المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 11
  • هشام نفاع

وصفت لجنة العلوم والتكنولوجيا التابعة للكنيست خلاصات تقرير جديد عن وضع العلوم والأكاديميا في إسرائيل بالمقلق، وذلك في ما يتعلق بـ "هجرة العقول الإسرائيلية في أعقاب المقاطعة الأكاديمية المتزايدة خلال سنوات الحرب". وزادت في بيان بعد جلسة أخيرة لها أن "إسرائيل تتحول إلى دولة معزولة علميا وأكاديميا".

وتنشر "الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم" التقرير الثلاثي (عن كل 3 سنوات) عن حالة العلم في إسرائيل، كما يقتضي القانون. ويستعرض التقرير الجديد، شأنه شأن تقاريرها الأربعة السابقة، حالة العلم الإسرائيلي، ولا سيما البحث الأساس في جميع مجالات العلم: العلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية، والعلوم الدقيقة، وعلوم الحياة والطب. كما يفحص التقرير حالة البنى التحتية البحثية والمكانة الدولية للأكاديمية الإسرائيلية، ويستعرض هذا العام أيضاً تأثير الحرب في مكانة العلم في إسرائيل، وهو ما سيتم التوقف عنده هنا.

رئيس الأكاديمية الوطنية للعلوم، البروفيسور دافيد هارئيل، حذّر أمام اللجنة من "الضرر المتواصل الذي لحق بالأكاديمية في إسرائيل" مضيفاً أنه "إذا طرأ ضعف على العلوم أو التعليم العالي فلن ​يعود بمقدور أحد النظر إلينا بجدية. لقد كانت هناك دائما مقاطعة، ولكن الحفاظ على استقلالية الأكاديمية الإسرائيلية هو أمر حيوي".

البروفيسورة عَدي كيمحي، رئيسة لجنة تقرير صورة الوضع للعام 2025، عرضت المعطيات وقالت إنه كان للحرب تأثير كبير على الأكاديميا بسبب المقاطعة الخفية والظاهرة. ويظهر من تقرير اللجنة أن أعضاء هيئة التدريس من ذوي المناصب المرموقة يتركون العمل في الأكاديميا الإسرائيلية وأن هناك انخفاضاً بنسبة 15% في استيعاب المحاضرين الشباب. وأضافت كيمحي: "هناك زملاء دراسة دوليون قد تركوا أو امتنعوا عن الحضور للأكاديميا إلى البلاد. نحن نواجه حالات إلغاء لحضور مؤتمرات دولية في البلاد وخلال العام 2024 لم يعقد أي مؤتمر. نمتنع عن السفر إلى المؤتمرات بسبب المقاطعة. الحالة مقلقة جدا وخصوصاً في أوساط العلماء الشباب الذين لن يتحملوا سنوات من المقاطعة الأكاديمية والدولية. الأكاديميا الإسرائيلية تعاني من المقاطعة والعزلة".

تحوّل المزاج في العالم إلى إدانة لإسرائيل وعزلها

جاء في ملخص التقرير الواسع أن "الحرب التي اندلعت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واستمرت نحو عامين، أوجدت واقعاً معقّداً وصعباً أيضاً في الأوساط الأكاديمية في إسرائيل. فقد تحوّل المزاج في العالم، من دعم وإبداء مظاهر تعاطف، إلى إدانة لإسرائيل وعزلها عن المجتمع الدولي. وقد جرى في هذا التقرير فحص تأثيرات الحرب على العلم والبحث في إسرائيل، على المستويين الوطني والدولي، من خلال تحليل مركّب للنقاشات في مجموعات تركيز ضمّت أعضاء هيئة تدريس في الأكاديميا في مراحل ترقية مختلفة، ومن خلال معطيات حديثة من الجامعات. وقد أتاح هذا التحليل نظرة واسعة إلى الكيفيات التي أثّرت بها الحرب في وضع البحث في البلاد وفي جوانبه الدولية".

في باب تأثير الحرب في وضع البحث داخل البلاد، جاء في التقرير أنه "بالإضافة إلى الصعوبات التي فرضتها الحرب، مثل صعوبة التركيز في البحث والكتابة العلمية، برز تباطؤ في سير العمل البحثي الجاري داخل مجموعات البحث، وأحياناً توقّف كلياً بسبب غيابات من يخدمون في جيش الاحتياط. أدّت الحرب إلى مغادرة زملاء ما بعد الدكتوراه وطلبة البحث الدوليين، وإلى عدم وصول آخرين، وبذلك تضرّر تركيب مجموعات البحث في الجامعات وحجمها، وهي أضرار يُتوقّع أن تؤثر أيضاً في مخرجات البحث. ازداد العبء على أعضاء الهيئة التدريسية الكبار، إذ طُلب منهم توفير تعليم ملائم للمجنّدين. وقد مدّد بعض أعضاء الهيئة التدريسية الكبار إجازاتهم البحثية، كما أجّل زملاء ما بعد الدكتوراه الذين كانوا مرشحين للانضمام إلى مؤسسات في إسرائيل وصولهم. كذلك وُثّقت مغادرات لأعضاء هيئة تدريس كبار، وإن كان بعدد قليل، ومع ذلك فإن تحليل المنتمين إلى هذه المغادرات يشير إلى أنهم يأتون من مجالات بحثية فريدة تقع في بؤر القوة للأكاديميا الإسرائيلية. كذلك، فقد تضرّرت بعض مؤسسات الأكاديميا من صواريخ باليستية، وأُتلفت مواد علمية بحثية ذات قيمة كبيرة. وستكون لهذه الأضرار أيضاً تبعات بعيدة المدى على مخرجات البحث".

تأثير واضح للحرب على الجوانب الدولية للبحث

يقول التقرير "إن تعزّز المشاعر المعادية لإسرائيل في العالم في أعقاب الحرب أدّى إلى مقاطعة أكاديمية علنية وخفية. وقد جرى تقليص النشاط الدولي أو إلغاؤه كلياً: أُلغيت معظم المؤتمرات الدولية التي كان من المقرر عقدها في إسرائيل في عامي 2024–2025؛ وسُجّل انخفاض في دعوات الباحثين إلى مؤتمرات وندوات في الخارج؛ كما وردت تقارير عن صعوبات في نشر مقالات، وعن إقصاء، أو محاولات إقصاء، لباحثين إسرائيليين من منح بحثية دولية، وغير ذلك. هذه الظواهر تضرّ بالانكشاف الدولي لمجموعات البحث الإسرائيلية وتؤخّر إنشاء روابط دولية جديدة".

كذلك، فقد "برزت فروق واضحة بين مجالات البحث وبين درجات الأقدمية في الأكاديميا في تقدير التأثيرات السلبية للحرب على أعضاء الهيئة التدريسية الكبار. وقد تضرّر بشكل خاص باحثون من العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، صغاراً وكباراً على حد سواء. وأفاد أعضاء هيئة تدريس شباب قبل التثبيت من جميع مجالات البحث بوقوع أضرار ملحوظة، بما في ذلك ضرر في ترسيخ شبكة علاقاتهم الدولية. من الصعب في هذه المرحلة تقدير ما سيكون التأثير الإجمالي لهذه الأحداث على النشاط العلمي في السنوات القادمة، سواء على المدى القصير أو الطويل. ومن المحتمل جداً أن تكون الأضرار الحالية مجرد قمة جبل الجليد وأن الوضع قد يزداد سوءاً"، كما نوّه التقرير. 

أما على المستوى المؤسسي، يتابع التقرير، "فهناك حاجة إلى تدخّل فوري لتقليص الفجوات التي نشأت في التقدّم البحثي في الجامعات، ولا سيما بين أعضاء الهيئة التدريسية الشباب قبل التثبيت. في مطلع العام 2025 توجّهت لجنة التوجيه لتقرير حالة العلم إلى رؤساء الجامعات لتنبيههم إلى هذه النتائج، واقتراح خطوات للتعامل معها. ومن بين ذلك: تمديد الموعد لتقديم ملف التثبيت، وتخفيف أعباء التدريس، وتقديم دعم ميزاني للمنح والمؤتمرات. أمّا على المستوى الدولي، فمن المحتمل أن يتوقف جزء من الأضرار مع إزالة التهديدات الأمنية في نهاية الحرب، غير أن أضراراً أخرى قد تستمر بسبب تصاعد المقاطعة".

مخاوف من أضرار جسيمة طويلة الأمد في الوضع

يشدّد التقرير على أن الجامعات استثمرت، وما زالت تستثمر، جهوداً وموارد كبيرة في التعامل مع المسّ بأدائها الجاري ومع التداعيات الدولية على المؤسسة وعلى الباحثين. وقد رأى أعضاء هيئة تدريس مخضرمون أنه قد "بُني على مرّ السنين قدر معيّن من الصمود في المكانة الدولية للأكاديميا الإسرائيلية، وبفضله ستستمر الروابط الشخصية القائمة في أن تشكّل جسراً للحفاظ على التعاون حتى في الأوقات العصيبة. ومع ذلك، قبيل صيف 2025، وفي ظل استمرار الحرب والوضع الجيوسياسي الذي نشأ، تعزّزت أيضاً لدى هؤلاء المخاوف من أضرار جسيمة طويلة الأمد في وضع الأكاديميا الإسرائيلية".

ويقول "إن التعاونات البحثية الدولية تُعدّ ركيزة ضرورية في تعزيز العلم والمعرفة، وفي تمكّن إسرائيل، رغم كونها دولة صغيرة نسبياً، من الحفاظ على تميّزها البحثي وتعزيزه. وحتى العام 2024 سجّلت إسرائيل نجاحاً لافتاً جداً في الفوز بمنح ERC المرموقة، في إطار برنامج Horizon Europe التابع لمجلس الاتحاد الأوروبي – وهذا يُعدّ مؤشراً إلى تميّزها العلمي. ومع ذلك، ففي العقد الأخير لم يُكتب سوى نحو نصف المنشورات العلمية مع شركاء دوليين، وهو تقدير منخفض مقارنة بدول المرجع (الدول المشابهة لإسرائيل من حيث حجمها الديموغرافي والجغرافي، والتي تتميّز بكثافة علمية عالية). كما تُظهر المقارنة أيضاً عدداً صغيراً من المقالات من إسرائيل التي صُنّفت ضمن أعلى شريحة مئوية من المقالات الأكثر استشهاداً في العالم، ويمكن إرجاع هذا المعطى إلى محدودية التعاونات الدولية".

ويقرّ تقرير الأكاديميا الإسرائيلية بأن "أحداث الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب التي استمرت عامين، قد أحدثت تغييراً دراماتيكياً في مكانة إسرائيل على الساحة العالمية. وقد تجلّى هذا التغيير في مقاطعات أكاديمية، وفي مغادرة أعضاء هيئة تدريس وطلبة دوليين، وفي إلغاء مؤتمرات دولية، وفي التهديد بإخراج إسرائيل من برنامج المنح Horizon Europe، وغير ذلك. وتستوجب هذه الاتجاهات دمج استراتيجيتين: من جهة، تعزيز التميّز البحثي لجيل الباحثين القادم بهدف بناء صمود وطني والقدرة على مواجهة الأزمات؛ ومن جهة أخرى، التخطيط لطرق جديدة تتجاوز قيود المقاطعة وتعزّز الطابع الدولي في البحث".

خلاصات التقرير: إعادة ترميم في "بيئة عالمية أكثر عدائية"

يخلص التقرير إلى أنه لغرض تعزيز كل واحدة من هاتين الاستراتيجيتين يُوصى بالعمل في مسارين:

"أولاً وقبل كل شيء، ينبغي إنشاء صندوق منح تميّز جديد يدعم ترسيخ الجيل القادم من أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات البحثية في البلاد، ويمنح زمالات مرتفعة بما يكفي لتمكين خرّيجي الدكتوراه المتميّزين من التخصّص في أفضل المؤسسات الأكاديمية في العالم. إن إعداد جيل المستقبل من الباحثين في الجامعات الإسرائيلية يعتمد إلى حدّ كبير على قدرة خرّيجي الدكتوراه المتميّزين على التخصّص في مؤسسات رائدة في العالم. وسيتمكّن هؤلاء الباحثون، عند انتهاء فترة ما بعد الدكتوراه، من التنافس على مواقعهم في الأكاديميا الإسرائيلية، والعودة إلى البلاد وهم يحملون معرفة وخبرة وروابط دولية، وبذلك يسهمون في رفع مستوى البحث في الأكاديميا الإسرائيلية. وفي الوقت ذاته ينبغي إنشاء منظومة مرافقة شاملة لجميع زملاء ما بعد الدكتوراه الإسرائيليين في الخارج، من أجل إعادة المتميّزين منهم إلى الجامعات في إسرائيل".

أما في المسار الثاني، يتابع، "فينبغي العمل على تعميق التعاونات البحثية الدولية. إن توقيع اتفاقيات تعاون بين صناديق علم وطنية في إطار The Lead Agency Process (LAP)، الذي يُدار في المؤسسة الوطنية للعلوم، هو وسيلة ممتازة ينبغي مواصلة توسيعها من أجل تشجيع التعاون البحثي مع دول رائدة في مجال العلم. كما يُوصى بزيادة حصة إسرائيل في برنامج الائتلافات (المجمّعات) التابع لمجلس الاتحاد الأوروبي (في إطار برنامج Horizon Europe)، الذي يشمل تعاونات دولية. وبما أن المشاركة في هذه الائتلافات، ولا سيما قيادتها، تنطوي على عمل إداري كثير ومعقّد، ينبغي بناء منظومة دعم مهنية تساعد في ذلك. إن نسبة أعضاء الهيئة التدريسية الكبار الدوليين في الجامعات في إسرائيل منخفضة (أقل من 3%)، وقد أدّت الحرب إلى انخفاض إضافي في عددهم. وقد طُرحت عدة سبل للتعامل مع هذا التحدّي، وفي مقدمتها استيعاب باحثين كبار متميّزين من جامعات في الخارج".

في الخلاصة العامة يشدد التقرير على أن التعاون الدولي هو ركيزة أساسية للحفاظ على تميّز إسرائيل العلمي، لكنه يشير إلى أن نسبة الأبحاث المشتركة دولياً أقل من دول مرجعية مشابهة، ما يحدّ من عدد الأبحاث المصنّفة ضمن الشريحة الأعلى عالمياً من حيث الاقتباسات. ورغم أن إسرائيل ما تزال تتمتع ببنية علمية قوية وإنجازات بارزة (منها نجاح ملحوظ في منح ERC حتى العام 2024)، فإن الحرب والمناخ الجيوسياسي أوجدا تحدياً استراتيجياً مزدوجاً: "الحفاظ على التفوق البحثي داخلياً، وإعادة ترميم وتعزيز المكانة الدولية للأكاديميا الإسرائيلية في بيئة عالمية أكثر عدائية".

المصطلحات المستخدمة:

لجنة العلوم والتكنولوجيا

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات