في 10 شباط 2026 نشرت صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية (تابعة لـ"يديعوت أحرونوت") بأن منظمة "ريغافيم" الاستيطانية قدّمت التماساً إلى المحكمة المركزية في حيفا ضد مخطط البناء "تمال 1077" (عين جرار) في مدينة أم الفحم. يحاول الالتماس إلغاء مخطط البناء في المدينة أو تجميد التقدّم فيه بعد مصادقة اللجنة القطرية لتخطيط مجمّعات الإسكان المفضّلة عليه في نهاية العام 2025. تقدّم المنظمة المخطط بوصفه سابقة تخطيطية وقانونية؛ لأنه يجمع بين تسوية واسعة للعمران الفلسطيني المصنف على أنه "غير مرخّص" وإضافة بناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة عبر مسار تخطيطي سريع. في ضوء ذلك ترى المنظمة أن استخدام هذا المسار لتسوية البناء القائم يغيّر وظيفة أدوات التخطيط ويحوّلها إلى آلية تمنح شرعية بأثر رجعي لواقع عمراني قائم لصالح الفلسطينيين.
في هذه المساهمة يجري استعراض مخطط "تمال 1077" في مدينة أم الفحم مع عرض تفصيلي لمضامين الالتماس الذي قدّمته جمعية "ريغافيم" ضده والتعريف بلجنة تمال وآلية عملها ضمن منظومة التخطيط والإسكان الإسرائيلية.
مخطط "تمال 1077": من التنظيم العمراني إلى الحزام الأمني
مخطط "تمال 1077" هو مخطط أقرّته لجنة التخطيط العام 2025 لتطوير مدينة أم الفحم ضمن آلية لجنة المجمعات المفضلة للإسكان التي أُنشئت العام 2014 لمعالجة أزمة السكن وزيادة المعروض السكني. يمتد على مساحة تقارب 2600 دونم بمبادرة وزارة البناء والإسكان ويُعد أول اتفاق سقف بين الحكومة الإسرائيلية وبلدية أم الفحم داخل المجتمع العربي، إذ يهدف إلى تنظيم التوسع العمراني من خلال تسوية البناء القائم، وزيادة البناء الجديد، وتحسين البنية التحتية والخدمات.
يرفع المخطط حجم البناء الإجمالي إلى نحو 6900 وحدة سكنية عبر ثلاثة مسارات مترابطة. يشمل المسار الأول تسوية نحو 3000 وحدة قائمة أُقيمت على أراضٍ زراعية بدون تنظيم تخطيطي كامل. ويتناول المسار الثاني ترخيص نحو 1160 وحدة جديدة على أراضٍ خالية غرب المخطط. ويركز المسار الثالث على تكثيف النسيج العمراني بإضافة نحو 1723 وحدة داخل مناطق قائمة. يرافق ذلك تخصيص نحو 190 ألف متر مربع للمرافق العامة مثل المدارس والعيادات والمساحات المفتوحة، وتخصيص نحو 124700 متر مربع للتجارة والتشغيل والسياحة بهدف دعم قاعدة اقتصادية محلية.
يتبنى المخطط مقاربة تنظيمية واجتماعية واقتصادية متكاملة لمعالجة نقص التخطيط التاريخي، ويوفر إطاراً قانونياً للبناء القائم وأراضي للبناء المستقبلي، مع تحسين شبكات الطرق والبنية التحتية والخدمات. يسعى إلى تعزيز الكثافة العمرانية المنظمة وتقليل البناء العشوائي وربط التوسع السكني بتطوير مناطق تشغيل ومناطق تجارية ومساحات عامة لدعم استقرار النمو السكاني ومعالجة أزمة السكن.
أودع المخطط العام 2022 وخضع لجولة اعتراضات أولى العام 2024 قُدّمت خلالها 105 اعتراضات. خلال المداولات طلبت وزارة الدفاع توسيع الحزام الفاصل بين أم الفحم ومستوطنة مي عامي من 30 إلى 80 متراً. تبنت لجنة التخطيط الطلب بعد تقرير محقق خاص وقررت فتح جولة اعتراضات ثانية وفق قانون التخطيط والبناء بسبب ما يستلزمه التعديل من هدم مبانٍ قائمة داخل نطاق الحزام. حدّدت اللجنة عرض الحزام بثمانين متراً على طول الطريق الإقليمي 6533 مع توسيع الطريق لأسباب وُصفت بأنها هندسية وأمنية وبموافقة وزارة الدفاع.
أبقت اللجنة خمسة مبانٍ داخل نطاق الحزام رغم تثبيت عرضه، وأقرت زيادة الكثافة السكنية ليصل الحجم الفعلي إلى 6900 وحدة سكنية. واعتبرت بلدية أم الفحم القرار ذا طابع سياسي بغطاء أمني، وأعلنت عن دراسة إجراءات قانونية لتعديل القرار وتقليص آثاره بسبب تأثيره على عشرات المنازل وآلاف العائلات.
"ريغافيم"
في 10 شباط 2026 قدّمت منظمة "ريغافيم" التماساً إلى المحكمة المركزية في حيفا ضد مخطط "تمال 1077" في مدينة أم الفحم. ويستهدف الالتماس إلغاء المخطط أو تجميد التقدّم فيه، ويأتي بعد مصادقة اللجنة القطرية لتخطيط مجمّعات الإسكان المفضّلة عليه في نهاية العام 2025. ترى الحركة أن هذا المخطط يشكّل سابقة تخطيطية وقانونية خطيرة؛ لأنه يجمع بين تسوية واسعة للبناء غير المرخص وإضافة آلاف الوحدات السكنية الجديدة ضمن مسار تخطيطي سريع أُنشئ أصلاً لمعالجة أزمة السكن في المدينة.
يرتكز الالتماس على ادعاء مركزي مفاده أن اللجنة تجاوزت الغاية التي أُنشئت من أجلها. وتؤكد المنظمة أن القانون وُضع بهدف زيادة عرض الشقق وتسريع البناء في مناطق جديدة، لا بهدف شرعنة مخالفات بناء قائمة. وفق هذا الطرح، استخدام المسار السريع لتسوية أحياء قائمة بُنيت من دون تصاريح يشكّل خروجاً عن الصلاحيات القانونية الممنوحة للجنة وعن الهدف التشريعي الذي قام عليه القانون.
تقدّم المنظمة مخطط البناء بوصفه مشروعاً يركّز أساساً على تسوية البناء غير القانوني أكثر مما يركّز على إنشاء وحدات جديدة. وفق تقدير الالتماس، يشكّل عنصر "التبييض" النسبة الأكبر من المشروع إذ تُسوّى آلاف الوحدات القائمة في مقابل عدد مشابه من الوحدات الجديدة. وتعتبر الحركة أن هذا التوازن يغيّر طبيعة المشروع من مخطط إسكان مستقبلي إلى آلية لإضفاء الشرعية على واقع قائم نشأ خارج منظومة التخطيط الرسمية.
يشدد الالتماس على أن المخطط يخلق، في نظر المنظمة، معياراً مزدوجاً في تطبيق القانون. ترى المنظمة أن الذين التزموا بإجراءات التخطيط الرسمية يخضعون لمسارات طويلة ومكلفة للحصول على تراخيص بينما يحصل من بنى بدون تصريح على تسوية جماعية عبر مسار سريع. وتقدّم هذا الأمر باعتباره مساساً بمبدأ المساواة أمام القانون وبسيادة القانون في مجال التخطيط والبناء.
يتضمن الالتماس أيضاً انتقادات تخطيطية تتعلق بجودة المشروع نفسه. تدعي المنظمة أن دمج مبانٍ قائمة غير مخططة داخل مخطط جديد يضر بجودة التخطيط الحضري. وتشير إلى مشكلات تتعلق بالكثافة السكنية المرتفعة والبنية التحتية وتنظيم الطرق والمواصلات والمساحات العامة. وفق هذا الطرح، أدى الحفاظ على المباني القائمة إلى تقليص جودة التخطيط المستقبلي وإضعاف القدرة على تصميم حي حضري متوازن.
يرى مقدّمو الالتماس أن اللجنة التي صادقت على المخطط تحولت إلى جهة تصادق بأثر رجعي على واقع قائم بدل أن تقوده تخطيطياً. ويصف الالتماس عمل اللجنة بأنه منح شرعية جماعية لمخالفات البناء بدل معالجة أسبابها ضمن مسارات التخطيط العادية. لذلك تطلب المنظمة من المحكمة وقف الترويج للمخطط وإجراء فحص قانوني معمّق لمدى صلاحية استخدام مسار تمال في مثل هذه الحالات.
يأتي الالتماس في سياق اعتراضات سابقة قدّمتها المنظمة حول المخطط نفسه. سبق أن رُفض اعتراض سابق، لكن المنظمة عادت إلى تقديم الالتماس بعد المصادقة النهائية على المخطط. يعكس ذلك استمرار النزاع القانوني حول حدود صلاحيات لجنة التخطيط ودورها في معالجة البناء غير المرخص في البلدات العربية.
في الواقع يمكن النظر إلى الالتماس في سياق نشاط أوسع للحركة في معارضة البناء الفلسطيني عموماً، سواء داخل إسرائيل أو في الضفة الغربية. تطرح المنظمة الملف هذه المرة بصيغة قانونية ترتكز على سيادة القانون والمساواة، لكنها تتعامل مع قضايا التخطيط والبناء في البلدات الفلسطينية بوصفها مجالاً دائماً للطعن القانوني والملاحقة.
لجنة "الفاتمال" ودورها في التخطيط
"الفاتمال" هو اختصار للجنة القطرية للتخطيط والبناء للمجمّعات المفضّلة للسكن. أُنشئت اللجنة العام 2014 بموجب قانون تعزيز البناء في المجمعات المفضّلة للسكن بهدف معالجة أزمة السكن وزيادة عرض الوحدات السكنية وتسريع إجراءات التخطيط، تعمل اللجنة عبر مسار تخطيطي سريع يختصر الإجراءات البيروقراطية المعتادة. فيما يهدف هذا المسار إلى توفير وحدات سكنية بسرعة أكبر مقارنة بمسارات التخطيط التقليدية. وقد استخدمته الحكومات المتعاقبة لتعزيز مشاريع إسكانية واسعة النطاق.
في حالة مدينة أم الفحم، أوضحت اللجنة أن المنطقة تتسم بتعقيد تخطيطي استثنائي بسبب مساحتها الكبيرة والطوبوغرافيا الجبلية والملكية المشتركة للأراضي وحجم البناء القائم. أكدت اللجنة أن المخطط سيسهم في تحسين الوضع التخطيطي في المدينة ويساعد في معالجة أزمة السكن في المجتمع العربي.
كذلك يشير هذا التوضيح إلى رؤية تخطيطية ترى أن تسوية البناء القائم جزء من حل شامل للأزمة. فالأحياء التي يشملها المخطط قائمة منذ نحو عشرين عاماً وسبق إدراجها في المخطط الهيكلي لأم الفحم العام 2016 ولم يحصل بعد على مصادقة نهائية.