المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 8
  • ياسر مناع

في سياق الحرب الجارية مع إيران اتسع النقاش داخل الإعلام الإسرائيلي ليتجاوز متابعة تفاصيل العمليات العسكرية ومآلاتها المحتملة والسيناريوهات القادمة متجهاً نحو مستوى أعمق يرتبط بطبيعة المعلومات نفسها وحدود ما يُتاح منها للمتلقي الإسرائيلي. يتركز هذا النقاش على كيفية إدارة هذه المعطيات وضبطها ضمن إطار منظم يوجّه إدراك الجمهور ويعيد تشكيل فهمه لمسار الحرب. يعكس هذا التحول انتقالاً من إعلام يكتفي بوصف الحدث إلى إعلام يحدد شروط المعرفة به ويؤثر في طريقة تلقيه.

في سياق هذا التحول، يتراجع بشكل ملحوظ حجم المعلومات المتاحة بشأن عدد الصواريخ ومواقع سقوطها وحجم الأضرار، وهو ما يختلف، إلى حدّ ما، عن أنماط التغطية في الحروب السابقة على غزة أو في جولات المواجهة مع لبنان وإيران. يشمل هذا التقييد وسائل الإعلام التقليدية، ويمتد أيضاً إلى القنوات غير الرسمية، خاصة النشطة على منصات التواصل الاجتماعي مثل تلغرام، حيث تنخفض كمية المعطيات المتداولة مقارنة بالفترات السابقة. ويُفسَّر هذا التراجع ضمن رؤية مركزية تقوم على "منع تقديم أي مساعدة للعدو في زمن الحرب"، وهو خطاب بات يشكّل إطاراً ناظماً للسلوك الإعلامي في المجالين الرسمي وغير الرسمي داخل إسرائيل.

في ضوء ذلك، يقتضي التنويه بطبيعة العلاقة المتداخلة بين الرقابة العسكرية والإعلام في إسرائيل، حيث تشكّلت هذه العلاقة عبر عقود كإطار ناظم للعمل الإعلامي خاصة في سياقات الحرب وفي ما يتعلق بالمعلومات الأمنية، وينص القانون على أن كل من يقوم بطباعة أو نشر مواد مطبوعة أو منشورات تتعلق بأمن الدولة يجب أن يقدمها إلى الرقيب قبل الطباعة أو النشر. فيما تعزز هذا الإطار في السنوات الأخيرة عبر تشريعات وإجراءات إضافية داخل الكنيست، مثل القوانين التي حظرت عمل بعض القنوات الإعلامية أو ما عرف بقانون "الجزيرة"، وملاحقة صحافيين فلسطينيين بتهمة "التحريض".

بالعودة إلى سياق الحرب الجارية مع إيران، طرح الصحافي والمحلل السياسي رفيف دروكر عبر القناة 13 تساؤلات مباشرة حول غياب نشر مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية، وعدم عرض مشاهد اعتراضها كما كان يحدث في جولات سابقة، إضافة إلى غياب الأرقام الدقيقة المرتبطة بعدد الصواريخ في كل رشقة. ولم يقتصر نقد دروكر على اللحظة الراهنة، بل أشار إلى مسار تطوري واضح في سياسات النشر، يمكن تلخيصه في ثلاثة أنماط رئيسة:

أولاً: مرحلة النشر الدقيق، كما في حرب لبنان الثانية العام 2006 حيث عُرضت مواقع السقوط بشكل واضح ومحدد.

ثانياً: مرحلة التحديدات التقريبية، حيث جرى تقليص الدقة المكانية مع الإبقاء على قدر تقريبي من المعلومات.

ثالثاً: المرحلة الحالية، التي تتميز بالامتناع شبه الكامل عن نشر المواقع أو المعطيات الكمية الدقيقة للصواريخ أو الخسائر.

وأكد دروكر أن هذا الحجب لا يقتصر على المناطق المدنية إذ يمتد إلى القواعد العسكرية والمواقع الحساسة، التي لا يُكشف عنها حتى بعد مرور فترات زمنية طويلة.

من جانبه تطرق جدعون ليفي في صحيفة "هآرتس" في مقالة له بتاريخ 12 آذار 2026 إلى زاوية أخرى وقدم نقداً أكثر حدة، إذ يرى أن الإعلام الإسرائيلي تجاوز مرحلة الامتثال التقليدي للرقابة إلى مرحلة جديدة من الرقابة الذاتية. يلاحظ ليفي أن المراسلين يعرضون تفاصيل هامشية مثل أضرار طفيفة، ويحرصون في الوقت نفسه على تأكيد أن ما يُعرض تم بموافقة الرقابة، رغم أن القانون لا يفرض هذا السلوك ولا تطلبه الرقابة العسكرية. هنا يتحول الامتثال من التزام مفروض إلى ممارسة طوعية معلنة.

في هذا الإطار، يحدد ليفي الخطر الأساس في الرقابة الذاتية، لأنها لا تُفرض من الخارج ولا تواجه مقاومة إذ تنبع من داخل المؤسسات الإعلامية نفسها. مع مرور الوقت يتجاوز الإعلام مجرد الامتثال للرقابة ويعرض هذا الامتثال بوصفه سلوكاً مهنياً مشروعاً وهو ما يعكس تحولاً أعمق في تعريف وظيفة الإعلام الإسرائيلي.

يفيد تحليل ليفي بحدوث انكشاف أوسع لطبيعة عمل الإعلام الإسرائيلي، لا سيما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إذ لم يعد الحجب مقتصراً على تدخل رسمي مباشر واتجهت الممارسة نحو نموذج أكثر تعقيداً قائم على الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية. تمارس وسائل الإعلام الامتناع المسبق عن نشر المعطيات الكمية والمكانية الدقيقة وتُظهر في الوقت نفسه التزاماً علنياً بقيود الرقابة.

بالعودة إلى السياسات الرسمية الإسرائيلية فيما يتعلق بالنشر والتغطية الصحافية على المستويين الداخلي والخارجي، يشير تحقيق أعدته مجلة +972 إلى أن إسرائيل وخلال الحرب الحالية تفرض قيوداً صارمة تشمل منع نشر المواقع الدقيقة لسقوط الصواريخ ومنع تصوير الأضرار بطريقة قد تكشف هذه المواقع. ويأتي ذلك في ضوء تعليمات الرقيب العسكري نتنائيل كولا، الذي أوضح أن هذه السياسة تهدف إلى منع تقديم أي فائدة عملياتية للعدو. كما أظهرت وثيقة صادرة عن الرقابة العسكرية بتاريخ 5 آذار 2026 أن وسائل الإعلام ملزمة بعرض طيف واسع من المواد على الرقابة قبل النشر يشمل المعلومات العملياتية والتقديرات الاستخباراتية ومستوى الجاهزية الدفاعية ومواقع الضربات وسقوط الصواريخ.

وترى المجلة أن هذه القيود تنعكس عملياً في التغطية الميدانية خاصة في البث المباشر من المدن الكبرى حيث تُمنع وسائل الإعلام من إظهار مواقع إطلاق صواريخ الاعتراض ما يدفع الوكالات الإخبارية الإسرائيلية والعالمية إلى تعديل زوايا التصوير أو قطع البث. كما مُنع نشر مقاطع تُظهر فشل عمليات الاعتراض أو استمرار الشظايا ورُفض نشر صور إطلاق صواريخ الاعتراض حتى في الحالات التي لا تكشف مواقع دقيقة.

على مستوى الصحافة الداخلية، أشار الصحافي نيتسان شابيرا من القناة 12 إلى أن الرقابة منعت نشر معلومات حول احتمال تصعيد من حزب الله قبل أن تُنشر لاحقاً عبر وكالة  CNNما أتاح تداولها داخل إسرائيل. ويدفع هذا الواقع الصحافيين إلى استخدام أساليب غير مباشرة لنقل المعلومات مثل الاعتماد على بيانات الحرس الثوري أو حزب الله. في 10 آذار 2026، استندت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية مثل صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى بيانات حزب الله لتحديد الأهداف في محاولة للالتفاف على القيود المفروضة.

أما على مستوى الإعلام الدولي، فقد أشارت صحيفة "تايمز أوف يسرائيل" في مقال لها يوم 10 آذار 2026 نقلاً عن وكالة "أ.ف.ب" إلى أن الحكومة الإسرائيلية شددت قيودها مع تصاعد الحرب مع إيران، بما يشمل حظر ما يلي:

  1. البث المباشر لأفق المدن أثناء الإنذارات،
  2. تصوير اعتراض الصواريخ،
  3. تصوير مواقع سقوط الصواريخ قرب مواقع حساسة،
  4. نشر معلومات عن الخطط العسكرية ومنظومات الدفاع.

وتأكيداً على ذلك، يرى أورن ليبرمان في مقاله على موقع CNN أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب الحالية اتجهت نحو تشديد استثنائي يركز بشكل خاص على وسائل الإعلام الدولية التي لا تقوم بعرض كل مقطع فيديو على الرقيب العسكري للمراجعة، إلا أنها اليوم تخضع لقيود صارمة تمنع بث مشاهد مباشرة قد تكشف دقة الصواريخ الباليستية الإيرانية أو مواقع منظومات الاعتراض. 

 في هذا السياق، يبرز ليبرمان تحولاً أكثر عمقاً مع تدخل الوزير إيتمار بن غفير الذي نقل الرقابة من إطارها المهني إلى مستوى سياسي وأمني مباشر عبر التهديد باتخاذ إجراءات حازمة ضد وسائل الإعلام المخالفة وتفعيل دور الشرطة في الميدان من خلال الاحتجاز والتحقيق والاعتقال، واقتبس في متن مقاله تصريح بن غفير الذي قال فيه: "إن كل من يعرّض مواطني إسرائيل للخطر باسم ’التغطية الصحافية’ سيواجه جهاز شرطة حازماً وصارماً".

وفي 6 آذار 2026 أوقفت الشرطة الإسرائيلية مراسلاً ومصوراً من قناة CNN Turk التركية التابعة لشبكة CNN International أثناء تغطيتهما لأحداث الحرب خلال تصويرهما بثاً مباشراً في تل أبيب؛ بدعوى قيامهما بتصوير منشأة أمنية.

بالإضافة إلى ذلك، لم يقتصر نمط إدارة المعلومات على الحجب والمنع وإنما امتد في بعض الحالات إلى نشر معلومات مضللة وكاذبة، كما تكشف حادثة المراسل العسكري في القناة 12 نير دفوري  الذي نشر مقطعاً كاذباً ادّعى أنه يوثق تحليق قاذفات أميركية من طراز B-2 فوق طهران ثم تبيّن أن الفيديو مأخوذ من لعبة محاكاة عسكرية منشورة منذ سنوات، فيما أعادت القناة 14 بث المقطع بوصفه مادة حقيقية عبر منصاتها.

تتكرر هذه الظاهرة في حالات أخرى، كما حدث مع قناة i24News التي عرضت مقطعاً من لعبة DCS World  باعتباره غارة حقيقية. في هذا السياق، لا تتعلق الإشكالية فقط بما يُحجب عن الجمهور، وإنما بما يُقدَّم له أيضاً.

ويأتي في هذا السياق أيضاً الفيديو الذي نشره رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وهو يشرب القهوة في موقع (The Sataf)، بوصفه استجابة مباشرة لحالة الشائعات الرقمية بعد انتشار مزاعم على منصات التواصل الاجتماعي تفيد بمقتله في ضربة إيرانية أو اختفائه.

أثارت هذه الحوادث موجة سخرية على منصات التواصل الاجتماعي في إسرائيل حيث نشر المستخدمون مقاطع مشابهة من ألعاب أخرى مرفقة بتعليقات ساخرة. وتندرج هذه الظاهرة ضمن سياق أوسع يتمثل في الانتشار المتسارع للمحتوى المضلل والمولّد بالذكاء الاصطناعي خلال الحرب حيث يشير خبراء في دراسات الإعلام الرقمي إلى أن حجم هذا النوع من المحتوى بلغ مستويات غير مسبوقة في النزاعات الحديثة ما يزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقة والتضليل حتى لدى الجمهور المتابع بشكل يومي.

في الإجمال العام ينعكس أثر القيود الإسرائيلية على الصحافة خلال الحرب على إيران ضمن ثلاثة مستويات مترابطة، وهي على النحو التالي: 

أولاً: على المستوى النظري، ينتج أثر معرفي مباشر يمكن تفسيره عبر نظرية تحديد الأجندة حيث لا يقتصر حجب المعلومات الأساسية على تقليص حجم المعرفة المتاحة ويمتد إلى ضبط ما يمكن التفكير فيه داخل المجال العام. يؤدي ذلك إلى تشكل وعي ناقص داخل المجتمع قائم على صورة غير مكتملة للواقع ما يفضي إلى تضليل عملي حتى من دون تقديم معلومات خاطئة بشكل صريح.

ثانياً: على المستوى الخارجي، يفضي هذا النمط إلى خلق حالة من الغموض لدى الخصم سواء إيران أو حزب الله، إذ يحد من قدرته على تقييم نتائج ضرباته بصورة دقيقة. في المقابل يعرض الإعلام الإسرائيلي نجاحات تعزز شعوراً داخل المجتمع الإسرائيلي بالإنجاز حتى في ظل غياب قاعدة معلوماتية واضحة وشاملة.

ثالثاً: على مستوى التحليل السياسي، يتغذى المحللون خاصة في السياق العربي والفلسطيني على البيئة المعلوماتية المحدودة نفسها التي ينتجها هذا النمط الإعلامي الإسرائيلي في أغلب الأحيان. وفق مقاربة بناء الواقع الإعلامي، يتحول الإعلام إلى منتج للفكرة والتصور ما يؤدي إلى تشكل تقديرات استراتيجية لدى الطرف المقابل مبنية على معطيات ناقصة ويعيد إنتاج الفجوة بين الواقع الفعلي وصورته المتداولة.

بشكل عام، ترى منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) في بيان صادر بتاريخ 11 آذار 2026 أنه منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران صعّدت بعض دول المنطقة إجراءاتها القمعية تجاه وسائل الإعلام وشدّدت الخناق على الصحافيين بما فيها إسرائيل.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات