أظهر تقرير المحاسب العام في وزارة المالية الإسرائيلية أن نسبة الديْن العام من إجمالي الناتج العام، بلغت مع نهاية العام الماضي 2025، نحو 68.5%، وهي نسبة شبه مطابقة لتقديرات بنك إسرائيل المركزي، التي تعدلت مراراً خلال العام الماضي. لكن هذه النسبة تبدو بعيدة عن التقديرات الاقتصادية التي ظهرت في بحر العام 2024، وحتى أوائل العام الماضي 2025، بأن تقفز النسبة إلى 80%، مقارنة بنحو 60% عشية شن الحرب على قطاع غزة، في تشرين الأول 2023. وبموازاة ذلك، نشر صندوق النقد الدولي تقريراً خاصاً بالاقتصاد الإسرائيلي، تضمن توصيات بإجراءات تقشفية، من أبرزها زيادة ضريبة المشتريات، المرتفعة أصلاً، 18%، وزيادة ضريبة الدخل، خاصة على الشرائح المتوسطة الدنيا، التي تتلقى رواتب أقل من معدل الأجور.
حجم الديْن العام
وكان المحاسب العام في وزارة المالية الإسرائيلية قد نشر في نهاية الشهر الماضي، كانون الثاني، تقريراً أولياً حول حجم الديْن العام، بالنسبة لحجم الناتج العام، وجاء فيه أن حجم الديْن العام ارتفع من حيث النسبة المئوية، مقارنة مع العام الذي سبق 2024، وبلغ عند نهاية العام 2025 تقريباً 68.5% من حجم الناتج العام، وهو ما يلامس 1400 مليار شيكل، ما يعادل بقيمة الصرف الحالي، 451 مليار دولار. إلا أن النسبة النهائية ستنشر في تقرير تالٍ، في وقت متأخر قليلاً، حتى استيفاء الحسابات كافة.
وقد ارتفع حجم الديْن في العام 2025 بأقل من 1%، عن العام 2024، الذي بلغ فيه حجم الديْن نسبة 66.7% من حجم الناتج العام. وتقول هذه النسبة إن حروب العامين الماضيين رفعت حجم الديْن الإسرائيلي العام بنحو 9% من حجم الناتج العام، وهذا يبقى أقل بكثير من التقديرات التي ظهرت مع اتضاح حقيقة أن الحرب ستطول.
وجاء هذا الديْن مطابقاً تقريباً لتقديرات بنك إسرائيل المعدّلة في نهاية العام الماضي، بنسبة 68.6%، لكن البنك المركزي كان قد طرح قبل هذا تقديرات بنسبة أعلى تفوق نسبة 69%. إلا أنه في كل الأحوال، فإن نسبة الديْن بعيدة كليا عن تقديرات محللين، ظهرت في النصف الأول من العام الماضي، ومنهم من نقل تخوفات مصادر في وزارة المالية، إذ كان تخوفها من أن يصل حجم الديْن العام إلى نسبة 80% من حجم الناتج العام، وهذا كان سيغير وجه الاقتصاد الإسرائيلي، وفي الأساس شكل إدارة الموازنة العامة الإسرائيلية.
وكما هو معروف، فإن حجم الديْن هو مؤشر إلى الاستقرار المالي في كل دولة، ومن المفترض أيضاً أن يتم التنبؤ بقدرة الدولة على سداد ديونها. لذلك، فإن نسبة الديْن مؤشر بالغ الأهمية للتصنيف الائتماني؛ فكلما زاد حجم الديْن العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، انخفضت قدرة الدولة على سداد ديونها، وذلك بشكل رئيس من خلال الإيرادات الضريبية، التي تعتمد، من بين أمور أخرى، على حجم الناتج المحلي الإجمالي.
ونشير إلى أن نسبة الديْن إلى الناتج المحلي الإجمالي البالغة نحو 60%، والتي كانت عشية شن الحرب على الشعب الفلسطيني في تشرين الأول 2023، هي الوضع الأمثل، بحسب مقاييس الدول المتطورة.
وقال تقرير المحاسب العام إن إسرائيل اقترضت في العام الماضي 207 مليارات شيكل (66.5 مليار دولار، حالياً)، وتم تجميع الغالبية العظمى من هذا الديْن من صناديق مدخرات إسرائيلية، خاصة صناديق تقاعد، وصناديق توفير.
وجاء أيضاً أن إجمالي حجم الديون التي جندتها وزارة المالية خلال عامي الحرب 524 مليار شيكل (169 مليار دولار)، من بينها 411 مليار شيكل من صناديق ومستثمرين إسرائيليين. لكن جزءاً من هذا الديْن، هو إعادة جدولة لديون كانت قائمة، مثل تمديد فترة تسديدها.
وقال المحاسب العام في تقريره إن تدهور نسبة الديْن إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل منخفض مقارنة بالاتجاه العالمي. وقال: "تعكس نسبة الديْن إلى الناتج المحلي الإجمالي استخدامنا للمساحة المالية المتاحة خلال هذه الفترة المعقدة. ففي العامين الماضيين، جمعنا مبالغ كبيرة من الديون، ويشير الطلب المرتفع والمستقر إلى ثقة الأسواق في الاقتصاد الإسرائيلي".
تقرير صندوق النقد الدولي
وعقد ممثلو صندوق النقد الدولي، خلال الأسابيع الماضية، وحتى مطلع الشهر الجاري، شباط، اجتماعات مع شخصيات اقتصادية بارزة، ونُشر في إطار هذه الاجتماعات تقرير يتضمن توصيات للحكومة الإسرائيلية، حول كيفية تعزيز النمو. ومن بين هذه التوصيات، رفع ضريبة القيمة المضافة (ضريبة المشتريات وهي حاليا 18%) وإلغاء الإعفاءات الضريبية، بالإضافة إلى زيادة معدلات التوظيف وإنتاجية العمل، بين النساء العربيات والرجال اليهود الحريديم.
وبحسب تقريره، يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 2.9% في العام الماضي 2025، وهذا ما سيتضح نهائياً، على الأغلب، بعد الربع الأول من العام الجاري 2026، بينما سيبلغ النمو 4.8% في العام الجاري 2026، وهو معدل نمو منخفض نسبياً، مقارنة بتوقعات كبير الاقتصاديين في وزارة المالية، وقسم الأبحاث في بنك إسرائيل المركزي، والتي بلغت 5.2%.
كما يتوقع صندوق النقد انخفاض النمو الاقتصادي الإسرائيلي، على المدى المتوسط، إلى نحو 3.5% سنوياً، مقارنة بمتوسط نمو بلغ 4% قبل الحرب، وذلك نتيجة لتأثير الحرب وزيادة الإنفاق العسكري.
وبحسب استعراض الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية، يبدأ التقرير بالإشارة إلى التعافي السريع للنشاط الاقتصادي بعد الحرب على قطاع غزة. ويركز صندوق النقد في تقريره على السياسة المالية، حيث يُبدي شكوكاً واضحة حول أهداف الحكومة، فبينما بلغ العجز في العام 2024 نسبة 6.8%، والهدف للعام 2026 هو 3.9%، يرى خبراء الاقتصاد في الصندوق أن هذا الهدف غير كافٍ لخفض نسبة الديْن.
ويُشكل الديْن العام، الذي ارتفع من 60% إلى 68.6% في غضون ثلاث سنوات، تهديداً لمصداقية الاقتصاد الإسرائيلي، بحسب تقييمات المحللين. ويقول صندوق النقد إنه بدون اتخاذ مزيد من إجراءات التقارب الجوهرية، سيستمر الديْن في الارتفاع، مما سيزيد من ضغوط أسعار الفائدة ويستنزف الميزانيات المدنية الحيوية.
ويدعم التقرير سياسة بنك إسرائيل المركزي، بشأن الفائدة البنكية، إذ بحسب تقريره، فقد ساهمت سياسة الفائدة البنكية المتشددة في عودة التضخم إلى النطاق المستهدف، بمعنى ما بين 1% إلى 3%، وفي ظل الظروف الراهنة، المتمثلة في اعتدال الضغوط التضخمية، وتخفيف قيود العرض، هناك مجال لخفض تدريجي في نسبة الفائدة.
مع ذلك، يؤكد صندوق النقد أن هذا لا يعني نهاية مخاطر التضخم: "فسوق العمل لا تزال مكتظة، والطلب الدوري قوي، وأي تطورات جيوسياسية قد تُعيد إشعال ضغوط الأسعار. لذا، فإن التوصية الأساسية لبنك إسرائيل هي الحفاظ على مرونة كاملة، والاستعداد لتغيير المسار بسرعة، إذا انحرفت البيانات، أو بيئة المخاطر عن السيناريو الأساسي"، بحسب تعبير التقرير.
تحذير من مخططات نتنياهو والجيش
وقال المحلل الاقتصادي أدريان بايلوت، في مقال في صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية "إن خلاصة القول واضحة، وإن لم تكن جديدة تماما: يُقدّم صندوق النقد الدولي إشارة تحذيرية. لقد أظهر الاقتصاد الإسرائيلي قدرة عالية على التعافي، ولا يزال يتمتع بمصداقية في الأسواق، بفضل الإدارة المسؤولة في الماضي، إلا أن هامش المناورة هذا يتقلص".
"وتعتمد استمرارية الصمود على القدرة في إدارة سياسة مالية مسؤولة في ظل الإنفاق العسكري المرتفع، والحفاظ على سياسة نقدية مستقلة وحكيمة، وتعزيز الإصلاحات الهيكلية التي من شأنها زيادة المعروض من العمالة والإنتاجية. وبدون الجمع بين هذه العناصر الثلاثة، قد يكون الانتعاش الحالي مؤقتاً، وقد تتحول المخاطر، لا سيما الجيوسياسية والمالية، من مجرد تحذير إلى واقع اقتصادي خطير".
وتابع بايلوت: "وراء اللغة المهنية والدبلوماسية للتقرير، تكمن صورة لاقتصاد يقف على مفترق طرق حرج، وينصب التركيز، مرة أخرى، على تآكل إمكانات النمو، وتزايد المخاطر المالية (الميزانية). ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن النموذج الاقتصادي، الذي استرشدت به إسرائيل في العقود الأخيرة، يتطلب مراجعة عاجلة لمنع تدهور طويل الأمد في نسبة الديْن إلى الناتج المحلي الإجمالي، ومكانة الاقتصاد الدولية، فكما أشار كبير الاقتصاديين في وزارة المالية، فإن نقطة الضعف المباشرة للاقتصاد الإسرائيلي هي سياسته الحكومية".
ويقول المحلل الاقتصادي شلومو تايتلبويم، في مقال له في صحيفة "كالكاليست"، إن تقرير وزارة المالية، من جهة، وتقرير صندوق النقد الدولي، من جهة أخرى، يبرزان الأضرار الاقتصادية طويلة الأمد، الناجمة عن ارتفاع مستوى الديْن. وتتمثل الآلية الرئيسة في زيادة نسب الفائدة على ديون إسرائيل في العالم، ما سيؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي مقارنة بالتوقعات. كما يتناول كبير الاقتصاديين في وزارة المالية مزاعم عديدة طُرحت سابقاً، مثل "أن النمو وحده كفيل بخفض الديْن، كما حدث مع جائحة كورونا"، موضحاً أن أزمة كورونا كانت فريدة من نوعها، بينما خلّفت الحرب آثاراً اقتصادية طويلة الأمد.
ويتابع: يؤكد كل من كبير الاقتصاديين وصندوق النقد الدولي أن التوقعات الحالية لنمو إسرائيل المستقبلي أقل من التوقعات السابقة (إمكانية نمو تبلغ 3.5% سنوياً مقارنة بنحو 4% في السابق). كما تُقرّ الوثيقتان بأنه من غير المرجح تحقيق هدف خفض نسبة الديْن إلى الناتج المحلي الإجمالي بدون زيادة الضرائب، نظراً للصعوبة التي تواجهها الحكومة في خفض الإنفاق عموما، حيث يُعدّ مستوى الإنفاق المدني منخفضاً في الأساس.
ويرى تايتلبويم أن هاتين الوثيقتين، في حد ذاتهما، تُعدّان بالغتي الأهمية: أولاً، زيادة الضرائب في السنوات المقبلة. ثانياً، أن الحكومة تهاونت في إعداد ميزانية العام 2026، إذ لم تضع ميزانية تُسهم في خفض الديْن العام.
ويعتقد الكاتب أن الصرف العسكري المخطط في السنوات العشر المقبلة، سيزيد الديْن العام، وبشكل خاص، خطة الجيش التي تبناها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وتقضي برصد 350 مليار شيكل (حاليا أكثر من 110 مليارات دولار)، توزع على عشر سنوات، لتطوير القدرات العسكرية.
وهناك الخطة الثانية، وهي بحسب تصريح نتنياهو، الذي كرره في الأشهر القليلة الأخيرة، تقليل الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية، التي تعادل حالياً أكثر من 14 مليار شيكل سنوياً، وهذه خطط حقيقية يعمل عليها الجيش. ويرى تايتلبويم أن هذا صرف سيزيد العبء على الخزينة العامة، ما سيزيد حجم الديْن العام، أو يمنع تراجعه في السنوات المقبلة، من حيث نسبته من حجم الناتج العام.