مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نهاية تشرين الأول المقبل، عقد حزب "الصهيونية الدينية" في 18 شباط 2026 مؤتمراً في مستوطنة "بساجوت" في الضفة الغربية، تحدث خلاله رئيس الحزب ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ضمن الحملة الانتخابية بخطاب وضع فيه ملامح المرحلة المقبلة.
دعا سموتريتش بصورة صريحة إلى تشجيع تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، كما طالب بإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية والغاء اتفاق أوسلو، فيما قدّم المؤتمر بوصفه مناسبة لإحياء ما أطلق عليه بـ "ثورة الاستيطان" ومنصة لعرض رؤية سياسية واستيطانية طويلة المدى تحت عنوان "الخطة الاستيطانية 2030"، إضافة إلى تقييم ما تحقق خلال السنوات الثلاث الماضية والاستعداد للاستحقاق الانتخابي القادم.
تهدف هذه المساهمة إلى عرض أبرز المحاور التي طُرحت خلال المؤتمر وفي مقدمتها إنجازات "ثورة الاستيطان"، إضافة إلى الخطوط العامة لـ "خطة الاستيطان 2030"، ومسألة القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو، إلى جانب التطرق إلى ملف تجنيد قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، ومناقشة الدفع قدماً بتشريعات قضائية مطروحة ضمن الأجندة السياسية للمرحلة المقبلة.
في البداية، شارك في المؤتمر ممثلون عن مختلف مستوطنات الضفة الغربية، وكذلك رؤساء مجالس غوش عتصيون وبيت إيل وجبل الخليل وكدوميم وإفرات ومجلس غور الأردن، إلى جانب رئيس مجلس المستوطنات ("يشع") وعدد من شخصيات غوش إيمونيم، كما حضر الباحث في مركز القدس للاستراتيجيا والأمن إيرز فينر ضمن المشاركين.
افتتح المؤتمر بعرض ما يصفه حزب "الصهيونية الدينية" بأنه إنجازات "ثورة الاستيطان" في السنوات الثلاث الأخيرة. وأشار سموتريتش في كلمته إلى أنه سيتم الإعلان عن عشرات آلاف الدونمات بأنها أراضي دولة، وإقامة مستوطنات جديدة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية لا سيما المستوطنات الزراعية. إذ يرى بأن هذه المعطيات تشكّل دليلاً على توسّع المشروع الاستيطاني خلال وجود حزب الصهيونية الدينية في الحكومة الحالية. وأضاف أن المستوطنات في السابق كانت تفتقر إلى أي دعم رسمي، وكان المستوطنون يعتمدون على جهودهم الذاتية في شق الطرق وإقامة البنية التحتية. أما اليوم، فقد أصبحت تتلقى ميزانيات مباشرة من وزارات حكومية مختلفة.
فيما يتصل بالمستوطنات الزراعية المعروفة باسم "الاستيطان الرعوي" قدّم سموتريتش هذا النمط بوصفه محوراً مركزياً في خطة الاستيطان. وأوضح أن عدداً محدوداً من العائلات الاستيطانية تفرض سيطرتها الفعلية على مساحات واسعة من الأراضي عبر أنشطة الزراعة والرعي. وذكر أن ما بين 250 - 300 عائلة تدير هذه المزارع وتسيطر على نحو مليون دونم، في حين تبلغ المساحة التي تسيطر عليها مجمل المستوطنات في الضفة الغربية نحو 200 ألف دونم. وقدّم هذه المقارنة باعتبارها دليلاً على فاعلية النموذج الرعوي وأهميته الاستراتيجية.
كما أشار إلى مبادرة "صندوق المزارع" التي تهدف إلى حشد دعم المجتمع الإسرائيلي للمشروع الاستيطاني الرعوي، موضحاً أن عدد المشتركين فيه يتجاوز 20 ألفاً، وأن 62% منهم لا يقيمون في الضفة الغربية. في إشارة إلى اتساع قاعدة الدعم خارج نطاق المستوطنات نفسها.
شكّل عرض سموتريتش لـ "خطة الاستيطان 2030" أحد أبرز محاور اللقاء، إذ قدّمها بوصفها برنامج عمل يرمي إلى ترسيخ المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية لعقود قادمة. وعرض الخطة باعتبارها إطاراً استراتيجياً متكاملاً يشمل مسارات عمرانية وديمغرافية وسياسية وأمنية، ويمكن تلخيص عناصرها على النحو الآتي:
- إقامة عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية إلى جانب توسيع المستوطنات الزراعية وتعزيز ما يُعرف بالاستيطان الرعوي.
- توجيه استثمارات واسعة نحو البنية التحتية، بما يشمل شبكات الطرق والإسكان والخدمات داخل المستوطنات.
- العمل على مضاعفة عدد المستوطنين في الضفة الغربية خلال السنوات المقبلة.
- تحسين مستوى الخدمات وجودة الحياة في مستوطنات الضفة الغربية، بما يعزّز استقرار السكان فيها.
- نقل وتوسيع مشاريع استيطانية إلى منطقتي النقب والجليل.
- تعزيز حضور المستوطنين داخل المؤسسات الرسمية الإسرائيلية وترسيخ مكانتهم في دوائر صنع القرار.
أشار سموتريتش إلى نقل صلاحيات مدنية إضافية إلى إدارة الاستيطان واعتبر أن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز السيادة على الضفة الغربية وتحسين الخدمات المقدمة للمستوطنين باعتبارها جزءاً من تغيير إداري داخل بنية المؤسسة الإسرائيلية. أما على المستوى الميداني، فقد كشف سموتريتش عن أن 17 عائلة ستعود إلى مستوطنة صانور قرب جنين في الرابع من نيسان المقبل، بالتوازي مع نشر ثلاث سرايا من الجيش الإسرائيلي في المنطقة في سبيل ذلك.
بشكل عام، ربط سموتريتش بين الاستيطان والاعتبارات الأمنية بصورة مباشرة. واعتبر أن خريطة الانتشار الاستيطاني تعكس دوره في حماية المدن الإسرائيلية الكبرى، مشيراً إلى أن الضفة الغربية تتمتع بسيطرة جغرافية وطوبوغرافية على مراكز التجمع السكاني في إسرائيل. وخلص إلى أن إقامة دولة فلسطينية في هذه المنطقة ستجعل - وفق تصوره - العيش بأمان في المدن الإسرائيلية أمراً غير ممكن.
انطلاقاً من هذا التصور، دعا إلى استثمار ما تبقّى من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب للدفع قدماً بخطوات وصفها بأنها ضرورية لإزالة ما اعتبره تهديداً وجودياً وفي مقدمتها القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو رسمياً وعملياً. كذلك، دعا الحكومة المقبلة إلى تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن منظور طويل الأمد؛ لأنه لا يوجد حل آخر سوى ذلك.
في السياق نفسه، ربط بين قيام دولة فلسطينية وأحداث السابع من أكتوبر 2023، معتبراً أن إقامة دولة في الضفة الغربية تعني نشوء وضع مماثل لما كان في غزة بقيادة حركة حماس. وقال إن هذا الواقع سيجعل المدن الإسرائيلية عرضة لتهديد يمتد من العفولة حتى بئر السبع. وأضاف أن توسيع نموذج غزة عشرين مرة بمحاذاة التجمعات السكانية الإسرائيلية، يطرح تساؤلات حول إمكانية التعايش مع هذا السيناريو من منظور أمني.
في سياق آخر، برز ملف تجنيد الاحتياط بوصفه أحد المحاور الداخلية الأساسية في المؤتمر. وقدّم سموتريتش القضية باعتبارها تمسّ القاعدة الاجتماعية لحزبه بصورة مباشرة وأكد أن جمهور "الصهيونية الدينية" يتحمّل عدداً مرتفعاً من أيام الخدمة في الاحتياط مقارنة بقطاعات أخرى في المجتمع الإسرائيلي، معتبراً أن هذا العبء لا يحظى بتمثيل عادل في النقاش العام.
وانتقد إدخال ملف الاحتياط في الحملات الانتخابية، مشيراً إلى أن طرحه كقضية قابلة للحل السريع عبر تجنيد فئات أخرى يقدّم بصورة مبسطة لا تعكس تعقيد الواقع. وفي المقابل شدد على أن معالجة المسألة تتطلب خطوات عملية تعيد تنظيم آليات توزيع الأعباء بشكل ملموس بعيداً عن الشعارات أو المواجهات السياسية.
على صعيد استطلاعات الرأي، أقرّ بأن أزمة الاحتياط أثّرت في صورة الحزب وظهرت في تراجع التأييد داخل بعض البيئات، بما في ذلك مستوطنات تُعد تقليدياً جزءاً من قاعدة التيار الديني القومي مثل كدوميم. ومع ذلك أعرب عن شكه في قدرة الاستطلاعات على عكس النتيجة الانتخابية النهائية وأبدى تطلعاً إلى تحقيق نتائج أفضل وربما بلوغ رقم مزدوج من المقاعد.
وربط تجاوز هذه الأزمة بقدرة الحزب على إقناع جمهور الوسط بما اعتبره إنجازات تحققت خلال السنوات الماضية في مجال الاستيطان بعيداً عن الأضواء، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب إبراز هذه الوقائع وتقديمها بوصفها نتاج حضور "الصهيونية الدينية" في مواقع صنع القرار.
في سياق حديثه عن الساحة السياسية الإسرائيلية، قدّم سموتريتش المرحلة المقبلة بوصفها محطة مفصلية تتجاوز إطار دورة انتخابية اعتيادية. وأشار إلى أن الأشهر القريبة ستشهد الدفع بحزمة من التشريعات القضائية المطروحة، من بينها قرارات تتعلق بمنصب المستشارة القانونية للحكومة، وإعادة تنظيم صلاحيات بعض أجهزة إنفاذ القانون. وقد عرض هذه الخطوات ضمن ما وصفه باستكمال مسار إصلاحي داخلي يهدف إلى إعادة توزيع الصلاحيات داخل مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرة الحكومة على تنفيذ سياساتها من دون قيود مؤسسية يرى أنها تحدّ من فاعليتها.
بدورها أشادت وزيرة الاستيطان أوريت ستروك بما وصل إليه الواقع الاستيطاني في الضفة، وقالت إن ثورة المستوطنات الزراعية أعادت السيطرة على الأرض وغيّرت مفهوم الأمن لدى الجيش الإسرائيلي مشيرة إلى أن حزب "الصهيونية الدينية" يعمل على إقامة مستوطنات جديدة في النقب ضمن توسيع المشروع الاستيطاني خارج الضفة الغربية أيضاً.