير برنامجها النووي ومشروعها الصاروخي بدرجة كبيرة. 

كما انتقل إلى الملف السياسي الداخلي، وقال إن هناك محورًا من أوروبا إلى من وصفها بأنها جهات في حكومة غادي آيزنكوت المستقبلية يسعى إلى التراجع عن كل ما أقامه اليمين. وأضاف أنه إذا عاد اليسار إلى الحكم فسيغلق القناة 14 في حين سيمنع إغلاق إذاعة الجيش. كما هاجم بعض رؤساء السلطات المحلية وقال إنهم يحاولون تنفيذ "اغتيال موجّه" ضد المدير العام الجديد لسلطة أراضي إسرائيل  يهودا إلياهو. 

"انقلاب البنادق" والحوامات المسيرة

حذّر رئيس مجلس مستوطنة كدوميم عوزئيل فاتيك في مداخلته من أن الواقع الأمني في الضفة الغربية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر يفرض تغييرًا جذريًا في تصورات حماية المستوطنات. وقال إن السيناريوهات القديمة التي اعتمدها الجيش لم تعد ملائمة؛ لأنها ركزت سابقًا على تسلل فرد أو خلية صغيرة، بينما يتطلب الوضع الحالي الاستعداد لهجمات أوسع وأكثر تنظيمًا. 

وأضاف فاتيك أن المجالس الاستيطانية في الضفة الغربية يجب أن تستعد أيضًا لاحتمال "قلب البنادق" من جانب أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، أي سيناريو توجيه سلاحها نحو إسرائيل أو انضمامها إلى مواجهة واسعة. وانتقد الحكومة الإسرائيلية؛ لأنها ما زالت أسيرة تصور أمني قديم يقوم على "احتواء الإرهاب" وملاحقة المقيمين غير القانونيين، بينما بدأت المجالس الاستيطانية في الضفة تغيير تصوراتها الأمنية والعمل على مدار الساعة. 

كما حذّر من تهديد الحوامات المسيّرة المفخخة، وقال إنه عُثر في مطلع الشهر على حوامات تحمل مواد متفجرة في إحدى القرى الفلسطينية بالقرب من نابلس معتبرًا أن هذا هو بمثابة تهديد لا تمتلك إسرائيل له حلًا واضحًا حتى الآن.

وتطرق فاتيك إلى النقاش السياسي حول مستقبل الضفة الغربية ومقترحات توسيع الحكم الذاتي الفلسطيني، وقال إن نقل أراض إضافية إلى السيطرة الفلسطينية سيزيد الخطر الأمني على إسرائيل. وانتقد فكرة نشر قوات فلسطينية على المرتفعات، واعتبرها حلًا غير مقبول أمنيًا. وذهب إلى حد القول إن إلغاء اتفاقيات أوسلو هو الطريق الوحيد لتوفير الأمن لإسرائيل.

في السياق ذاته، أعلن رئيس الصندوق القومي اليهودي إيال أوسترينسكي أن المنظمة لن تدفع خلال فترة ولايته في اتجاه شراء أراض في الضفة الغربية، موضحًا أن نشاط المنظمة في هذا المجال سيركز على مناطق أخرى داخل إسرائيل.

أغلبية اليهود ما زالوا خارج إسرائيل

في مداخلته تطرّق رئيس الوكالة اليهودية دورون ألموغ إلى الدور الذي تؤديه الوكالة في ربط إسرائيل بيهود العالم. وقال إن ما تفعله الوكالة اليهودية لا يستطيع أي تنظيم آخر القيام به، مشيرًا إلى أن أغلبية الشعب اليهودي ما زالت تعيش خارج إسرائيل، لذلك تكتسب أنشطة الوكالة داخل الجاليات اليهودية في العالم أهمية خاصة في هذا الوقت بالذات.

وأضاف ألموغ أن وجود تنظيم خيري قادر على الوصول إلى قلب اليهود في العالم يساعد في تعزيز دولة إسرائيل. وركّز على العلاقة المتبادلة بين قوة إسرائيل وقوة الجاليات اليهودية في الخارج، وقال "إن تعزيز اسرائيل يعزز الشتات وتعزيز الشتات يعزز دولة إسرائيل"، معتبرًا أن العلاقة بين الطرفين مباشرة ووثيقة.

إسرائيل تعيش حالة انفصال عما يحدث في الميدان

انتقد غادي أيزنكوت، الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي ورئيس حزب "يشار"، في مداخلته، طريقة تعامل الدولة مع الحكم المحلي، وقال إن إسرائيل تعيش حالة انفصال عمّا يحدث في الميدان. ودعا إلى توسيع صلاحيات السلطات المحلية وزيادة الموارد والميزانيات الممنوحة لها، معتبرًا أن رؤساء السلطات يعرفون كيف ينفذون المشاريع والخطط على الأرض بصورة أفضل. 

وانتقل أيزنكوت إلى الملف السياسي الداخلي، فهاجم بشدة الدفع قدماً بقانون أساس "دراسة التوراة"، واعتبره اسمًا بديلًا لقانون التهرب من الخدمة العسكرية وربطه بمساع لإقامة لجنة تحقيق سياسية في أحداث السابع من أكتوبر.

 كما تطرق إلى الإضراب المخطط له في المرافق العامة، ووصف الوضع بأنه غير مقبول، قائلًا إن القطاع غير العامل وغير الخادم يعطل الدولة على حساب القطاع العامل والخادم. وأكد أن قضية التجنيد تمثل بالنسبة إليه خطًا أحمر وشرطًا أساسيًا في أي مسار سياسي مستقبلي، مضيفًا أنه إذا تطلب تشكيل الحكومة تمرير قانون التهرب من الخدمة فإنه يفضّل الذهاب إلى انتخابات أخرى.

وفي مداخلته قال بني غانتس إن إسرائيل تحتاج إلى تشكيل حكومة وحدة صهيونية واسعة، معتبرًا أن هذا الخيار يمثل الطريق الوحيد لاتخاذ قرارات كبيرة في المرحلة الحالية. وجاء حديثه في سياق ربط قضية الجريمة في المجتمع العربي بالحاجة إلى قيادة سياسية قادرة على اتخاذ قرارات واسعة داخل الدولة.

عاصفة التحقيق في أحداث 7 أكتوبر

تطرّق مراقب الدولة متنياهو إنغلمان في مداخلته إلى أحداث 7 أكتوبر من زاوية المساءلة الرسمية وأداء أجهزة الدولة قبل الهجوم. وقال إن المشكلة الأساسية في ذلك اليوم تمثلت في أن الجهات المسؤولة لم تستمع إلى الصوت الآخر، ولم تُصغِ إلى تحذيرات المجندات المراقبات. من هذه النقطة ربط إنغلمان بين الإخفاق الأمني وغياب الإصغاء إلى المؤشرات التحذيرية التي سبقت الهجوم.

وأوضح إنغلمان أن بعض مقدمي الالتماسات إلى المحكمة الإسرائيلية العليا طلبوا منه إزالة فصل المسؤولية الشخصية من تقارير 7 أكتوبر ثم نشر التقارير بعد ذلك، لكنه رفض هذا الطلب. وقال إن إسرائيل تعيش بعد ثلاث سنوات من الحدث من دون لجنة تحقيق رسمية، مؤكدًا أن القانون يمنحه صلاحية إجراء الرقابة في هذا الملف. بذلك شدّد على أن غياب لجنة تحقيق رسمية لا يلغي الحاجة إلى فحص المسؤوليات ونشر النتائج أمام الجمهور.

كما كشف إنغلمان أن لديه مسودة تقرير تتعلق بحفلة "نوفا"، لكنه لا يستطيع نشرها في هذه المرحلة، وسأل: "ألا يستحق الأهالي الحصول على إجابات؟". فيما طالبت عائلات الضحايا مراقب الدولة بأن يعلن بوضوح عن الحاجة إلى إقامة لجنة تحقيق رسمية فورًا، بدلًا من الاكتفاء بتلميحات تزيد ألم العائلات.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات