المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 15
  • ياسر مناع

في 27 كانون الثاني 2026 نفذت قوات مشتركة من الجيش والشرطة الإسرائيليين عمليات هدم في مناطق كفر عقب بعد إجراءات سبقتها في مخيم شعفاط وقرية حزمة شمال القدس. أعلنت الشرطة أن هذه الخطوات تندرج ضمن حملة واسعة تحمل اسم عملية "درع العاصمة"، وتعرضها المؤسسة الأمنية بوصفها نشاطاً ميدانياً يهدف إلى تعزيز السيطرة الأمنية وتكثيف إجراءات الإنفاذ في مناطق خط التماس حول القدس، أو ما يسمى غلاف القدس. ترافقت العمليات مع سلسلة مداهمات ومصادرات وتصريحات رسمية ربطت النشاط بأهداف أمنية وسيادية أوسع. 

وفق بيانات الشرطة الإسرائيلية فإن عملية "درع العاصمة" تهدف إلى تعزيز السيطرة الأمنية في القدس ومحيط الجدار الفاصل عبر توسيع الانتشار العسكري، ملاحقة شبكات تعتبرها الشرطة جريمة منظمة أو مرتبطة بالفصائل، تشديد ملاحقة العمال، وتطوير الجدار ووسائل المراقبة. بينما ثمّة أهداف خفية تتعلق بعزل القدس عن باقي مدن الضفة الغربية، وترسيخ الضم.

تتناول هذه المساهمة ماهية عملية "درع العاصمة" وأهدافها المعلنة وأشكال تطبيقها على الأرض. مضافاً إلى ذلك، استعراض أبرز ما ورد في تقرير مراقب الدولة الصادر في 23 كانون الأول 2025 بشأن الثغرات في الجدار العازل في منطقة القدس.

ما هي "درع العاصمة"؟

عملية درع العاصمة هي عملية أمنية أعلنت الشرطة الإسرائيلية إطلاقها يوم 12 كانون الثاني 2026 في محيط القدس والقرى الفلسطينية القريبة من الجدار العازل. شاركت في تنفيذها وحدات من شرطة لواء القدس، حرس الحدود، ووحدات المستعربين. وتصف الشرطة العملية بأنها خطة تشغيلية ممتدة وليست نشاطاً موضعياً قصير المدى وأنها مرحلة جديدة في حماية مدينة القدس، إذ تعتمد على الانتشار المكثف، العمل الاستخباراتي، الوسائل التكنولوجية، والتنسيق بين الأجهزة بهدف إعادة تشكيل البيئة الأمنية والإدارية في محيط القدس وخط التماس.

أهداف "درع العاصمة"

تشير بيانات الشرطة الإسرائيلية إلى أن عملية "درع العاصمة" تقوم على أهداف معلنة محددة، بينما ثمة أهداف خفية ترتبط بتعزيز فصل القدس عن الضفة الغربية وترسيخ الضم وتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، ومحاربة وكالة الأونروا في القدس أيضاً، ومن الأهداف المعلنة ما يلي:

أولاً: تمثل العملية استجابة استراتيجية تستهدف تعزيز السيادة وترسيخ الحوكمة في القدس والقرى المحاذية للجدار. تركز الخطة على توسيع الحضور العسكري والأمني في محيط القدس وخط التماس عبر زيادة انتشار الشرطة وحرس الحدود، وتكثيف الدوريات والحواجز العسكرية ورفع مستوى الجهوزية الميدانية، بما يهدف إلى تثبيت حضور أمني - عسكري دائم وإحكام السيطرة على المكان.

ثانياً: ملاحقة ما تصفه الشرطة بالبنى المرتبطة بالفصائل الفلسطينية والجريمة المنظمة، تشمل مداهمات بيوت الفلسطينيين واعتقالات، إضافة إلى تفكيك شبكات تهريب السلع والأنشطة التي تصنفها الشرطة ضمن الجريمة المنظمة.

ثالثاً: منع التسلل وملاحقة العمال الفلسطينيين، حيث تولي العملية أولوية لتقليص دخول العمال الفلسطينيين بدون تصاريح عبر تكثيف التفتيش والحواجز والملاحقة الميدانية، مع تركيز خاص على المناطق القريبة من الجدار وخط التماس.

رابعاً: تعزيز الجدار العازل وتطوير وسائل الرقابة التكنولوجية، وتتضمن الخطة تقوية البنية الأمنية للجدار والحواجز وتوسيع استخدام الوسائل التكنولوجية للمراقبة والرصد وتحسين التنسيق بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المتنوعة.

خامساً: منع نشاطات تعتبرها الشرطة تحريضية أو مرتبطة بجهات تصفها بـ "الإرهابية"، وتمتد الإجراءات إلى المجالين الاقتصادي والثقافي عبر منع فعاليات أو مداهمة أنشطة ترى الشرطة أنها قد توفر دعماً أو غطاء لنشاط جهات تصفها بـ "الإرهابية". ويقصد بالإرهابية الداعمة للرواية والقضية الفلسطينية.

أشكال تطبيق العملية ميدانياً

عند النظر في كيفية تنفيذ الإجراءات على الأرض، يتضح أن العملية تتخذ أشكالاً متعددة ومتداخلة، من أبرزها:

  1. مداهمات اقتصادية وتجارية

في 13 كانون الثاني 2026 نفذت الشرطة الإسرائيلية عملية واسعة في مخيم شعفاط ضمن "درع العاصمة" شملت مداهمة محال تجارية وضبط كميات كبيرة من السلع المشتبه بتزويرها. صادرت القوات 10 مركبات بقيمة تتجاوز 400 ألف شيكل، وضبطت 90 ألف علبة سجائر مزيفة ومهرّبة تُقدّر قيمتها بنحو 890 ألف شيكل، إضافة إلى كميات من منتجات التبغ ومواد غذائية بحجة أنها غير خاضعة للرقابة الصحية.

  1. إجراءات منع الأنشطة الثقافية 

في 25 كانون الثاني 2026 أعلنت الشرطة الإسرائيلية منع إقامة معرض في مسرح الحكواتيبالقدس الشرقية ضمن العملية ذاتها، بعد توقيع قائد لواء القدس أمراً يحظر نشاط عرضٍ للأطفال قال إنه مرتبط بمنظمة وصفها بـ "الإرهابية". وبررت الشرطة القرار باستنادها إلى معلومات استخباراتية وتقييم للمخاطر مؤكدة أن الخطوة تهدف إلى منع التحريض ودعم جهات تصفها بـ "الإرهابية" تحت غطاء نشاط ثقافي.

كذلك، في 27 كانون الثاني 2026 داهمت الشرطة مركز يبوس في حي الشيخ جراح في القدس ومنعت عرض فيلم "فلسطين 36" الذي وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار، وأخضعت عارض الفيلم للتحقيق؛ بدعوى أن المركز يروّج لنشاط منظمة تصفها بالإرهابية. ويتناول فيلم "فلسطين 36" أحداث الثورة العربية بين عامي 1936 و1939.

  1. عمليات هدم وتنفيذ إجراءات هندسية

في 27 كانون الثاني 2026 نفذت الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود عملية في كفر عقبشمال القدس استمرت أكثر من يومين، وشاركت فيها مئات العناصر واستخدمت خلالها آليات هندسية لتنفيذ عمليات هدم لمبانٍ فلسطينية، بحجة أن هذه المباني أُقيمت بصورة غير قانونية وتعرقل عمل الجيش والشرطة عند دخول المنطقة، كما تُلحق ضرراً بحاجز قلنديا االعسكري القريب من المكان.

  1. شق الطرق والتوسعات الاستيطانية

نفذت الجرافات الإسرائيلية في 5 شباط 2026 أعمال تجريف في محيط حاجز قلنديا شمال القدس، كما شرعت في شق شارع 45 الاستيطاني الذي يربط مستوطنات شمال القدس وشرق رام الله بالقدس مروراً بأراضي بلدات كفر عقب والرام وقلنديا.

من الجدير ذكره، أنه في 30 آذار 2025 صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي على تنفيذ المرحلة الأخيرة من مشروع "طريق نسيج الحياة" في محيط القدس. إذ تتولى وزارة الدفاع تنفيذ المشروع بهدف خلق تواصل جغرافي بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم عبر تحويل حركة الفلسطينيين إلى طريق بديل مخصص لهم، بما يتيح حصر الطرق الرابطة بين المنطقتين بالاستخدام الإسرائيلي. تبلغ كلفة المشروع 335 مليون شيكل من صندوق خارج موازنة الدولة. يحمل المشروع بعداً أمنياً واستراتيجياً، ويمهّد لفرض السيادة على معاليه أدوميم، كما يؤدي تطبيقه إلى ضم نحو 3% من مساحة الضفة الغربية وفق تقديرات حركة "السلام الآن".

  1. زيارات قيادية وتعزيز الانتشار الأمني

في 3 شباط 2026 زار المفتش العام للشرطة الإسرائيلية داني ليفي منطقة غلاف القدس، حيث تفقد انتشار قوات حرس الحدود والشرطة واطّلع على ما وصفته الشرطة بالتحديات الأمنية في المنطقة، مع تركيز على منع التسلل وملاحقة المقيمين بدون تصاريح وتعزيز الجدار والحاجز الأمني. شارك في الزيارة قادة كبار في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وتضمنت إحاطات حول خطة تشغيلية محدثة تعتمد الوسائل التكنولوجية والتنسيق بين الأجهزة إلى جانب جولة ميدانية على طول الجدار العازل لمتابعة انتشار الجيش والشرطة وإجراءاتها في محيط القدس.

تقرير مراقب الدولة... ثغرات في الجدار 

في 23 كانون الأول 2025 حذّر مراقب الدولة متنياهو إنغلمان في تقريره السنوي من أن الجيش الإسرائيلي لم يعالج ثغرات تشغيلية تراكمت طوال نحو عشرين عاماً في الجدار العازل، ما خلق بيئة قد تسمح بتنفيذ هجوم منسق شبيه بهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في القدس – على حد وصف التقرير. وأوضح التقرير أن المنظومة تعاني شللاً ناجماً عن خلافات بيروقراطية مع استمرار عبور فلسطينيين إلى داخل إسرائيل ما قبل 1967 بدون تفتيش كافٍ، وتموضع مراقبي الجيش في مواقع خطرة قرب المناطق الفلسطينية، إضافة إلى عدم تنفيذ قرارات حكومية متعلقة باستكمال الجدار العازل.

يعتبر التقرير أن الحواجز والمعابر العسكرية في غلاف القدس، البالغ عددها 16 حاجزاً ومعبراً، عنصراً مركزياً في حماية القدس وإسرائيل ومنع التسلل والعمليات. وتشير المعطيات إلى أن أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 رفعت مستوى الحاجة إلى فحص جهوزية منظومة الحماية في هذه الجبهة. حيث سجل في العام 2023 وقوع 27 عملية إلى جانب معطيات عن كثافة العمليات في المنطقة شملت إطلاق نار ورشق زجاجات حارقة وإلقاء حجارة.

تظهر معطيات مراقب الدولة وجود فجوات في الجدار العازل بطول 11 كيلومتراً في مسار واحد، و6 كيلومترات في مسار ثان، ونحو 250 متراً في مسار ثالث، إضافة إلى عشرات الكيلومترات في مسارين آخرين. وترتبط هذه الفتحات بدخول عمال فلسطينيين إلى داخل إسرائيل من دون تصريح أو تفتيش وباحتمال تسلل منفذي عمليات عبرها.

يتناول التقرير مسألة القرارات الحكومية التي اتُّخذت ولم تُنفَّذ. ويبرز مثال خطة أقرها رئيس الحكومة الإسرائيلية العام 2005، وهدفت إلى نقل تشغيل المعابر إلى "جهات مدنية". لم تُناقش الخطة رغم مرور نحو عقدين وحتى العام 2024 لم يُنقل أي معبر في غلاف القدس إلى "جهات مدنية" وبقيت المسؤولية التشغيلية لدى الجيش الإسرائيلي. ويقدَّر التمويل المطلوب بنحو 600 مليون شيكل ككلفة تأسيس لمرة واحدة و500 مليون شيكل كنفقات تشغيل سنوية بعد نقل الإدارة، من دون تخصيص ميزانية لذلك. ويصف التقرير الامتناع عن الحسم بأنه خلل خطير ومتواصل.

يشير التقرير إلى غياب جسم وطني قانوني مركزي يتولى إدارة المعابر غير الدولية. ويؤكد أن تعدد الجهات المشرفة يخلق تفاوتاً في المعايير والموارد، ما يحوّل الثغرات إلى نقاط ضعف قابلة للاستغلال لتنفيذ عمليات داخل إسرائيل. كما يلفت إلى أن بعض المعابر يفتقر إلى قيادة ثابتة، وأن جزءاً منها يعمل تحت قيادة غير دائمة، في حين لم يحصل على التأهيل المطلوب سوى قائدي معبرين فقط.

قبل 7 أكتوبر 2023 لم يحدّد الجيش الإسرائيلي تهديداً مرجعياً أو سيناريو مرجعياً للتعامل مع اقتحام جماعي نحو إسرائيل، ما أضعف مستوى الاستعداد لسيناريو مشابه. وبعد ذلك أُعدّت خطط اكتملت في آب 2024، لكنها لم تتضمن أمراً عملياتياً يحدّد الاستعداد لاقتحام واسع، رغم تقدير الشاباك بأن الفلسطينيين يشعرون بإمكانية عبور الحاجز بسهولة وبمخاطر منخفضة.

وتظهر المعطيات الواردة في تقرير مراقب الدولة وجود فجوة في منظومة رقمية موحدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الشاباك والجيش، ما قد يسبب أعطالاً وصعوبات في نقل المعلومات بسرعة ويزيد احتمال الأخطاء التشغيلية. كما يشير التقرير إلى أن تراكم الأتربة أو البناء بالقرب من الحاجز من الجهة الفلسطينية يسمح بإلقاء حجارة وزجاجات حارقة ووسائل أخرى نحو الجهة الإسرائيلية، ما يضعف وظيفة الجدار. ويضيف أن تحويل قوات الجيش عن مهام الأمن الجاري على طول الحاجز يضعف الحماية مع تقدير بأن نحو 30% من الوقت يُخصَّص لمهام لا تتصل مباشرة بحراسة الحاجز.

المصطلحات المستخدمة:

حرس الحدود, مراقب الدولة, رئيس الحكومة

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات