المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 15
  • وليد حباس

دعا وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات إلى إدراج شركتي الصناعات الحربية "رفائيل" و"الصناعات الجوية الإسرائيلية" في بورصة "ناسداك" بدلاً من تل أبيب. وتعكس الدعوة البعد الاستثماري الربحي للحروب، باعتبارها منصة لتطوير الصناعات العسكرية والانخراط في السوق العالمية وتعزيز العلاقات مع دول غربية وجامعات وصناديق تقاعد. ويربط الإدراج اقتصاد الحرب برأس المال العالمي، ويحوّل التفوق العسكري إلى أصول مالية قابلة للتسييل، بما يوسع شبكات الحماية السياسية بالرغم من تصاعد الدعوات الدولية لمقاطعة إسرائيل.

إدارج شركتي "رفائيل" و"الصناعات الجوية" في "ناسداك"

اعتبر وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات أن بورصة تل أبيب لم تعد منصة مناسبة للشركات الكبرى والناجحة، وأن ضعفها النسبي يدفع شركات التكنولوجيا المتقدمة إلى الإدراج مباشرة في "وول ستريت". وصرح بأن الشركات ذات الأداء المحدود فقط تختار الإدراج المحلي، بينما تتجه الشركات القوية إلى الأسواق الأميركية بسبب فجوات التقييم المالي والسيولة. وقدّر أن طرح شركات الصناعات الدفاعية في الولايات المتحدة يمكن أن يرفع قيمتها السوقية بما لا يقل عن 50% مقارنة بالسوق الإسرائيلية. وطرح رؤية اقتصادية تقوم على إدراج شركتي "رفائيل" و"الصناعات الجوية" في ناسداك، ما قد يضخ أكثر من 100 مليار شيكل في الاقتصاد، مع تخصيص نحو نصف المبلغ لتعزيز الأمن باعتباره خطوة نحو "الاستقلال الاقتصادي الأمني".

ردا على مخاوف الخصخصة، أكد بركات إمكانية الحفاظ على سيطرة حكومية تنظيمية وفق نماذج أميركية، مع تحديد مسبق للمجالات الحساسة أمنياً وتعيين شخصية أمنية سابقة لرسم حدود النشاط الاستثماري. كما رأى أن الإدراج سيمكن الصناعات العسكرية من منافسة شركات الهايتك على الكفاءات البشرية، واقترح تخصيص نحو 10 مليارات شيكل كأسهم للموظفين لجذب العمالة الماهرة. واعتبر أن توسيع مصادر التمويل سيعجل تطوير التكنولوجيا العسكرية ويقلل الاعتماد على الولايات المتحدة ويعزز الأمن. في المقابل، أكدت هيئة الأوراق المالية متانة السوق المحلية، مشيرة إلى أن قيمة الشركات المدرجة تتجاوز 2 تريليون شيكل، مع استمرار ثقة المستثمرين وارتفاع التداول، إضافة إلى إعلان شركة Palo Alto نيتها الإدراج في تل أبيب.

ماذا يعني إدراج شركات الصناعات الحربية الإسرائيلية في البورصة الأميركية؟

يعني الانتقال من بورصة تل أبيب إلى "ناسداك" نقل ساحة الإدراج الرئيسة من سوق محلية محدودة السيولة إلى سوق أميركية عالمية عالية التداول، مع إمكانية الحفاظ على إدراج مزدوج في تل أبيب أو شطب الإدراج المحلي بالكامل. يضع الإدراج في "ناسداك" الشركة تحت رقابة تنظيمية أميركية صارمة تشمل هيئة SEC (وهي هيئة أميركية تنظم أسواق الأوراق المالية وتحمي المستثمرين وتراقب الشركات) ومعايير إفصاح وحوكمة أكثر تشددا. يوفر ذلك وصولا إلى قاعدة أوسع من المستثمرين، بما فيها صناديق التقاعد والمؤشرات الأميركية، ما يرفع السيولة وحجم التداول والأسعار. كما يعزز القدرة على جمع رؤوس أموال كبيرة لتمويل البحث والتطوير والتوسع والاستحواذات، وهي عناصر حاسمة في قطاعات التكنولوجيا والصناعات العسكرية كثيفة الاستثمار.

اقتصاديا وسياسيا، ينقل هذا المسار جزءا من مركز الثقل القانوني والضريبي إلى الولايات المتحدة، خاصة مع تسجيل شركات عديدة في ولاية ديلاوير، ما يقلص حصة الخزينة الإسرائيلية من الضرائب والقيمة المضافة. في المقابل، تشجع تل أبيب الإدراج المزدوج للحفاظ على ارتباط الشركات بالسوق المحلية. استفادت شركات السلاح المدرجة عالميا من ارتفاع الطلب الدولي خلال الحروب، إذ يوفر "ناسداك" قدرة سريعة على ضخ رأس المال. كما يربط الإدراج مجمع الصناعات العسكرية الإسرائيلية بـ "وول ستريت" وصناديق التقاعد الأميركية، ما يخلق مصالح اقتصادية عابرة للحدود ويزيد كلفة فرض قيود أو عقوبات عليها، وكذلك يحوّل أرباح الحروب إلى عوائد في الأسواق المالية العالمية.

من المساعدات الأميركية إلى الاستقلال العسكري 

نستعرض هنا ما جرى في مؤتمر الهايتك الدفاعي للعام 2026، وهو مؤتمر استراتيجي جمع بين منظومة الأمن الإسرائيلية، والصناعات العسكرية، وقطاع الهايتك، والجهات التنظيمية، بهدف إعادة صياغة مفهوم القوة الإسرائيلية في مرحلة ما بعد الحرب.

ركز مؤتمر الهايتك الدفاعي للعام 2026 على تعزيز قدرة إسرائيل المستقلة على تصنيع قوتها العسكرية- التكنولوجية وتمويلها وتطويرها، بالاعتماد على رأس المال البشري والابتكار، مع تقليص الاعتماد الحاسم على الولايات المتحدة. وتمحورت أعمال المؤتمر حول محاور رئيسة عدة، أبرزها تحقيق الاستقلالية الأمنية-الاقتصادية من خلال برنامج "درع إسرائيل"، وهو برنامج عرضه وزير الدفاع يسرائيل كاتس، كمشروع استثماري متعدد السنوات يضيف نحو 350 مليار شيكل لميزانية الدفاع خلال العقد القادم، بهدف تعزيز الاستقلالية الأمنية والتكنولوجية، وتقليص الاعتماد على التسليح الأجنبي، وتوسيع إنتاج منظومات السلاح والتقنيات المتقدمة داخل إسرائيل وتطويرها. كما تطرق المؤتمر الى تصاعد التنافس على الكفاءات البشرية بين قطاع الهايتك المدني والصناعات الدفاعية، إلى جانب الاستعداد لساحة القتال المستقبلية القائمة على الذكاء الاصطناعي والمنظومات ذاتية التشغيل والفضاء والأقمار الصناعية. كما ناقش المؤتمر التهديد الإيراني وتداعياته الإقليمية والدولية، إضافة إلى تعزيز مناعة الجبهة الداخلية وضمان قدرة المجتمع والاقتصاد على الحفاظ على نمط حياة مستقر في ظل حرب طويلة الأمد.

من جانبه، انتقد يائير كاتس، رئيس لجنة عمال الصناعات الجوية الإسرائيلية، الاعتماد على التسليح الأميركي، معتبرا أن إسرائيل خلال الحرب بدت "كدمية بخيوط" في يد واشنطن، ودعا إلى استقطاب مهندسين من شركات مثل Nvidia وMicrosoft لتطوير منظومات متقدمة مثل صواريخ الدفاع "حيتس/ سهم 5" وأنظمة الفضاء. أما غاي شعشع، رئيس نقابة المهندسين، فقد وصف الصناعات الدفاعية بأنها "خط الدفاع الأول" ومحرك نمو اقتصادي، مؤكدا ضرورة تحسين شروط العمل وتوسيع برامج التأهيل للحفاظ على التفوق التكنولوجي.

ناقشت جلسات المؤتمر عددا من القضايا والمحاور المركزية. ففي جلسة "من المساعدات الأميركية إلى الاستقلال الاقتصادي"، دعا إيتان بن إلياهو، القائد السابق لسلاح الجو، إلى الحفاظ على الدعم الأميركي في المنظومات الكبرى مثل الطائرات، مع التأكيد على ضرورة استمرار الإنتاج المستقل للدبابات والسفن داخل إسرائيل أو في أوروبا. وفي جلسة "إيران"، وصف البروفسور دافيد منشرِي المفاوضات بين واشنطن وطهران بأنها لعبة مزدوجة تجمع بين التصريحات المتشددة والتفاهمات خلف الأبواب المغلقة، قائلا إن "الأمور تدار على حسابنا". من جهته، شدد بوعز ليفي، المدير العام للصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، على تطوير القدرات الحالية من أجل "ساحة قتال الغد"، مؤكدا استمرار الثقة الدولية بالصناعات الدفاعية الإسرائيلية رغم الضجيج الإعلامي، وأن العديد من الصفقات تبرم بعيدا عن الأضواء. وحذر يوفال شتاينيتس، رئيس مجلس إدارة شركة "رفائيل"، من قدرة إيران على إحداث مفاجأة استراتيجية، مشيرا إلى سيناريو إطلاق صواريخ قد تطاول مدنا أوروبية مثل برلين وبودابست وفيينا ضمن تصعيد إقليمي- دولي محتمل. أما وزير الاقتصاد نير بركات فانتقد واقع سوق المال المحلية، معتبرا أن الشركات التكنولوجية الناجحة ينبغي أن تدرج أسهمها في الولايات المتحدة لرفع قيمتها بنحو 50%، واقترح توجيه جزء من العوائد لدعم الأمن الإسرائيلي وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية- الأمنية.

​ ركزت جلسات "تقنيات المستقبل" على الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية التشغيل، ومجال الفضاء. فقد أكد موني كاتس، نائب المدير العام للصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، أن الذكاء الاصطناعي أصبح في صلب المنظومات العسكرية، متوقعا أنه خلال نحو ثلاثين عاما سيعمل سلاح الجو من دون طيارين، مع انتقال كامل نحو التشغيل الذاتي في مختلف المجالات. وفي ما يتعلق بالأنظمة الذاتية، عرض تسفيكا يروم، مدير مصنع الأنظمة البرية في شركة "إلتا"، نموذج "One too many"، حيث يدير مشغل واحد عدة منصات ذاتية التشغيل في الوقت نفسه، بينما تقدم المنظومة التوصيات ويقتصر دور الإنسان على المصادقة، أي الانتقال من إدارة منصة منفردة إلى إدارة "سرب" متكامل. 

أما في جلسة "الفضاء"، فجرى التشديد على النقص المزمن في الكفاءات البشرية وضرورة تعريض الأطفال منذ سن مبكرة إلى عالم الفضاء لضمان استمرارية الصناعة، وهو ما أكدته صراحة الدكتوره ليهي من الصناعات الجوية. واختتم إيتان ستيبا المؤتمر بتحذير من خطر "النفايات الفضائية"، المتمثلة بعشرات آلاف الأجسام التي تتحرك بسرعة تقارب 28 ألف كيلومتر في الساعة، وتشكل تهديداً متصاعداً للبنى التحتية الفضائية ضمن مشهد أمني- استراتيجي جديد.

ركزت جلسات "رأس المال البشري والمناعة المجتمعية" على استقطاب المهندسين وتعزيز الجبهة الداخلية المدنية. فقد أكد نير رايس، نائب المدير العام للموارد البشرية في الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، أن العمل في شركة دفاعية يوفر "تحدياً تكنولوجياً وإحساساً بالرسالة"، مشيراً إلى ارتفاع الاهتمام بالانضمام إلى الشركة بأكثر من 66% خلال العامين الأخيرين بفعل الشعور بالواجب الأمني. وفي ما يتعلق بشروط العمل، اعتبر كل من غاي شعشع ويائير كاتس أن وزارة المالية ومسؤول الأجور يشكلان عائقاً أمام إدارة الموارد البشرية في بيئة تنافسية مع شركات عالمية مثل BoeingوLockheed Martin، داعين إلى إصلاحات في الأجور وبرامج التأهيل المهني. أما اللواء احتياط إيال آيزنبرغ، القائد السابق لقيادة الجبهة الداخلية، فشدد على ضرورة الاستثمار المتواصل في قدرات الجبهة الداخلية وبنائها بشكل تراكمي، معرفاً "المناعة" بأنها القدرة على مواجهة الطوارئ والتكيف معها والعودة السريعة إلى الحياة الطبيعية.

أبرزت مداولات المؤتمر جملة من الدلالات الاستراتيجية والاقتصادية والتكنولوجية. فعلى المستوى الاستراتيجي، رسمت توجها نحو الانتقال من الاعتماد على المساعدات الأميركية الطارئة إلى نموذج يقوم على الاستقلالية المدعومة بصناعات دفاعية محلية، مع الإبقاء على الدعم الأميركي بوصفه عامل تعزيز للقوة لا مصدراً وحيداً لها. اقتصادياً، طرحت فكرة توظيف إدراج شركات الهايتك في الأسواق الخارجية كرافعة في سبيل ضخ عشرات المليارات في قطاع الأمن، إلى جانب توسيع صادرات المنظومات التي خضعت إلى اختبارات قتالية، ما يعزز مكانة الهايتك الدفاعي كمحرك نمو اقتصادي وليس كمجرد بند إنفاق. أما على الصعيد التكنولوجي- العسكري، فإن تبني الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل ومجال الفضاء كأساس للتفوق العسكري من شأنه أن يخلق اعتماداً متزايداً على رأس المال البشري، كما أنه يضع ضغوطاً مستمرة على منظومة التعليم وإدارة الموارد البشرية في إسرائيل. إقليمياً ودولياً، عكست الإشارات إلى إيران واحتمالات استهداف مدن أوروبية والتعاون مع دول أخرى تصوراً لساحة قتال متعددة الدول ومتشابكة، تتموضع فيه إسرائيل كمركز معرفة ومنتج تكنولوجي. وفي المجمل، وضع المؤتمر الهايتك الدفاعي عند تقاطع الأمن والاقتصاد وسوق العمل، وصاغ سردية للسنوات المقبلة تقوم على أن الاستقلالية الأمنية ستعتمد بدرجة أقل على الجسور الجوية الخارجية، وبدرجة أكبر على القدرة المحلية على الإنتاج والتطوير والتصدير وعلى استقطاب أفضل الكفاءات.

المصطلحات المستخدمة:

يسرائيل كاتس

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات