المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 14
  • هشام نفاع

كشف تقرير حديث، صدر عن اللجنة متعددة التخصصات لتخطيط منظومة خدمات الأورام والعلاج الإشعاعي في إسرائيل، عن تراجع واضح في قدرة الجهاز الصحي على توفير علاج أورامي متكامل وعالي الجودة، متاح لجميع مرضى السرطان في البلاد. ويشير التقرير، الذي قُدّم إلى وزارة الصحة، إلى فجوة متسعة بين زيادة معدلات الإصابة بالسرطان وإطالة عمر المرضى من جهة، وقدرة الجهاز الصحي على تقديم علاج ملائم من جهة أخرى. يقول التقرير الممتد على نحو 50 صفحة إنه على الرغم من أن الجهاز الصحي في إسرائيل مُدرج كمتقدم طبياً وتكنولوجياً، فإنه يعاني من نقص في التخطيط الاستراتيجي، نقص في القوى العاملة، ومعايير غير موحّدة، خصوصاً في المناطق الطرفية، ما يخلق تفاوتاً واضحاً في جودة الرعاية المقدمة.

وظيفة هذه اللجنة كما تعرّفها هي العمل على تقديم حلول متكاملة تهدف إلى تعزيز المساواة في الرعاية الطبية، تطوير القوى البشرية، وتحسين البنى التحتية، وذلك على خلفية الضغوط المتزايدة التي يفرضها ارتفاع عدد مرضى السرطان وازدياد متوسط أعمارهم.

فجوات بين الاحتياجات والبنى التحتية والموارد البشرية

شهد مجال طبّ الأورام في إسرائيل تغيّرات جوهرية خلال العقود الأخيرة، تمثّلت في تقسيم التخصص إلى مهنتين منفصلتين (الأورام الطبية والعلاج الإشعاعي)، والانتقال من العلاج الاستشفائي إلى العلاج العيادي، والتطوّرات التكنولوجية، وإطالة متوسط بقاء المرضى على قيد الحياة، إلى جانب التخصص في مجالات فرعية. وقد أدّت هذه الاتجاهات، إلى جانب شيخوخة السكان والزيادة في العبء البيروقراطي، إلى نشوء فجوات بين الاحتياجات من جهة، والبنى التحتية والموارد البشرية من جهة أخرى، ولا سيما في المناطق الطرفية.

على هذه الخلفية، أُنشئت في شباط 2024 هذه اللجنة متعددة التخصصات لتخطيط منظومة خدمات الأورام والعلاج الإشعاعي في إسرائيل. وتهدف اللجنة إلى بلورة توصيات لتخطيط متعدّد السنوات للخدمات الأورامية، وضمان توفير علاج مهني، عالي الجودة ومتساوٍ، مع تقليص الفجوات.

أحد أبرز الملفات التي تناولها التقرير يتعلق بالفيزيائيين الطبيين، الذين لا يُعترف بهم حتى اليوم رسمياً كمهنة صحية من قبل وزارة الصحة. وتوصي اللجنة بتنظيم هذا المجال رسمياً، وتطوير مسارات تأهيل موحّدة لتلبية احتياجات المراكز الأورامية.

يستند التوصيف إلى برنامج قطري لتأهيل الفيزيائيين الطبيين، يُدار بواسطة شعبة التقنيات الطبية بالتعاون مع الجهات المهنية في معاهد العلاج الإشعاعي. وقد تم تصميم مسار تأهيل موحّد يشمل امتحاناً نهائياً بإشراف "الاتحاد الإسرائيلي للفيزياء الطبية" بعد سنتين من التأهيل، كخطوة أولى نحو تنظيم المهنة رسمياً. كما توصي اللجنة بأن يتم تنظيم المهنة بقيادة شعبة التقنيات الطبية وبالتعاون مع الاتحاد الإسرائيلي للفيزياء الطبية، لضمان تطبيق معايير موحدة على الصعيد الوطني.

في ما يخص المعايير الوظيفية وحساب الاحتياجات، يشير التقرير إلى أن المناوبات تشكل عنصراً أساسياً في تحديد الأجر، بالنظر إلى انخفاض الأجر الأساس. ويبلغ متوسط حجم وظيفة الفيزيائيين حالياً نحو 150%. وبحسب تعليمات وزارة الصحة لتشغيل معهد علاج إشعاعي، يحتاج النظام إلى 101 فيزيائي، بينما يعمل فعلياً 61، ما يعني نقصاً قدره 40 فيزيائياً بوظائف كاملة. وتشير اللجنة إلى ضرورة احتساب التغيرات في النشاط، مثل إدخال أجهزة وتقنيات جديدة، واستعداداً لإنشاء مركز بروتونات في المستقبل القريب.

