المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 18
  • ياسر مناع

في الآونة الأخيرة برزت قضية تهريب السلع من إسرائيل إلى قطاع غزة كموضوع رئيس في وسائل الإعلام الإسرائيلية، بعد انتشار شبهات واتهامات تشير إلى تورّط عناصر أمنية ومدنية في هذه العمليات. وقد اكتسبت القضية زخماً إعلامياً واسعاً بعد ظهور اسم شقيق رئيس جهاز "الشاباك" ضمن التحقيقات، ما وجّه الأنظار بشكل متزايد نحو رئيس الجهاز نفسه دافيد زيني. وتكشف تقارير صحافية وتحقيقات أولية عن وجود معضلة في آليات الرقابة على الحدود والمعابر؛ الأمر الذي مكن من تهريب السجائر بالإضافة إلى سلع مرتفعة القيمة - مثل الهواتف الذكية المتطورة والمعدات الإلكترونية الباهظة - إلى داخل القطاع بالرغم من استمرار الحصار المفروض عليه من قبل إسرائيل.

تتناول هذه المساهمة تفاصيل قضية التهريب وما علاقة رئيس جهاز "الشاباك" الحالي في هذا السياق، وأثر القضية على موقعه الحساس، كما نستعرض معضلة الرقابة على المعابر بوصفها مشكلة أعادتها قضية التهريب إلى واجهة النقاش.

*****

تمحورت القضية حول تحقيق واسع في تهريب بضائع من داخل إسرائيل إلى قطاع غزة مقابل مبالغ مالية. تشمل الوقائع نقل سلع محظورة أو ذات استخدام مزدوج. يرى الجيش الإسرائيلي أن هذه الأفعال تحمل أبعاداً أمنية بسبب إمكانية استفادة حركة حماس منها اقتصادياً وعسكرياً، فيما يدور نقاش داخل المؤسسة الأمنية حول طبيعة توصيف هذه الأفعال ومستوى خطورتها القانونية، فيما يطالب بعض الضباط في الجيش بإدراج هذه الأفعال تحت بند الخيانة.

وقعت حوادث التهريب على امتداد مسار إدخال البضائع إلى قطاع غزة، خصوصاً عبر معبر كرم أبو سالم،  ومناطق الخط الأصفر والمنطقة العازلة. كذلك، تشير التحقيقات إلى تورّط 13 شخصاً من بينهم مدنيون إسرائيليون يعملون كمقاولين وسائقي شاحنات وعمال بنى تحتية إضافة إلى جنود في الخدمة النظامية والاحتياط، ومنهم ضابط وجندي من وحدة الاستطلاع البدوية. ومن أبرز المتورطين شقيق رئيس جهاز "الشاباك" دافيد زيني. وتُظهر الوقائع طابعاً شبكياً للتهريب مع مشاركة جهات متعددة استغلت الواقع الميداني القائم ما بعد الحرب لتحقيق مكاسب مالية.

في الواقع فإن عمليات التهريب لم تقتصر على حادثة واحدة؛ بل امتدت على مدار العام الأخير ومطلع العام الجاري 2026. ورد في التحقيقات أن إحدى عمليات التهريب تعود إلى أيار 2025، حين أقدم ضابط يشغل منصب قائد فصيل وجندي من وحدة الاستطلاع البدوية على تهريب شحنة سجائر إلى داخل قطاع غزة، شملت المهربات 4,496 علبة سجائر - وهو صنف محظور إدخاله إلى غزة منذ بداية حرب الإبادة -  وحصل المتورطان في مقابل هذه الشحنة على مبلغ نقدي قدره 269 ألف شيكل من تاجر فلسطيني داخل القطاع. إذ أن السجائر تُباع في غزة بأسعار تفوق قيمتها الأصلية بأضعاف، ما يجعلها من أكثر السلع ربحاً في سوق التهريب. 

إلى جانب هذه الحادثة، تشير المعلومات التي سمحت المحكمة الإسرائيلية بنشرها إلى أن عمليات التهريب تواصلت خلال الأشهر الأخيرة وكانت لبضائع مرتفعة القيمة، مثل هواتف خليوية متقدمة، حواسيب محمولة، بطاريات، ألواح شمسية، مواد بناء، مركبات، ودراجات نارية. وتشير التقديرات العسكرية إلى أن قيمة شاحنة بضائع تُقدر بنحو 100 ألف شيكل داخل إسرائيل قد تصل إلى نحو نصف مليون شيكل داخل غزة. 

 

مسارات عمليات تهريب البضائع 

تتم عمليات التهريب عبر منظومة متعددة المسارات، تستفيد من الواقع الميداني القائم بعد الحرب، وكثافة حركة الشاحنات والمركبات، وعوامل أخرى، وهي على النحو التالي:

أولاً: إن جزءًا مركزياً من التهريب عبر المعابر الرسمية، خصوصاً معبر كرم أبو سالم من خلال الشاحنات التي تدخل إلى القطاع. تشير المعطيات إلى أن عدد الشاحنات التي تدخل إلى غزة يمنع إجراء فحص إشعاعي وتفتيش دقيق لكل شاحنة. في هذا السياق، تُخفى بضائع مهرّبة داخل الشحنات أو تُدرج ضمن مواد مصنّفة كمساعدات أو مواد مدنية رغم كونها محظورة أو ذات استخدام مزدوج. 

ثانياً: مسار آخر يتمثل في المركبات المدنية الإسرائيلية التي تدخل إلى مناطق يسيطر عليها الجيش داخل القطاع مثل شاحنات مقاولين يعملون مع الجيش ومركبات عمال بنى تحتية وآليات تُستخدم لإقامة مواقع عسكرية أو لإدخال وإخراج المخلفات ونفايات. إذ أن هذه المركبات لا تخضع لرقابة حقيقية ويدخلون من دون تفتيش فعلي لما يحملونه أو لما تحتويه الشاحنة. في حالات متعددة، تدخل مركبات إلى غزة ولا تعود إلى إسرائيل ويُعثر لاحقاً على شاحنات أو حافلات تحمل لوحات إسرائيلية داخل القطاع من دون توثيق رسمي لدخولها.

ثالثاً: من خلال الجنود النظاميين والاحتياط عبر عمليات التهريب أثناء أداء مهامهم الميدانية. وفق أقوال ضباط في الجيش فإن أي جندي يستطيع إيقاف شاحنة وإجراء فحص شكلي وتحميل السائق بضائع أو وسائل مختلفة لتهريبها إلى مناطق في غزة. يحدث ذلك في ظل انشغال قادة الكتائب والألوية بالمهام القتالية وعدم قدرتهم على متابعة الرقابة اليومية على مئات المركبات والشاحنات في منطقة وُصفت بأنها منطقة سائبة ومفتوحة.

رابعاً: مسارات غير مباشرة، تشمل استغلال ثغرات في السياج الحدودي واستخدام طائرات مسيّرة من داخل إسرائيل ومن سيناء لتهريب بضائع ووسائل مختلفة – وفق صحيفة يديعوت أحرونوت- .

كيف كُشفت القضية؟

انكشفت قضية تهريب البضائع من إسرائيل إلى قطاع غزة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بعد رصد توفر سلع محظورة ومرتفعة القيمة داخل القطاع وعلى رأسها السجائر بكميات واسعة لا يمكن تفسير دخولها. اعتمد الكشف على معلومات ميدانية وشهادات جنود وضباط. هذا المسار من التحقيق أظهر أن التهريب لم يكن حادثة معزولة وإنما ظاهرة آخذة في الاتساع، وهو ما دفع قيادات في الجيش إلى التحذير من توسّعها في ظل غياب ردع حقيقي.

على مستوى الإجراءات، فتحت الشرطة والجيش تحقيقات رسمية، وقدّمت لائحة اتهام ضد ضابط وجندي بتهمة تهريب سجائر بقيمة ربع مليون شيكل، وفق بنود قانونية لا تُصنّف كجرائم أمنية خطيرة. لم تترافق هذه الخطوات مع تغيير جوهري في آليات التفتيش أو الرقابة على المعابر؛ بل اكتفت القيادة العسكرية بالدعوة إلى إنشاء آلية رقابة خاصة على حركة الشاحنات المتجهة إلى غزة – حتى اللحظة-.

سؤال المليون دولار

تنشغل المؤسسة الأمنية بلغز متصاعد يتعلق بمصدر الأموال التي تتيح شراء منتجات مرتفعة الثمن داخل غزة، رغم أن أسعارها أعلى بكثير من أسعارها في إسرائيل، وفي ظل واقع اقتصادي لا يمكن لغالبية سكان القطاع تحمّله. يطرح ضباط تساؤلات مباشرة حول هذا التناقض، من بينها كيفية دفع آلاف الدولارات في مقابل هواتف ذكية أو شراء مواد غذائية بأسعار مرتفعة بعد عامين من الحرب وفي ظروف يُفترض أن تكون القدرة الشرائية فيها محدودة للغاية.

ورغم عودة البنوك في القطاع إلى نشاط جزئي منذ بدء وقف إطلاق النار، تُنجَز معظم المعاملات بوسائل رقمية. تعتمد الأسواق على منظومة دفع محلية تُعرف باسم "جوال باي" وهي نظير محلي لتطبيق "بيت" الإسرائيلي، ما يزيد الغموض داخل المؤسسة الأمنية بشأن مسارات السيولة ومصادر التمويل الفعلية في القطاع.

معضلة المعابر: خلل الرقابة وفقدان السيطرة

ذكرت صحيفة هآرتس في 25 كانون الثاني 2026 أن الجيش الإسرائيلي يقرّ بوجود خلل عميق في منظومة الرقابة على المعابر، خاصة فيما يتصل بحركة مئات الشركات العاملة الإسرائيلية الذين يدخلون إلى قطاع غزة ويخرجون منه يومياً. ويفيد ضباط بأن إجراءات التفتيش تكاد تكون غائبة وأن الحراسة تُمارس في كثير من الحالات بشكل شكلي من دون فحص حقيقي لمحتويات الشاحنات أو لما يحمله الأفراد، ما أفرغ المعابر من وظيفتها الرقابية وحوّلها إلى نقاط عبور مفتوحة.

تتجلى هذه المعضلة بصورة أوضح في غياب التوثيق والتتبع إذ يرصد الجنود دخول شاحنات ومركبات تحمل لوحات ترخيص إسرائيلية إلى القطاع من دون تسجيل رسمي وفي بعض الحالات لا تعود هذه المركبات إلى إسرائيل.

 يقدّر الجيش أن المهرّبين يفضّلون ترك المركبات داخل غزة أو إحراقها لتفادي الانكشاف عند الخروج، مستفيدين من انعدام المتابعة بعد الدخول. ورغم نقل الجيش معلومات إلى الشرطة حول تورّط منظمات إجرامية إسرائيلية في التهريب تشكو قيادة الجنوب من ضعف إنفاذ القانون فيما يرى مسؤولون أمنيون أن هذا الجدل يخفي إخفاقات داخلية في أداء الجيش نفسه ويؤكدون أن فقدان السيطرة على المعابر يشكّل في جوهره مشكلة عسكرية قبل أي شيء آخر.

لحظة اختبار لرئيس "الشاباك"...

من العوامل التي منحت القضية اهتماماً واسعاً الاشتباه بتورّط شقيق رئيس "الشاباك" دافيد زيني في ملف التهريب. في المقابل، أكدت قرارات قضائية وتصريحات رسمية أن زيني نفسه لا يواجه أي شبهة بتورّط مباشر في تهريب البضائع إلى قطاع غزة، ولا يُعد مشتبهاً به في أي مسار جنائي أو أمني. مع ذلك، وُضع الجهاز الذي يترأسه أمام إشكالية مؤسسية بسبب الاشتباه بتورّط قريب عائلي له ما خلق حالة تضارب مصالح فرضت قيوداً على طريقة إدارة التحقيق.

وبسبب صلة القرابة، امتنعت دوائر "الشاباك" عن تولّي التحقيق مع المشتبه به، ونُقلت الصلاحية إلى الشرطة الإسرائيلية والوحدة المركزية في لواء الجنوب. رُوّج لهذا الإجراء باعتباره خطوة ضرورية للحفاظ على النزاهة، لكنه في المقابل أبعد جهازاً استخباراتياً مركزياً عن التحقيق في قضية وُصفت بأنها تمسّ أمن الدولة في زمن حرب. وترى مصادر قانونية وأمنية أن هذا الوضع، حتى من دون شبهة جنائية بحق زيني يترك أثراً مؤسسياً وسياسياً واضحاً.

وعبر منصة "إكس"، تساءل الصحافي أريئيل كهانا في تغريدة عن سبب ما وصفه بحالة الهستيريا التي يعيشها اليمين حيال شقيق رئيس "الشاباك" المشتبه به جنائياً. وأرجع كهانا ذلك إلى البند 14 من قرار لجنة فحص تعيين كبار المسؤولين المعروفة بلجنة غرونيس التي صادقت على تعيين رئيس "الشاباك".

وأشار كهانا إلى أن اللجنة نصّت - بصياغة وصفها بالمستفزّة - على أنه في حال ارتكب أحد أقارب رئيس "الشاباك" أفعالاً "متطرفة" يصبح من اللائق أن يستقيل من منصبه وإن لم يفعل تُنهى ولايته. واعتبر أن هذا النص يفتح الباب أمام تحميل المسؤولية على أساس القرابة وهو ما يدفع - برأيه -  إلى الاعتقاد بأن التركيز على الشقيق لا ينفصل عن محاولة استهداف رئيس "الشاباك" نفسه في سياق الصراع السياسي.

في الختام، ترى المؤسسة العسكرية أن جوهر خطورة قضية تهريب البضائع إلى قطاع غزة يكمن في المكاسب المباشرة التي تجنيها حماس من هذه الظاهرة. وفق تقديرات الجيش، يساهم التهريب في تعزيز القوة الاقتصادية للتنظيم، سواء عبر تحصيل ضرائب على السلع الداخلة أو عبر السيطرة على بضائع محظورة تُباع بأسعار مرتفعة داخل القطاع. وتشير ذات التقديرات إلى أن استمرار تدفّق البضائع خصوصاً في ظل الاستعداد لمرحلة إعادة الإعمار قد يوفّر لحماس مصادر تمويل كبيرة تمكّنها برأيها من إعادة بناء بنيتها التنظيمية والعسكرية.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات