المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 38
  • وليد حباس

تشكل المزارع اليهودية في الضفة الغربية (أو المزارع الرعوية) اليوم إحدى أهم أدوات إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الضفة الغربية، بعدما تحولت من مبادرات استيطانية محدودة إلى سياسة حكومية مؤسسية تحظى بالدعم المالي والقانوني والأمني. وإلى جانب كونها أداة للتوسع الاستيطاني، تعتبر إسرائيل هذه المزارع جزءًا من "رؤية الأمن الغدائي 2050"، وعليه تتطور في جزء كبير منها باعتبارها مشاريع خاصة تقوم على الريادة والاستثمار والزراعة الحديثة.

كيف بدأت المزارع اليهودية في الضفة الغربية؟

منذ مطلع التسعينيات، ومع انطلاق مسار اتفاقيات أوسلو وتراجع وتيرة البناء الاستيطاني الرسمي، اتجهت الحركة الاستيطانية إلى تطوير نموذج جديد يقوم على إنشاء البؤر والمزارع الاستيطانية بوصفها أداة فعالة للسيطرة على الأرض. في العام 1999، شكلت دعوة أريئيل شارون إلى "الاستيلاء على التلال" نقطة تحول في هذا المسار، ثم وفر خلال توليه وزارة البنى التحتية دعمًا سياسيًا ولوجستيًا لإقامة مزيد من البؤر. في العام 1996 أسس أفري ران مزرعة "غفعات عولام" [وهو يعتبر الأب الروحي للمزارع الرعوية وشبيبة التلال] التي أصبحت نموذجًا انتشرت على أساسه مزارع استيطانية أخرى في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، خاصة حول المستوطنات الكبرى.

اكتسبت هذه المزارع أهمية متزايدة بعد العام 2009، إذ قدمها مؤسسوها باعتبارها ردًا على خطة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، واعتبروها وسيلة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المناطق المفتوحة ومنع التوسع الفلسطيني. في غور الأردن بدأ إنشاء مزارع جديدة منذ العام 2016، ضمن مبادرات استهدفت إقامة بؤر بالقرب من مناطق التدريب العسكري والمحميات الطبيعية. 

تسارع انتشار هذا النموذج بصورة كبيرة بين عامي 2017 و2025، ليصل عدد المزارع إلى نحو 130 مزرعة تسيطر على أكثر من 780 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة "أراضي الدولة" في الضفة الغربية. وفي شباط 2025 خصصت الإدارة المدنية نحو 16 ألف دونم إضافية لهذه المزارع. تؤدي هذه المزارع دورًا مركزيًا في تهجير التجمعات الفلسطينية والسيطرة على الأراضي والمراعي عبر الترهيب والعنف والوجود الاستيطاني الدائم.

من يدير المزارع اليهودية في الضفة الغربية؟

تركز غالبية التقارير الفلسطينية وتقارير الرصد الحقوقية على المزارع اليهودية بوصفها امتدادًا لنشاط شبيبة التلال، وأداة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وتهجير التجمعات البدوية والرعوية، وفرض واقع من العنف والترهيب يحد من الوجود الفلسطيني في المناطق المفتوحة. تعكس هذه القراءة جانبًا أساسيًا من وظيفة هذه المزارع ودوافعها الاستيطانية. مع ذلك، برز خلال السنوات الأخيرة بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في دمج هذه المزارع تدريجيًا داخل المنظومة الزراعية والبيئية الإسرائيلية، عبر تحويلها إلى مشاريع اقتصادية واستثمارية تعتمد على الزراعة المتقدمة، والتقنيات الذكية، والإنتاج عالي القيمة، وتحظى بدعم مؤسسات الدولة ووزاراتها، بما يجعلها جزءًا من رؤية إسرائيل للأمن الغذائي للعام 2050، إلى جانب دورها في تكريس السيطرة على الأرض.

يجعل هذا التوظيف لدور المزارع اليهودية منها عنصرًا حاضرًا في عمل العديد من الوزارات الإسرائيلية، على رأسها وزارة الزراعة والأمن الغذائي، التي يترأسها منذ 2022، عضو الليكود المتطرف آفي ديختر. في نهاية حزيران 2026، زار ديختر مزرعة "إله الواحة" في شمال غرب جنين، وصرح: "على مدار عشرات السنوات دعمت دولة إسرائيل المزارع فقط غربي الخط الأخضر وأهملت كليًا المزارع اليهودية في الضفة الغربية. لماذا؟ هكذا بدون أي سبب! والآن [منذ مجيئي للوزارة]، لا يوجد خط أخضر في ما يخص الزراعة، و[عمل الوزارة يمتد الآن] من البحر إلى النهر. 

مرة أخرى نعود إلى ملف المزارع الرعوية ونستعرضها كأحد المجالات التي تشرف عليها الحكومة الإسرائيلية بشكل مباشر؛ وهو ما يمكن وصفه بأن ’ضم منجز’".

في العام 2026، كان هناك نحو 130 مزرعة يهودية في الضفة الغربية، تسيطر على نحو 14% من كامل مساحة الضفة الغربية. حسب رؤية 2050 للأمن الغذائي في إسرائيل، تعتبر المزارع منظومات بيئية تقدم خدمات تتجاوز إنتاج الغذاء، مثل حفظ التنوع الحيوي، وتنقية المياه والهواء، وامتصاص الكربون، والمحافظة على المناظر الطبيعية. 

تتميز غالبية المزارع اليهودية في الضفة الغربية باعتمادها على أساليب زراعة حديثة وتقنيات متقدمة، تشمل استخدام أنظمة ري ذكية، إدارة بيانات المحاصيل، والزراعة الدقيقة التي تتيح إنتاجًا عالي الجودة بموارد أقل. كما تميل هذه المزارع إلى تبنّي أساليب الزراعة العضوية وتقليل استعمال المبيدات الكيميائية، بهدف تلبية الطلب المتزايد على منتجات صحية وذات قيمة مضافة عالية. خلف هذه المزارع تقف غالبًا مجموعات صغيرة من روّاد أعمال وعائلات (أنظر/ي الجدول 1)، تتحرك ضمن شبكة داعمة من ممولين، جمعيات، جماعات ضغط، وأطر تنظيمية تساعد في ترخيص النشاط وحمايته. 

بالإضافة إلى ذلك، تستند هذه المشاريع إلى شبكات تسويق وتوزيع فعّالة، تربط الإنتاج المحلي بأسواق داخل إسرائيل وخارجها، مما يعزز جدواها الاقتصادية ويُحوّلها إلى منصات تجريب وتطوير في مجال الزراعة المتقدمة. في العام 2024، تم تأسيس "اتحاد المزارع" بمبادرة من أصحابها، بهدف تمثيلهم أمام مؤسسات الدولة، وتنسيق العمل مع الأجهزة الأمنية والسلطات الحكومية، وتأمين الدعم المالي والموارد اللازمة. لعب الاتحاد دورًا مؤسساتيًا حيويًا في نقل المزارع اليهودية من مبادرات فردية إلى إطار مؤسسي منظم يهدف إلى توسيع مشروع المزارع، وحماية "أراضي الدولة"، وتعزيز الوجود الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية.

الجدول 1: المزارع اليهودية الممنوحة كملكية استخدام للمزارعين في الضفة الغربية، 2025

 

المجلس الاستيطاني

اسم المزرعة

مالكو المزارع

1

جبل الخليل

يهودا

إليشيف وروني نحوم

2

جبل الخليل

ميشك مان

يسسخار ويعيل مان

3

جبل الخليل

نحلات دوف

يسرائيل ونحماه بلوخ

4

جبل الخليل

ميدبار حيفر

نتان وألوما باروخ

5

جبل الخليل

مكنيه يهودا

يسرائيل وموريا كابلان

6

جبل الخليل

نيغوهوت

حغاي وإيمونا نيسيم

7

جبل الخليل

ميشك دروما

عميحاي وأفيا شيلا

8

جبل الخليل

سديه هرئيل

أهارون وموريا سمحوفيتس

9

جبل الخليل

ميتاريم

ينون وسبير ليفي

10

جبل الخليل

شوراشيم

شمعون وأفيطال عطية

11

جبل الخليل

سفات هميدبار

يويو وما شفوت

12

جبل الخليل

نوفي يهودا

عزريا وراعيا شفارتس

13

جبل الخليل

نيفيه عتنئيل

أوريا وتحيا نحوم

14

غوش عتصيون (بيت لحم)

عيدن

فدايا ودفورا عيدن

15

غوش عتصيون (بيت لحم)

نيفيه أوري

ليئور وراحلي تال

16

غوش عتصيون (بيت لحم)

بنيه كيديم كنوف

غبريئيل وشيرا رايس

17

غوش عتصيون (بيت لحم)

نحلات أفوت

أفراهام وأوريت بوبر

18

غوش عتصيون (بيت لحم)

هرئيل زوهار يهودا

إليشع وشاحر تيرنر

19

غوش عتصيون (بيت لحم)

تسون كيدار

أريئيل ويسكا غرينغليك

20

بنيامين (رام الله-سلفيت)

همخوخ

نيريا وراحيل بن بازي

21

بنيامين (رام الله- سلفيت)

هحافاه شل حنينا

حنينا ومورشاه فريدمان

22

بنيامين (رام الله- سلفيت)

نيتساح هرئيل

ملخيئيل وأوريا شموأولوفيتس

23

بنيامين (رام الله- سلفيت)

غؤون هيردين

ميخا وحنا سوداي

24

بنيامين (رام الله- سلفيت)

مشكنوت هرئيل

ينون وتخيليت كوهين

25

بنيامين (رام الله- سلفيت)

معاليه أهوفيا

عساهئيل وحيسيد ليف

26

بنيامين (رام الله- سلفيت)

روح هآرتس

درور وبات حين غرنبيتس

27

بنيامين (رام الله- سلفيت)

شليشا

موشيه وروت ينون

28

بنيامين (رام الله- سلفيت)

بنياهو كوهين

بنايا وشوهام كوهين

29

بنيامين (رام الله- سلفيت)

مفو هار-إيل

اليشيف وأوري أتينغر

30

بنيامين (رام الله- سلفيت)

غال يوسف

أوريا وشلوميت سعدون

31

بنيامين (رام الله- سلفيت)

تئينا

أفيتار وبتيا كارو

32

بنيامين (رام الله- سلفيت)

نحال شيلو

ميخائيل وتهيلا سمله

33

بنيامين (رام الله- سلفيت)

لختحيلا

يحزقئيل ونعماه فريدمان

34

بنيامين (رام الله- سلفيت)

شوفيا

يوسف حاييم ودفورا ماغينزي

35

بنيامين (رام الله- سلفيت)

حيسيد عولام

أوريا وأفيشاغ تايري

36

بنيامين (رام الله- سلفيت)

حافات إيرتس هتسفي

تسفي وهداسا ليكس

37

السامرة (شمال الضفة الغربية)

شوفال

هارئيل وطاليا ليبي

38

السامرة (شمال الضفة الغربية)

أفيحاي

إيتان وعدي ميلت

39

السامرة (شمال الضفة الغربية)

دوروت عليت

بن يشاي وليئا أشد

40

السامرة (شمال الضفة الغربية)

نوف أفي

يسرائيل وسارة رابوبورت

41

السامرة (شمال الضفة الغربية)

تسردا

حوني ورعوت بيران

42

السامرة (شمال الضفة الغربية)

شوفي إيرتس

عيدن ورفكا ليفي

43

السامرة (شمال الضفة الغربية)

تل حيمد

يسرائيل وغئولا دهان

44

السامرة (شمال الضفة الغربية)

شعوريم

يائير وهدار أوبنهايمر

45

السامرة (شمال الضفة الغربية)

إل نيفيه

نداف وبتئيل شفارتس

46

السامرة (شمال الضفة الغربية)

معوز تسفي

أفراهام وشارون كلنر

47

السامرة (شمال الضفة الغربية)

أفيا

يوآف وراحلي فحيمة

48

السامرة (شمال الضفة الغربية)

إيتمار كوهين

إيتمار وشكما كوهين

49

السامرة (شمال الضفة الغربية)

سكالي

يتسحاق وحفتسي سكالي

50

السامرة (شمال الضفة الغربية)

ميروم شموئيل

نتي ونسيا شفولب

51

السامرة (شمال الضفة الغربية)

بنينيم

تومر وميطال بنيني

52

السامرة (شمال الضفة الغربية)

إل حاي

دافيد وهدار منتشوبسكي

53

السامرة (شمال الضفة الغربية)

هشكيديم

نتي ونسيا شفولب

54

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

بكعوت

نيريا وإليشيفاع شاليم

55

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

سرتابا

روعي وعيدن ألمكيس

56

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

نيفيه ترتسا

موشيه وموريا شربيط

57

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

إيرتس شيمش

عساهئيل ورعوت كورنيتس

58

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

نيفيه روعيم

تسوريئيل وأورا ليلنتال

59

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

تنيه يروك

ديدي وشيرا عموسي

60

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

نوف غلعاد

أوري وأفرات كوهين

61

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

عينوت كيديم

عومر ونعماه عتديا

62

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

مناحيم وأوريا

مناحيم وأوريا غوشين

63

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

زوهار

زوهار ورعوت سابح

64

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

شيزاف

يايا ونعومي كوهين

65

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

نتيف هغدود

شلومو وهليل شليسل

66

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

هرشاش

إليآف وسارة ليبي

67

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

شعار هميليخ

موشيه وسيغليت تمير

68

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

جاكسون

نوعام ومريم جاكسون

69

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

نوف هاريم

أفراهام وعينات دوري

70

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

عميئيل

عميئيل وتمار أخيطوف

71

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

تسفي هعوفريم

إيتان وشاري زئيف

72

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

تومر

شموئيل وتسوفيا شليسل

73

مجلس البحر الميت ومجلس الغور 

متسبور بتسائيل

أوري ورفكا مدموني

المصدر: اتحاد المزارع الإسرائيلي، 2026

 

أين وصلت المزارع اليهودية في 2026؟

أحدثت حكومة ب. نتنياهو- ب. سموتريتش اليمينية الاستيطانية تحوّلًا نوعيًا في سياسة البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية في الضفة الغربية، عبر الانتقال من سياسة اتسمت بالغموض والتمويل غير المباشر إلى سياسة معلنة ومؤسسية تعتمد على التمويل الحكومي المباشر وتوظف البؤر والمزارع أداة لفرض ضم فعلي تدريجي للمناطق المصنفة "ج". وبالرغم من أن الحكومات السابقة دعمت البؤر الاستيطانية، فإن المرحلة الحالية تتميز بتحويل هذه السياسة إلى جزء رسمي من عمل الدولة وموازناتها.

فبعد أن بلغ المتوسط السنوي نحو ثماني بؤر بين عامي 2012 و2022، ارتفع العدد إلى 32 بؤرة في العام 2023، ثم 62 في العام 2024، ووصل إلى 86 بؤرة خلال العام 2025. 

حتى نهاية 2025 استحوذت المزارع اليهودية في الضفة الغربية على نحو 786 ألف دونم، أي ما يعادل 14% من مساحة الضفة الغربية، بينما وقع نحو 70% من هذا الاستيلاء بعد 7 أكتوبر. بعد إنشاء المزرعة اليهودية، تمرّ عملية تطويرها في ما يسميه مركز صندوق التعاون الاقتصادي (أو ECF، وهو معهد إسرائيلي يدعم اتفاقيات أوسلو) بـ "المرحلة الوسيطة" (بين إنشاء البؤرة وتقنينها)، وهي مرحلة تستغرق عادة نحو خمس سنوات، تعتمد خلالها البؤر على استثمارات حكومية ضخمة تشمل شق الطرق، وإقامة شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتوفير المباني، والقطعان الزراعية، والمعدات الأمنية، بهدف تثبيت "حقائق على الأرض" قبل الحصول على الاعتراف الرسمي.

خلال هذه المرحلة، كما اتضح من عمل الحكومة الحالية، يأتي التمويل الحكومي عبر شبكة واسعة من المؤسسات، تتصدرها شعبة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، بالإضافة إلى وزارات الزراعة والاستيطان والنقب والجليل، والمجالس الإقليمية، والصندوق القومي اليهودي. يسهم هذا التعدد في قنوات التمويل في صعوبة تتبع الحجم الحقيقي للإنفاق الحكومي.

تشير ECF إلى أن موازنة إسرائيل للعام 2026 تمثل ذروة هذا التحول، إذ خصصت الحكومة نحو 2.7 مليار شيكل لدعم الاستيطان، منها 1.1 مليار شيكل لتعزيز وإقامة مستوطنات جديدة، و338 مليون شيكل لتطوير البنية التحتية لـ36 بؤرة ومستوطنة ما زالت في مراحل التقنين، بالإضافة إلى مئات ملايين الشواكل للأمن وشق الطرق والمجالس المحلية. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات