سجل النمو الاقتصادي الإسرائيلي في العام الماضي، 2025، ارتفاعا بنسبة 3.1%، بحسب ما أعلنه مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، وهي نسبة أعلى من التوقعات الرسمية، حتى بعد تعديلها إلى الأعلى في نهاية العام الماضي، وهي نسبة النمو الأعلى في السنوات الثلاث الماضية؛ ويعزو المحللون هذا الارتفاع إلى ما يسمونه "وقف الحرب"، وهي المستمرة لكن بوتيرة أقل، لكن هذا التطور انعكس بشكل كبير على الربع الأخير من العام الماضي 2025، وعكس نفسه على الاقتصاد ككل في العام الماضي، ورغم ذلك يحذر محللون من إدارة الحكومة الإسرائيلية للاقتصاد، وهذا ينعكس في شكل الصرف الحكومي.
معطيات النمو
وكما ذكر، فقد أعلن مكتب الإحصاء المركزي، الأسبوع الماضي، أن الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الإسرائيلي سجّل نموا بنسبة 3.1% في العام الماضي 2025، مقارنة بالعام الذي سبق (2024). وتُعد هذه النسبة أعلى قليلا من التوقعات الأولية لوزارة المالية وقسم الأبحاث في بنك إسرائيل المركزي، التي قدّرت أن يصل النمو في العام 2025 إلى 2.8%. وبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، ما قيمته 2.11 تريليون شيكل، وهو ما يعادل حاليا أكثر من 680 مليار دولار، على أساس أن معدل صرف الدولار حاليا 3.1 شيكل بالمعدل، وهذا يقل بنسبة 15% عما كان عليه قبل عام من الآن.
سُجّل هذا النمو بعد زيادة ملحوظة نسبيا في الناتج المحلي الإجمالي، خلال الربع الأخير من العام الماضي، مقارنة بالربع الذي سبق. ففي الربع الأخير، توقفت الحرب، بحسب التعريفات الإسرائيلية، بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في تشرين الأول 2025. وشهدت الأرباع الثلاثة الأولى من العام الماضي نمواً بطيئاً نسبياً، بسبب الحرب، وفي الربع الأخير، سُجّل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4% على أساس سنوي، بالإضافة إلى قفزة كبيرة في إنتاج الشركات بنسبة 7.1% في الربع نفسه.
وقالت التقارير الاقتصادية الإسرائيلية إن الاقتصاد الإسرائيلي بدأ يتعافى من معدلات النمو المنخفضة نسبيا، التي سُجلت في العامين السابقين بعد انتهاء الحرب. ففي العام 2023، بلغ النمو السنوي 2.1%، بينما لم يتجاوز 1% في العام 2024.
ويتأثر الناتج المحلي الإجمالي أيضا بالنمو السكاني. فقد بلغ معدل النمو السكاني في إسرائيل في العام الماضي 2025، نسبة 1.4%. وعند خصم النمو السكاني من الناتج المحلي الإجمالي عند حساب نصيب الفرد منه، تصبح نسب النمو الاقتصادي أكثر تواضعا. إذ سجل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (مقسوما على عدد السكان) زيادة قدرها 1.7% في العام 2025 مقارنة بالعام 2024، الذي انكمش فيه معدل الفرد من النمو بنسبة 0.3%، وزيادة طفيفة بنسبة 0.1% في العام 2023.
بشكل عام، لم يشهد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل أي نمو يُذكر أكثرَ من عامين.
وأشارت التقديرات الأولية لبنك إسرائيل إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد بنسبة 2.8% في العام 2025. وبناء على هذا التقدير، توقع البنك أن يظل الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، أقل بنسبة 3.5% من إمكانات نموه خلال هذه السنوات، بما يتماشى مع الاتجاه بعيد المدى للنمو الاقتصادي.
وكان العامل الأكبر لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير من العام الماضي هو الصادرات، التي قفزت بنسبة 33.2% على أساس سنوي، على ما يبدو في ظل وقف إطلاق النار. في المقابل، انخفض الاستهلاك الفردي فعليا، بنسبة 3.6% على أساس سنوي.
من العوامل الرئيسة، أيضا، وراء استمرار النمو في العام الماضي الاستثمارات، التي شهدت انخفاضا مدة عامين متتاليين، ثم قفزت بنسبة 7.1% في العام 2025، مقارنة بالعام 2024، ويعود ذلك بشكل أساس إلى تسارع نمو قطاع العقارات بعد تضرره الشديد جراء الحرب.
في مقارنة دولية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، تُعدّ نسب النمو في إسرائيل للعام 2025 مرتفعة نسبيا عند 3.1%، متقدمة عنها فقط أيرلندا (10.2%). مع ذلك، وبما أن إسرائيل، كما ذُكر، تُعدّ استثناء نظرا لارتفاع معدل نمو سكانها نسبيا، فقد كان معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد في العام الماضي، أقل مقارنة بالمعدلات الدولية، حيث تأتي إسرائيل في مرتبة أدنى من دول مثل اليونان (2.6%) وإسبانيا (2.2%) واليابان (1.8%)، لكنها تتقدم على الولايات المتحدة (1.5%) وتتجاوز متوسط منظمة OECD (1.3%).
تحول جذري للاقتصاد خلال ربع قرن
يقول المحلل الاقتصادي أدريان بايلوت، في مقال له في صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية، التابعة لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، "إنه بين العامين 2000 و2025، لم يقتصر نمو الاقتصاد الإسرائيلي على مجرد النمو فحسب، بل شهد تحولا جذريا. فقد قفز الناتج المحلي الإجمالي 2.33 ضعف، وبلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي للفرد ما يقارب 50% خلال 25 عاما، ليصبح بذلك من أعلى المعدلات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، OECD. هذا هو المؤشر الأهم بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، الذي يتميز بنمو طبيعي يبلغ نحو 2% سنويا، وهو معدل يضع إسرائيل في صدارة الدول المتقدمة"، بحسب تعبيره.
ويتابع بايلوت: "تتجلى نتائج هذه المعجزة الاقتصادية بوضوح من خلال بيانات استهلاك الفرد. فخلال ربع القرن هذا، قفز استهلاك السلع الحياتية (الإنفاق على الملابس والأحذية، والمنسوجات المنزلية، والأدوات الكهربائية الصغيرة والأجهزة المنزلية، ومنتجات الترفيه والتسلية، والممتلكات الشخصية) 2.5 ضعف، أي بزيادة تتجاوز 150%، في حين لم تتجاوز نسبة النمو السكاني 57%. بعبارة أخرى، انعكس هذا النمو الإيجابي على ارتفاع ملحوظ في مستويات المعيشة".
لكن لا يقل أهمية عن ذلك، بحسب بايلوت، هو "الجانب الكمي، بل حتى الجانب النوعي أيضا. إذ تشير بيانات مكتب الإحصاء المركزي إلى اقتصادٍ حوّل قطاعات الخدمات كثيفة المعرفة التكنولوجية إلى المحرك الرئيس له. والدليل على ذلك هو قفزة القيمة المضافة في قطاعي المعلومات والاتصالات (وهو القطاع الذي يعكس التكنولوجيا المتقدمة بشكلٍ كبير) بأكثر من 400%، والخدمات المهنية والتكنولوجية بنحو 180%، بينما تراجعت الزراعة والصناعات التقليدية نسبيا. هذا اقتصادٌ شهد تحولا جذريا قائما على هيمنة رأس المال البشري والتكنولوجي".
"أما العنصر الثاني في قصة النجاح هذه فهو انفتاح إسرائيل على العالم: فقد قفزت صادرات الخدمات، باستثناء السياحة والشركات الناشئة، ستة أضعاف (بزيادة قدرها 500%). هذا الرقم يصف تحول إسرائيل إلى قوة تصديرية عظمى من جهة، وقوة خدماتية عظمى من جهة أخرى. يلخص هذا المزيج من البيانات قفزة سريعة وتاريخية وحاسمة، قصة معجزة اقتصادية".
ويقول بايلوت إن هناك جانباً آخر في هذه المعطيات، "وهو في الواقع التهديد الذي يواجه كل هذا الخير، الذي بناه رواد الأعمال ورجال الأعمال والعلماء والعمال المخلصون معا. إذ يكمن الخلل في سياسة الحكومة. فبحسب مكتب الإحصاء المركزي، لا يزال عجز الموازنة الحكومية يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، 5.2% تحديدا، بدلا من 4.7% كما أفاد به المحاسب العام في وزارة المالية الإسرائيلية. وهذا فارق في العجز بين الحسابين، يُقدّر بنحو 11 مليار شيكل. إذ يحسب مكتب الإحصاء المركزي العجز وفقا للمعايير الدولية، وهو في الواقع الجهة الوحيدة التي تُقدّم البيانات الرسمية، وهي البيانات نفسها التي تستند إليها جميع الهيئات الدولية، بما فيها شركات التصنيف الائتماني".
ويتابع: "إن الخلاصة واضحة: هذه هي السنة الثالثة على التوالي التي تُعلن فيها هذه الحكومة عن عجزٍ يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي (وفقا لمكتب الإحصاء المركزي، خلافا لحسابات وزارة المالية)، وهذا وضعٌ غير مستدام. إذا كان الجزء الأول من القصة معجزة، فإن الجزء الثالث هو بمثابة تحذير: فالدولة التي تُدار بحكومة لا تُصحح مسارها المالي ولا تُنفذ إصلاحات جذرية مُعرّضة لفقدان الظروف التي جعلت تلك المعجزة ممكنة في المقام الأول. كما اختار مكتب الإحصاء المركزي اختتام ملخصه السنوي ببيانات العجز، وذلك ليس من دون سبب، إنما بعد تحذيرات كبير الاقتصاديين في وزارة المالية، وصندوق النقد الدولي في الشهر الجاري، بشأن عدم استدامة السياسات المُهدرة وغير المسؤولة وعجزها عن إدارتها".
ويشير بايلوت إلى عامل آخر، مهم جدا بالنسبة للوضع الإسرائيلي الداخلي، "إذ تُظهر بيانات مكتب الإحصاء المركزي بالفعل تغيّرات ديمغرافية، مع ارتفاع حاد في أعداد كبار السن الذين يحتاجون إلى قاعدة توظيف أوسع بكثير، لتمويل خدمات التمريض والرعاية الصحية، التي يتزايد الطلب عليها بشكل كبير. من ناحية أخرى، يتزايد وزن السكان من ذوي معدلات المشاركة المنخفضة في سوق العمل".
ويقول بايلوت "إذا لم يندمج الرجال الحريديم في الجيش أو سوق العمل، وإذا لم يُوفر النظام التعليمي أساساً متيناً، وإذا أضرت معدلات الجريمة بالإمكانات الاقتصادية للمجتمع العربي، فإن أساس النمو المستقبلي سيتآكل. وبدون تفكير عميق وإصلاحات، وبدون استثمار حقيقي في التعليم العلمي والتكنولوجي لجميع السكان، وبدون سياسة تشجع الإنتاجية لا مجرد توزيع الميزانيات على قطاعات محددة، يستحيل استعادة معدل النمو الذي شهده ربع القرن الماضي. الخطر ليس الانهيار الفوري، بل التآكل. لذا، فإن ملخص المكتب المركزي للإحصاء ليس مجرد مجموعة من الإحصاءات، بل هو تذكير بما كانت عليه إسرائيل، وما أثبتته لنفسها، وما كانت تجيد إنتاجه، إلى جانب سؤال جوهري: هل تعرف أيضا كيف تحافظ على كل هذا؟".