يشير التقرير أيضاً إلى احتياجات تقنيي التصوير العلاجي، حيث ينص معيار وزارة الصحة على وجود أربعة تقنيين لكل مسرّع، وثلاثة لكل جهاز محاكاة، مع إضافة تقني إضافي لكل 100 علاج براكيثيرابي سنوياً. وبحساب متوسط حجم الوظيفة 130%، يحتاج النظام إلى 212 تقني تصوير علاجي، بينما يوجد فعلياً 233، ما يوضح تفاوتاً بين المعاهد، فهناك فائض في بعضها ونقص في أخرى.

وتوصي اللجنة بزيادة عدد الفيزيائيين والتقنيين لدعم الأجهزة المتقدمة، وأجهزة المحاكاة الحديثة، والعلاجات التكيّفية، بما يضمن قدرة المراكز على الاستجابة للطلب المتنامي.

كما تؤكد التوصيات على أهمية الكوادر الداعمة: ممرضات متخصصات، فرق صيانة هندسية، دعم حاسوبي فوري، وفرق إدارية لإدارة المراكز وضمان استمرارية التشغيل وجودة العلاج.

نقص تراكمي متواصل في كوادر القوى العاملة الطبية

تُظهر البيانات الرسمية أن إسرائيل حتى العام 2023 تضم 367 طبيباً مختصاً في الأورام، منهم 287 دون سن التقاعد. ورغم زيادة عدد المتخصصين منذ العام 2000، فإن وتيرة تأهيل الأطباء الجدد لا تلبي الزيادة في عدد المرضى. وقد تضاعف عبء المرضى على الطبيب الواحد، إذ ارتفع عدد المرضى إلى الطبيب الواحد من 216 في العام 2005 إلى 547 في 2019، أي زيادة بمقدار 2.5 ضعف خلال 15 عاماً. وهذا الأمر يضغط على الطواقم الطبية ويؤثر على جودة الخدمة وتجربة المريض.

وتشير اللجنة إلى أن غياب المعايير الوطنية الموحدة للقوى العاملة في مجال الأورام يمثل عائقاً إضافياً. فالمعاهد تعمل بأحجام مختلفة من القوى العاملة، حتى عند وجود حجم نشاط مماثل، ما يؤدي إلى تفاوت في جودة العلاج بين المراكز، وأحياناً داخل نفس المنطقة.

كما يشير التقرير إلى تركيز الخدمات في وسط البلاد، حيث تقدم أربعة مراكز كبيرة 60% من العلاجات المضادة للسرطان. وبذلك يضطر نحو 21% من المرضى إلى السفر خارج منطقة سكنهم لتلقي العلاج. أما في المناطق الطرفية، فالفجوات أكبر: في الجنوب يضطر 36% من المرضى لمغادرة المنطقة، وفي حيفا 18%، والشمال 12%.

في ما يتعلق بالتمريض، توصي اللجنة برفع معيار التمريض في أقسام الأورام من 0.85 ممرضة لكل سرير إلى 1.2، وفي الاستشفاء النهاري إلى ممرضة لكل 8–10 مرضى. أما الممرضات المتخصصات في الأورام، فلا يوجد لهن معيار محدد حالياً، لذا توصي اللجنة بوجود ممرضة واحدة لكل 100 مريض نشط، مع توزيعها بين الأقسام المختلفة.

أما الخدمات المساندة، فتشمل العمل الاجتماعي، وعلم النفس، والتغذية، والعلاج الطبيعي، والصيدلة السريرية. وتشير اللجنة إلى أن نقص هذه الخدمات في بعض المعاهد، خصوصاً في الأطراف، يعرقل العلاج الأورامي الشامل ويزيد من المعاناة على المرضى وعائلاتهم.

تشخيص 30 ألف مريض سرطان جديد سنوياً

توصي اللجنة بتحديد وظائف محددة لعلم النفس في مختلف أقسام الاستشفاء: وظيفة واحدة لكل 30 سريراً في أقسام الاستشفاء الأورامي، ووظيفة واحدة لكل 100 مريض يومياً في الاستشفاء النهاري، ووظيفة لكل 1,500 محاكاة سنوياً في معاهد العلاج الإشعاعي، مع تخصيص وظائف إضافية للعلماء النفسيين العصبيين لكل 200 مريض.

يشير التقرير إلى أن إسرائيل تشخص سنوياً نحو 30 ألف مريض سرطان جديد، ويعيش نحو 100 ألف شخص مع المرض بحلول العام 2021، سواء أكانوا مرضى نشطين أو متعافين. ويرجع ذلك إلى تحسن فرص البقاء على قيد الحياة وتوسّع خيارات العلاج، التي تحوّل السرطان في بعض الحالات إلى مرض مزمن يتطلب متابعة طبية طويلة الأمد.

وقد ساهمت الدولة في دعم هذه المنظومة من خلال إضافة ملياري شيكل على مدى 15 عاماً إلى سلة الأدوية العامة لتغطية الفحوصات والأدوية والعلاجات الحديثة، إلا أن هذا التمويل، رغم أهميته، لا يشكّل وحده ضمانة لعلاج متكامل ومهني، إذ يعتمد العلاج الأمثل على منظومة متكاملة تشمل القوى البشرية والبنى التحتية والخدمات المساندة.

شهد المجال الأورامي في إسرائيل تغيرات جذرية خلال العقود الأخيرة، شملت تقسيم التخصص الطبي إلى الأورام الطبية والأورام الإشعاعية، الانتقال من العلاج الاستشفائي إلى العيادي، التطورات التكنولوجية، التخصص الفرعي، وشيخوخة السكان. وقد أدت هذه التوجهات إلى فجوات بين الاحتياجات المتزايدة من جهة، والقدرة التشغيلية من جهة أخرى، خصوصاً في المناطق الطرفية.

على هذا الأساس، أنشئت اللجنة في شباط 2024 برئاسة البروفيسور يونتان هليفي، وضمت عشرات الخبراء، حيث عقدت 27 جلسة ونفذت جولات ميدانية، بهدف صياغة توصيات لتخطيط متعدد السنوات يضمن توفير علاج مهني، عالي الجودة، ومتساوٍ لجميع المرضى، مع تقليص الفجوات الإقليمية.

ويقول هليفي: "عدد مرضى السرطان في إسرائيل يشهد ارتفاعاً حاداً بسبب اكتشاف المرض في مراحل مبكرة، وتحسن نسب البقاء، وشيخوخة السكان، ما يجعل السرطان أحد الأسباب الرئيسة للوفاة. علينا ضمان تقديم علاج متكافئ لكل المرضى في كل المناطق".

توصيات: تطوير القوى البشرية وبرامج التأهيل والمعايير الموحدة 

تشمل التوصيات تطوير القوى البشرية، تنظيم المهن الجديدة، توسيع برامج التأهيل، ووضع معايير وطنية موحدة لكل المهن الطبية والتقنية المساندة، بدءاً من الأطباء والممرضات، وصولاً إلى تقنيي التصوير العلاجي والفيزيائيين الطبيين وعلماء النفس. كما توصي اللجنة بتوفير بنى تحتية حديثة تشمل العلاج الإشعاعي، التصوير الطبي، مختبرات التحليل، والخدمات الداعمة، بالإضافة إلى إنشاء منظومة وطنية للتعافي ومتابعة المتعافين تشمل الدعم النفسي والتغذية الطبية وإدارة الأعراض.

وتؤكد اللجنة أن زيادة عدد الأطباء والممرضات والمتدربين ورفع معايير الوظائف ضرورية لضمان تطبيق هذه التوصيات، وأن تأخير هذه الخطوات من شأنه أن يؤدي إلى استمرار الفجوات بين الطلب المتزايد على العلاج وقدرة النظام على تلبيته.

بهذا التقرير، يقول معدّوه، تقدم اللجنة رؤية شاملة لتحسين منظومة الأورام في إسرائيل، مع التركيز على المساواة في الوصول إلى العلاج، جودة الرعاية، ودعم القوى العاملة، بما يتماشى مع التطورات التكنولوجية والطبية الحديثة، ويستجيب للزيادة المستمرة في عدد مرضى السرطان واحتياجاتهم المعقدة.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات