المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 8
  • ياسر مناع

لم تغب مسألة التطبيع مع الدول العربية عن الحسابات الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتحولت إلى غاية ونتيجة من النتائج التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها بعد الحرب، حيث تنظر إلى هذا المسار بوصفه جزءًا من رهان أوسع على إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتوسيع علاقاتها السياسية وبناء شبكات أمنية واقتصادية جديدة تعزز موقعها الإقليمي. في هذا السياق، جاءت جلسة اللجنة الفرعية للسياسة الخارجية والإعلام الخارجي في الكنيست التي انعقدت يوم 10 شباط 2026، ضمن محاولة إسرائيلية لقياس ما بقي من زخم الاتفاقيات الإبراهيمية، وما تعطل بفعل الحرب، وما يمكن ترميمه أو توسيعه في المرحلة المقبلة.

عقدت اللجنة جلستها رقم 88 برئاسة عضو الكنيست بوعز بيسموت من حزب الليكود، وخصصت جدول أعمالها تحت عنوان "تعزيز وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية". فيما شارك في الجلسة ممثلون عن مجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع، ومنسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، ووزارات الاقتصاد والزراعة والطاقة والتعليم والسياحة، إلى جانب باحثين وممثلين عن مراكز ومنظمات من بينهم غاليا لافي من معهد أبحاث الأمن القومي وجيرمي يسسخاروف، سفير إسرائيل السابق لدى ألمانيا.

تكشف مداولات الجلسة عن أن إسرائيل لا تتعامل مع الاتفاقيات الإبراهيمية باعتبارها فصلًا دبلوماسيًا اكتمل منذ العام 2020، وإنما كمسار مفتوح يحتاج إلى تثبيت بعد الحرب وتوسيع عند توفر الظروف السياسية. فقد انشغل النقاش بثلاثة أسئلة رئيسة: هل صمدت العلاقات مع الإمارات والبحرين والمغرب بعد الحرب على غزة؟ أين تعطلت مجالات التعاون؟ وما هي الشروط أو الصيغ التي قد تسمح بتوسيع التطبيع نحو السعودية ودول أخرى؟

هل صمدت اتفاقيات التطبيع بعد الحرب؟

في عرض الحصيلة العامة لمسار التطبيع، قدّمت الجلسة الاتفاقيات الإبراهيمية بوصفها انتقالًا من نموذج "السلام البارد" إلى تطبيع علني ومفتوح مع تركّز واضح في العلاقة مع الإمارات. إذ أشار بيسموت إلى ما وصفه بالإمكانات الكبيرة لهذه الاتفاقيات، واستحضر زيارة السفير الإماراتي إلى الكنيست قبل أيام من الجلسة بوصفها مؤشرًا إلى استمرار الاهتمام الإماراتي.

 أما مجلس الأمن القومي، فقد عرض الأمر بوصفه أولوية حاضرة في جدول الأعمال الإسرائيلي والإقليمي والأميركي وطرح إمكانات مختلفة لتوسيع إطار التطبيع بأشكال متعددة منها: الانضمام الكامل، أو صفة مراقب، أو شراكة جزئية، وهي صيغ تعكس رغبة إسرائيلية في خفض السقف أمام دول يصعب عليها سياسيًا الانضمام الكامل في الوقت الراهن.

على المستوى الأمني والسياسي، سعت وزارة الدفاع إلى التأكيد أن الحرب لم تكسر العلاقات القائمة، حيث وصفت العلاقات مع الإمارات والمغرب والبحرين بأنها علاقات استراتيجية، تشمل حوارات سياسية وأمنية وصناعية مع بروز خاص للإمارات والمغرب واستمرار علاقة جيدة مع البحرين. وعندما سأل بيسموت عمّا إذا كانت إسرائيل واجهت خطر خسارة هذه العلاقات خلال السنتين الأخيرتين؟ أجاب ممثل وزارة الدفاع بأنه لم يشعر بذلك، فيما أكد مجلس الأمن القومي أن العلاقات مع الشركاء القائمين بقيت مستقرة ومتينة.

غير أن هذا التقدير الرسمي لا يلغي حقيقة أخرى أظهرتها مداخلات الوزارات الأخرى. فالحرب لم تُسقط العلاقات الدبلوماسية العليا، لكنها أضعفت مجالات التعاون العملي خصوصًا في الزراعة والطاقة والسياحة والمنتديات المشتركة. حيث قالت وزارة الزراعة إن هناك تباطؤًا واضحًا منذ سنتين أو ثلاث وإن منتدى النقب لم يجتمع منذ تموز 2023 وإن مجموعات العمل مع الإمارات في الزراعة المائية والري والأصناف المقاومة توقفت منذ السابع من أكتوبر كما صار العمل مع المغرب أكثر صعوبة. 

وقدمت وزارة الطاقة صورة مشابهة حين وصفت السنتين الأخيرتين بالصعبتين مع استمرار العمل في قضايا المياه والطاقة والابتكار ومشروع IMEC. أما وزارة السياحة، فقد عرضت أرقامًا محدودة لدخول الإماراتيين إلى إسرائيل، إذ زارها 2,900 إماراتي العام 2019، و1,600 العام 2022، و970 العام 2023، ولم يزرها أي اماراتي العام 2025 بسبب الحرب.

إلى جانب الاقتصاد والأمن، كشف النقاش عن محاولة إسرائيلية لإحياء مسار تطبيع أكثر هدوءًا عبر التعليم. فقد عرضت وزارة التربية والتعليم زيارة وفد إسرائيلي إلى الإمارات قبل الجلسة بنحو ثلاثة أسابيع؛ بهدف تجديد العلاقات وبناء تعاون في مجالات المدارس والجامعات وتعزيز اللغة. ولفتت شيرين حافي ناطور، مديرة قسم التعليم في المجتمع العربي داخل وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، عن أن الزيارة حملت دلالة خاصة بسبب ما وصفته بأنه تغيّر في موقف المجتمع العربي في إسرائيل تجاه اتفاق السلام مع الإمارات، وبسبب وجود تحديات تعليمية مشتركة في مجالات الطفولة المبكرة والمدارس والمهارات القرائية. 

في المقابل، ظهرت الإمارات في مداخلة منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة بوصفها الشريك الأكثر حضورًا في ملف المساعدات الإنسانية خلال الحرب على غزة. حيث أشار ممثل المنسق إلى دور إماراتي في المساعدات الطبية والغذائية ودعم جهات إنسانية داخل القطاع، وذكر المغرب كذلك في سياق تنسيق إدخال مساعدات وصلت جوًا إلى مطار بن غوريون ثم دخلت إلى غزة.

في البعد السياسي قال يسسخاروف إن إدارة العلاقات مع إسرائيل صارت أصعب بالنسبة إلى الشركاء العرب خلال السنتين الأخيرتين، لأنهم لا يرون أفقًا سياسيًا يمكنهم العمل من خلاله. وأضاف أن ما كان ممكنًا قبل السابع من أكتوبر، أي التقدم مع دول عربية من دون معالجة الموضوع الفلسطيني، تغيّر بعد الحرب.

وفق هذا التقدير، لم تعد المسألة الفلسطينية ملفًا يمكن تجاوزه بسهولة في مسارات التطبيع الجديدة خصوصًا في الحالة السعودية. لذلك، رأى يسسخاروف أن العلاقات مع الإمارات لن تتراجع الآن، لكنه لا يرى تقدمًا جديًا مع السعودية وربما لاحقًا مع سورية ولبنان والكويت وعُمان من دون سياسة إسرائيلية واضحة وأفق سياسي تجاه الفلسطينيين.

وقد ظهر داخل الجلسة صوت إسرائيلي نقدي يرى أن مأزق التوسع لا يرتبط فقط بظروف الحرب أو بموقف السعودية، وإنما بتناقض أعمق بين خطاب التطبيع وسياسات السيطرة على الفلسطينيين. فقد حذّرت رُون يامين، ممثلة "مبادرة جنيف" وحركة "السلام الآن"، من أن إسرائيل لا تستطيع أن تدير سياسة خارجية وأمنية في مسارين متوازيين: أولهما يتحدث عن الاتفاقيات الإبراهيمية بوصفها طريقًا إلى الازدهار والسلام، والآخر يدفع نحو الضم وما يرافقه من عزلة سياسية.

السعودية والملف الفلسطيني وصيغ الشراكة المرنة

في محور توسيع دائرة الاتفاقيات، عرض ممثل مجلس الأمن القومي أوري ريزنيك رؤية إسرائيلية أكثر مرونة، إذ قال إن الهدف لا يقتصر على ضم دول جديدة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية بصيغتها الأصلية، وإنما يشمل توقيع اتفاقيات مستقلة مع دول قد لا ترغب في الدخول تحت الاسم نفسه. وذكر أن إسرائيل تدرس تركيبات سياسية واقتصادية وداخلية مختلفة تسمح بانضمام دول إضافية مع التفكير في درجات متعددة من الشراكة. وفي هذا السياق، برز اسما كازاخستان وصوماليلاند بوصفهما مثالين على توسيع الإطار خارج الدائرة العربية التقليدية أو استخدامه منصة لعلاقات أوسع تقودها الولايات المتحدة.

أما السعودية، فقد تم استعراضها بوصفها الاختبار المركزي لأي توسع مستقبلي. حيث قال ممثل وزارة الاقتصاد إن وزارة الخارجية ووزارة المالية تنسقان مجموعات تفكير حول إندونيسيا والسعودية وإن الهدف هو الاستعداد لليوم الذي تتحرك فيه الأمور رسميًا مع إقراره بأن الملف لا يقف الآن على جدول الأعمال وأن هناك "برودًا معينًا".

في المقابل، يرى يسسخاروف إن السعودية بحسب انطباعاته من محادثات غير رسمية لن تقدم على خطوة مهمة قبل انتهاء الانتخابات في إسرائيل وإن السعوديين أوضحوا أن أي مسار موثوق ومتفق عليه مع الفلسطينيين وإسرائيل سيساعد في الوصول إلى تطبيع العلاقات.

وقبل الوصول إلى مشروع IMEC، عرضت وزارة الاقتصاد البنية الاقتصادية القائمة للتطبيع بوصفها أحد أكثر المسارات استمرارًا بعد الحرب. فقد تحدث ممثل الوزارة عن وجود ملحقيتين اقتصاديتين إسرائيليتين في الإمارات، وعن افتتاح ملحقية اقتصادية في المغرب وعن اتفاق تجارة حرة مع الإمارات دخل حيز التنفيذ في نيسان 2023. كما شدد على أن الإمارات لم تعد سوقًا عادية بالنسبة إلى الشركات الإسرائيلية وإنما بوابة إلى أسواق أوسع في الشرق الأوسط وآسيا ومركزًا تجاريًا ترتبط قيمته بالموانئ والاستثمار والتصدير وإعادة التصدير. 

IMEC والرهان الاقتصادي

إلى جانب البعد السياسي، حضر مشروع IMEC بوصفه الرهان الاقتصادي الأكبر. والمقصود به الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. حيث ترى كل من وزارة الاقتصاد والزراعة والطاقة إلى المشروع باعتباره فرصة استراتيجية لربط إسرائيل بممرات التجارة والطاقة والاتصال بين الشرق والغرب. ويرى ممثل وزارة الاقتصاد إن موانئ الإمارات مثل دبي ورأس الخيمة وميناء حيفا يمكن أن تشكل ركائز في ممر يبدأ من الهند وينتهي في أوروبا بما يخدم الصادرات الإسرائيلية شرقًا وغربًا. 

فيما قالت وزارة الزراعة إنها تنتظر المشروع لأنه قد يفتح مسار تجارة بريًا مهمًا للقطاع الزراعي، ومن جانبها أوضحت وزارة الطاقة أنها تفحص إمكان تحويل إسرائيل إلى جسر إقليمي في مجال الطاقة. أما غاليا لافي، من معهد أبحاث الأمن القومي، فقد حذرت من أن ممرات النقل والطاقة وكوابل الاتصال تتشكل في الشرق الأوسط من دون إسرائيل ورأت أن دخول إسرائيل الآن أفضل من دخولها لاحقًا بشروط يضعها الآخرون.

الأهم في مداخلة غاليا لافي أنها تتعامل مع IMEC بوصفه أداة لتطبيع تدريجي قد يسبق الإعلان السياسي. فقد أشارت إلى أن بعض الخطوات العملية، مثل توسيع عدد الشاحنات التي تمر عبر المعابر القائمة في إسرائيل، يمكن أن تبني وقائع اقتصادية تجعل السعودية أقرب إلى الاندماج في ترتيبات رسمية لاحقًا.

بهذا المعنى، لا تراهن إسرائيل فقط على اتفاق كبير ومعلن مع الرياض وإنما تفكر أيضًا في مسار متدرج من المصالح التجارية والممرات البرية والربط الإقليمي بحيث يتحول الاقتصاد إلى مدخل سياسي أقل كلفة من الإعلان الدبلوماسي المباشر.

كما فتح النقاش نافذة على اتفاقيات السلام القائمة، خصوصًا مع الأردن وهي نقطة غائبة تقريبًا عن القراءة التي تركز على الاتفاقيات الإبراهيمية وحدها. فقد تحدّث ممثل منظمة "بتسلمو" عن تدهور العلاقة مع الأردن منذ سنوات وتحدث عن قيود مفروضة على المتدينين في المعابر وعن تحريض في الإعلام والمناهج الأردنية ضد إسرائيل.

في إعادة المسألة الفلسطينية إلى قلب الحسابات الإقليمية

في الإجمال العام كشفت هذه الجلسة في ماهيتها عن مفارقة مركزية في التفكير الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، فمن جهة ترى إسرائيل أن الاتفاقيات الإبراهيمية صمدت في مستواها الرسمي والأمني وأن شركاءها القائمين لم ينسحبوا من العلاقة معها بالرغم من الحرب، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحرب أضعفت مجالات التطبيع المدني، ورفعت كلفة التقدم مع دول جديدة، وأعادت المسألة الفلسطينية إلى قلب الحسابات الإقليمية خصوصًا في المسار السعودي.

 كما أن تحويل الجلسة من مفتوحة إلى سرية في نهايتها لاستكمال النقاش حول الاتفاقيات وعدد من الدول، يوضح حدود ما يكشفه البروتوكول العلني، فالأسماء والمسارات التي ظهرت في النقاش المفتوح، مثل السعودية وإندونيسيا وكازاخستان وصوماليلاند، لا تستنفد بالضرورة ما تبحثه المؤسسة الإسرائيلية في الغرف المغلقة، ولا تكشف النقاب عن كامل خريطة الاتصالات أو الدول المرشحة أو الشروط التي تناقشها إسرائيل مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين.

المصطلحات المستخدمة:

مجلس الأمن القومي, لافي, الليكود, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات