المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 25
  • هشام نفاع

قدّمت دراسة جديدة، صدرت عن معهد المعلومات والأبحاث التابع للكنيست الإسرائيلي، قراءة شاملة ونقدية لسياسات الحكومة تجاه شمال البلاد منذ اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مع تركيز خاص على خطة "رافعة للشمال" بوصفها الإطار الحكومي المركزي المعلن لإعادة التأهيل والإعمار. وركزت الدراسة على الفجوة بين القرارات الحكومية المعلنة وبين مسارات التنفيذ الفعلية، محللة تداعيات هذه الفجوة على السكان الذين جرى إخلاؤهم، والسلطات المحلية، والبنية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة الحدودية.

وتحدّد أن التحوّل من إدارة أزمة أمنية– سكانية طارئة، إلى محاولة بلورة سياسة إعادة تأهيل طويلة الأمد، كان بطيئاً، متقطّعاً، وافتقر إلى رؤية متكاملة وأطر تنفيذية مستقرة. وتتوقف عند واقع الإخلاء الواسع للسكان المدنيين من بلدات الشمال، وما رافقه من تداعيات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية، ثم تفحص مسار عودة السكان إلى بلداتهم، مع إبراز التفاوتات الحادة بين المناطق المختلفة تبعاً لحجم الضرر المادي ومستوى الجاهزية البنيوية. وفي هذا الإطار، يعرض تقرير الدراسة معطيات كمية محدثة حول نسب العودة، وعدد السكان الذين لم يتمكنوا من العودة حتى أواخر عام 2025، ودلالات ذلك على الاستقرار طويل الأمد في المنطقة الحدودية. كما يتناول، في محور مركزي، شكل الاستجابة الحكومية منذ الأيام الأولى للحرب، محللاً طبيعتها المرحلية التي ركزت على المعالجة الطارئة، مقابل التأخير الملحوظ في بلورة سياسة شاملة لإعادة التأهيل. ويُفرد التقرير حيزاً خاصاً لدراسة قرارات الحكومة الرئيسة، ولا سيما القرار رقم 1786، وما تلاه من قرارات جزئية، مع تقييم مدى اتساقها، وتكاملها، وقدرتها على تشكيل برنامج متعدد السنوات ذي رؤية واضحة وأدوات تنفيذ فعالة.

قرابة 9000 شخص بدون عودة دائمة إلى منازلهم

فقاً للتقرير: أدت المواجهة العسكرية على الحدود الشمالية إلى إخلاء واسع النطاق للسكان المدنيين، وخلقت واقعاً اجتماعياً واقتصادياً غير مسبوق في المنطقة. وقد شكّل هذا الإخلاء، الذي طاول عشرات البلدات والقرى، تحدياً مركزياً للحكومة، ليس فقط على مستوى الاستجابة الطارئة، بل أساساً على مستوى الانتقال من إدارة أزمة قصيرة الأمد إلى بلورة سياسة إعادة تأهيل طويلة المدى.

وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن نحو 65 ألف مواطن أُجبروا على مغادرة منازلهم في شمال البلاد بموجب قرارات حكومية رسمية، شملت بلدات تقع على مسافة تصل إلى 3.5 كيلومتر من الحدود مع لبنان وسورية. وتوزّع هؤلاء السكان بين مدن مركزية مثل كريات شمونة، وبلدات محلية صغيرة، إضافة إلى قرى تابعة لمجالس إقليمية واسعة في الجليل الأعلى ومروم الجليل وماطيه آشير وغيرها. وإلى جانب هذا الإخلاء المنظم، سُجّلت حالات غير قليلة من الإخلاء الذاتي لسكان لم تشملهم القرارات الرسمية، من بلدات خارج النطاق المحدد في قرارات الحكومة، لكنهم اختاروا المغادرة بسبب الخطر الأمني وانعدام الشعور بالأمان.

ويتابع: العائق الأمني الأساس الذي حال دون عودة السكان أُزيل تدريجياً خلال النصف الأول من العام 2025، ومع ذلك فإن العودة لم تكن فورية ولا متساوية. فبحسب المعطيات المحدثة حتى أيلول 2025، عاد نحو 87% من السكان الذين أُخلوا بقرارات حكومية إلى بلداتهم، فيما بقي قرابة 9,000 شخص بدون عودة دائمة إلى منازلهم. غير أن هذه النسبة العامة تخفي فروقات حادة بين بلدة وأخرى، إذ تُظهر البيانات أن بلدات حدودية تعرّضت إلى أضرار مادية جسيمة نتيجة القصف، مثل المطلة وشتولا ومنارة ومسغاف عام، سجّلت نسب عودة منخفضة للغاية، وهو ما يعكس الترابط الوثيق بين مستوى الدمار المادي، وجودة البنية التحتية، وسرعة التعافي.

ينتقل التقرير بعد ذلك إلى تحليل الاستجابة الحكومية، ويبيّن بوضوح أن الأشهر الأولى للحرب اتسمت بتركيز شبه حصري على الحلول الفورية والطارئة، مثل توفير الإقامة المؤقتة في الفنادق، ودفع تعويضات مالية للسكان المُهجّرين، ومنح دعم مباشر للسلطات المحلية. ورغم أهمية هذه الخطوات في منع الانهيار الاجتماعي الفوري، فإنها بقيت في إطار إدارة الأزمة، بدون أن تُستكمل برؤية استراتيجية واضحة لإعادة تأهيل الشمال كمنطقة سكنية واقتصادية متكاملة.

إعادة التأهيل أديرَت من خلال "رُقع" سياساتية منفصلة

هناك نقطة محورية تتمثل في التأخير الكبير في بلورة سياسة حكومية شاملة، إذ لم تتخذ الحكومة أول قرار متكامل بشأن إعادة تأهيل الشمال إلا في أواخر أيار 2024، أي بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على اندلاع الحرب. وقد اعتبر مراقب الدولة، في تقريره الصادر في حزيران 2025، أن هذا التأخير يشكّل فشلاً إدارياً وسياسياً، مشيراً إلى أن غياب سياسة موحّدة في تلك الفترة أدى إلى قرارات مجزّأة، وتضارب في الصلاحيات، وانعدام وضوح في المسؤوليات بين الوزارات المختلفة.

في هذا السياق، أُنشئت هيئة تنفيذ خاصة عُرفت لاحقاً باسم "رافعة للشمال"، وكان من المفترض أن تشكّل الذراع التنفيذية المركزية لتخطيط وتنفيذ برامج إعادة التأهيل. غير أن التقرير يوضح أن هذه الهيئة عانت منذ البداية من عدم استقرار تنظيمي واضح، تمثل في تغييرات متكررة في تبعيتها الإدارية، وتقليص صلاحياتها، وعدم ترسيخ مكانتها من خلال تشريع قانوني خاص، على عكس هيئات مشابهة أُقيمت في سياقات أزمات أخرى داخل الدولة. وقد أدى هذا الاضطراب إلى إضعاف قدرتها على التنسيق الفعلي بين الوزارات، وإلى تأخير ملموس في تحويل القرارات الحكومية إلى مشاريع ميدانية.

يقدّم مضمون القرار الحكومي رقم 1786 الصادر في أيار 2024 بوصفه الإطار الأشمل لإعادة التأهيل، إذ نصّ على إعداد برنامج متعدد السنوات لإعادة بناء الشمال، مع تخصيص ميزانية إجمالية قُدّرت بنحو 3.8 مليارات شيكل. وقُسّمت مجالات التدخل إلى عدة محاور شملت المجتمع والرفاه، الأمن والحماية، الاقتصاد والتشغيل، الزراعة والبيئة، إضافة إلى محور خاص بالمعلومات والبيانات. غير أن التقرير يشير إلى أن هذا القرار، رغم طموحه النظري، لم يُترجم إلى خطة تنفيذية متكاملة ضمن الجداول الزمنية المحددة، وأن العديد من المهام التي كان يُفترض إنجازها خلال أشهر بقيت معلّقة حتى نهاية العام 2024.

بدلاً من نشر خطة شاملة واحدة، اتجهت الحكومة خلال العام 2025 إلى اعتماد سلسلة من القرارات الجزئية، التي عالجت مجالات محددة مثل التعليم، والزراعة، والمياه، وتحفيز النشاط الاقتصادي في البلدات الملاصقة للحدود. ويرى التقرير أن هذه المقاربة التراكمية أدت عملياً إلى تفكيك الرؤية الشاملة، بحيث باتت إعادة التأهيل تُدار من خلال "رُقع" سياساتية منفصلة، بدل برنامج استراتيجي موحّد يحدّد أولويات واضحة ويربط بين الأبعاد السكانية والاقتصادية والبنيوية.

ربع سكان كريات شمونة ما زالوا خارج المدينة

يخصّص التقرير فصلاً تحليلياً موسّعاً لمدينة كريات شمونة، بوصفها المدينة المركزية في الجليل الشرقي، ومركز الخدمات والتشغيل الرئيس للمنطقة بأسرها. قبل الحرب، بلغ عدد سكان المدينة أكثر من 24 ألف نسمة، وشكّلت مؤسساتها التعليمية والاقتصادية ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة. إلا أن الحرب وما رافقها من إخلاء جماعي ألحقت بالمدينة ضرراً بالغاً، سواء على المستوى الديمغرافي أو الاقتصادي.

تشير المعطيات إلى أنه حتى أيلول 2025 عاد نحو 76% من سكان كريات شمونة إلى منازلهم، فيما كانت نسبة العودة في الجهاز التعليمي أعلى نسبياً، حيث عاد نحو 86% من الطلاب إلى مقاعد الدراسة. ورغم أن هذه النسب أفضل من تلك المسجّلة في القرى الحدودية الصغيرة، فإن التقرير يؤكد أن بقاء ما يقارب ربع السكان خارج المدينة يشكّل تحدياً خطيراً لاستدامة الخدمات، ولقدرة المدينة على استعادة دورها كمركز إقليمي فاعل.

اقتصادياً، يكشف التقرير عن صورة تعافٍ جزئي وغير مكتمل. فقد شهد عدد الأعمال التجارية النشطة في المدينة انخفاضاً حاداً خلال العام 2024، تلاه تحسّن نسبي في 2025، بدون العودة الكاملة إلى مستويات ما قبل الحرب. وتشير بيانات سلطة الضرائب إلى أن نحو 72% من النشاط التجاري عاد إلى العمل، لكن الضرر الأكبر طاول الأعمال الصغيرة والمتناهية الصغر، ولا سيما تلك المعفاة من ضريبة القيمة المضافة، والتي لا تعكسها البيانات الرسمية بصورة كافية.

على صعيد الميزانيات، يبيّن التقرير أنه حتى مطلع العام 2026 خُصّص لكريات شمونة نحو 572 مليون شيكل في إطار قرارات حكومية مختلفة، نُفّذ منها فعلياً حوالي 68%. ويلاحظ التقرير تفاوتاً واضحاً في نسب التنفيذ بين مجالات الدعم الاقتصادي المباشر، التي سُجّلت فيها نسب تنفيذ مرتفعة نسبياً، وبين مشاريع البنية التحتية والتطوير طويل الأمد، التي بقي تنفيذها محدوداً وبطيئاً.

جملة من التحديات البنيوية ما زالت تعيق إعادة تأهيل الشمال

يخلص التقرير في فصوله الختامية إلى تحديد جملة من التحديات البنيوية التي ما زالت تعيق إعادة تأهيل الشمال، أبرزها بطء اتخاذ القرار، وغياب التنسيق الفعلي بين الوزارات، وعدم استقرار الأطر التنفيذية، والفجوة المستمرة بين التخطيط المعلن والتنفيذ الفعلي. كما يشير إلى أن العديد من المبادرات المستقبلية المعلنة، مثل تعزيز النمو الديمغرافي، وجذب عائلات شابة، وإنشاء جامعة في كريات شمونة، ما زالت في إطار التصريحات السياسية أكثر مما هي في إطار الخطط التنفيذية المُلزمة.

في المحصلة، يرسم التقرير صورة مركّبة لإعادة تأهيل شمال البلاد بعد حرب 2023، صورة تتسم بتقدّم جزئي في إعادة السكان والنشاط الاقتصادي، يقابله إخفاق واضح في بلورة سياسة وطنية شاملة ومستقرة. ويؤكد أن الانتقال الحقيقي من إدارة أزمة إلى تنمية طويلة الأمد لا يزال مشروطاً بتوحيد الرؤية الحكومية، وتثبيت إطار تنفيذي قوي الصلاحيات، وربط الاحتياجات المحلية بالتخطيط المركزي على نحو منهجي ومستدام.

تعامل الحكومة الإسرائيلية مع أزمة شمال البلاد منذ تشرين الأول 2023 اتسم بتباين واضح بين سرعة الاستجابة الطارئة وبطء بلورة سياسة شاملة لإعادة التأهيل. فعلى الرغم من نجاح نسبي في إعادة غالبية السكان إلى بلداتهم، بقيت فجوات كبيرة في البلدات الأكثر تضرراً، واستمر وجود آلاف السكان بدون عودة دائمة حتى أواخر العام 2025.

كما يتبيّن أن القرارات الحكومية المتعلقة بإعادة التأهيل جاءت متأخرة ومجزّأة، وأن غياب إطار تنفيذي مستقر وقوي الصلاحيات أضعف القدرة على تحويل التخطيط إلى إنجازات ميدانية ملموسة، لا سيما في مجالات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية طويلة الأمد. وتكشف دراسة حالة كريات شمونة أن التعافي السكاني والاقتصادي ما زال جزئياً، وأن استمرار تراجع فئات من السكان والنشاطات التجارية يشكّل تهديداً لدور المدينة كمركز إقليمي.

في المحصلة، يخلص التقرير إلى أن إعادة تأهيل الشمال لم ترتقِ بعد إلى "مستوى برنامج وطني متكامل"، وأن نجاحها في المرحلة المقبلة مرهون بتوحيد الرؤية الحكومية، وتثبيت أطر تنفيذية واضحة، وربط الاحتياجات المحلية بسياسات تنموية متعددة السنوات، بما يضمن استقراراً سكانياً واقتصادياً مستداماً في المنطقة الحدودية الشمالية.

أخيراً: مطلع الشهر، اجتمعت الحكومة في كريات شمونة، المدينة التي لم تعد بعد إلى الحياة، لتعلن – وسط هتافات الغضب والخذلان من متظاهرين – عن "خطة فورية" بعد أكثر من عامين من الحرب والإهمال. الخطة، كعادتها، مليئة بالعناوين اللامعة. يبدو أنه لا جديد: وعود كثيرة، وتنفيذ مؤجل.

المصطلحات المستخدمة:

مراقب الدولة, المطلة

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات