المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • برهوم جرايسي

ليس استمرار ارتفاع قيمة الشيكل أمام الدولار بشكل خاص، لكن أيضا أمام سائر العملات العالمية، وخاصة المركزية منها، بالضرورة دلالة على انتعاش الاقتصاد الإسرائيلي، وإنما يتأثر من حركة اقتصاد مرحلية، تتعلق بشأن حجم الصادرات، وفي الأساس عسكرية، وتدفق الاستثمارات، وسط توقعات لزيادة الإنتاجية والاستهلاك بعد ما يتم وصفه إسرائيليا وعالميا بـ "انتهاء الحرب"، إلا أنه بحسب التقارير الاقتصادية فإن الجمهور لن يستفيد كليا من انخفاض قيمة الدولار واليورو، بقدر كبير، وقد بدأت تظهر على السطح "صيحات" المصدّرين، الذين سيتضررون كليا من ارتفاع قيمة الشيكل، لأن المردود بالعملة الإسرائيلية سيقل، بينما كلفة الإنتاجية، محليا، ستواصل الارتفاع. وفي ظل هذا كله برز في الأيام الماضية تراشق بشأن تحمّل المسؤولية، بين وزارة المالية من جهة، وبنك إسرائيل المركزي، من جهة أخرى.

فقد سجّل سعر صرف الدولار، مع انتهاء المداولات الرسمية بسوق العملات، في نهاية الأسبوع الماضي، 30 كانون الثاني المنصرم، تأرجحا حول سعر 3.1 شيكل للدولار، وهو الأقل منذ العام 2021، لكن الظروف والمسببات الاقتصادية مختلفة بين الفترتين، كما أن أسعار كل العملات العالمية، وخاصة بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، اليورو، والجنيه الإسترليني، والين الياباني، استمرت في التراجع أمام الشيكل.

قلق المصدّرين واتحاد الصناعيين

قالت عدة تقارير في الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية، إن القلق يسود أوساط المصدّرين، في ضوء استمرار ارتفاع قيمة الشيكل، وحذّر اتحاد الصناعيين الإسرائيلي من أن استمرار هذا التوجّه في قيمة الشيكل، يُشكّل تهديدا حقيقيا للصادرات وآفاق النمو الاقتصادي. ويشير خبراء الاقتصاد في اتحاد الصناعيين إلى انخفاض قيمة الدولار بالتزامن مع الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج بالشيكل، كالأجور والكهرباء والماء وضرائب العقارات والإيجارات، باعتباره وضعا يُسبّب "مأزقا اقتصاديا يُعيق ربحية المصانع".

يُضاف إلى ذلك فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على المنتجات الإسرائيلية، المُصدّرة إلى الولايات المتحدة، نتيجة لقرارات الرسوم الجمركية الجديدة، التي أقرّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ تُشكّل هذه الرسوم عوائق أمام دخول أحد أهم الأسواق المستهدفة للاقتصاد الإسرائيلي.

وفقا لحسابات اتحاد الصناعيين، فإن ارتفاع قيمة الشيكل يُؤدّي إلى تآكل أرباح المُصدّرين، ويُعرّضهم لخطر خسارة إيرادات تُقدّر بنحو 30 مليار شيكل سنويا. إضافة إلى ذلك، قد تصل خسارة الخزينة العامة من إيرادات ضرائب الشركات إلى 2.4 مليار شيكل سنويا، بحسب التقديرات ذاتها.

وبحسب بيانات اتحاد الصناعيين، يتم توجيه 43% من انتاج الصناعة الإسرائيلية إلى التصدير، لذا فإن استمرار تراجع أرباح الشركات المُوجّهة للتصدير حصرا، قد يُؤدي إلى موجات تسريح عشرات الآلاف من العمال في قطاعي الصناعة والخدمات.

وعرض رئيس اتحاد الصناعيين المنتهية ولايته، رون تومر، ورئيس رابطة صناعات التقنية العالية (الهايتك)، ألون بن تسور، في الأيام الأخيرة، حساباتهما على وزير الاقتصاد، نير بركات، ودعياه إلى اتخاذ إجراءات لتعزيز التدابير المالية التي من شأنها دعم الصادرات الصناعية؛ وتشمل هذه التدابير تقديم منح لتبسيط وتحديث خطوط الإنتاج في مصانع الشركات التي تُصدّر ما لا يقل عن 20% من مبيعاتها، وفتح قنوات دعم حكومية مضمونة للمُصدّرين استجابة لأزمة السيولة الناجمة عن تراجع الربحية.

بين وزارة المالية والبنك المركزي

ترى وزارة المالية الإسرائيلية، من ناحيتها، أن الارتفاع الحاد في قيمة الشيكل حاليا يُعد "حدثا إيجابيا للمواطن الإسرائيلي"، وسيُخفف من أعباء المعيشة، ولا يوجد مبرر في هذه المرحلة لتدخل الحكومة. مع ذلك، تُقرّ الوزارة بوجود حدود قد تُجبرها على التدخل، لكنها لا تُفصح عن ماهية هذه الحدود من وجهة نظرها، بحسب ما ورد في التقارير الصحافية الإسرائيلية.

ففي السنوات السابقة، مثل العام 2021، اشترى بنك إسرائيل المركزي عشرات مليارات الدولارات، حينما كان سعر صرف الدولار متأرجحا، بالمستوى القائم في هذه الأيام، وذلك لدعم المصدّرين الإسرائيليين، الذين قد يتضررون من ارتفاع قيمة الشيكل مقابل الدولار، نظرا لأن دخلهم مُقوّم بالدولار في الغالب، بينما تُقوّم نفقاتهم المحلية، كالأجور، بالشيكل، كما ذكر هنا.

وقالت صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية إن وزارة المالية تسعى حاليا إلى رفض الضغوط، لا سيما من الصناعيين والمصدّرين، للتدخل لمساعدتهم على مواجهة التقلبات الحادة في أسعار الصرف، وأوضحت الوزارة أن الصناعة المحلية والمصدّرين يتمتعون بهوامش ربح عالية تمكنهم من مواجهة التقلبات الحادة في أسعار الصرف، بما في ذلك من خلال عمليات التحوّط التي يقومون بها لمواجهة هذه التقلبات.

وتعتقد الوزارة أن تعزيز قيمة الشيكل سيساهم في خفض كلفة المعيشة، وذلك من خلال خفض التكلفة المباشرة للمنتجات والخدمات التي يشتريها المواطنون من الخارج، فضلا عن خفض تكاليف استيراد المواد الخام والمنتجات النهائية.

مع ذلك، تُقرّ الوزارة بأن تأثير تعزيز قيمة الشيكل على الأسعار ليس فوريا، وقد يظهر أثره على المدى البعيد فقط، وفي حال وجود منافسة قوية. بعبارة أخرى، حسب الصحيفة، قد يؤثر ارتفاع قيمة الشيكل على فئات المنتجات فقط عندما تكون المنافسة فيها شديدة، ويتحقق توازن بين العرض والطلب يسمح بانخفاض الأسعار.

في المقابل، أوضح محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور أمير يارون، لدى مشاركته في جلسة للجنة المالية في الكنيست، أن الحكومة هي المسؤولة عن معالجة تداعيات ارتفاع قيمة الشيكل على المصدرين.

وقال إن بنك إسرائيل ينظر إلى سعر الصرف من منظور استقرار الأسعار فقط، وأن مسؤولية معالجة الإنتاجية أو تقديم دعم محدد للمصدرين المتضررين من قوة العملة تقع على عاتق القطاع المالي. وقال يارون: "إذا كانت هناك مشكلة محددة تواجه بعض المصدرين جراء ارتفاع قيمة الشيكل، فعلى الحكومة أن تتدخل إما بدعمهم أو بزيادة إنتاجيتهم".

جاء هذا إلى جانب توجيه يارون انتقادات مباشرة للحكومة، بشأن مشروع ميزانية العام الجاري 2026، التي أقرتها الهيئة العامة للكنيست، بالقراءة الأولى، في الأسبوع الماضي، إذ قال إن سقف العجز المالي المحدد بنسبة 3.9% من حجم الناتج العام، ليس صحيا للاستقرار الاقتصادي، كما انتقد موقف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الداعم لموقف الجيش، بتخصيص ميزانية 300 مليار شيكل، أقل بقليل من 100 مليار دولار، تصرف في السنوات العشر المقبلة، كميزانية إضافية، لشراء وتحديث الاسلحة والعتاد.

"لا مسؤولية واضحة تجاه قيمة الشيكل"

يرى المحلل الاقتصادي أدريان بايلوت، في مقال في صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية، أن مسألة قيمة الشيكل "باتت من دون أب أو أم"، في موقف انتقادي لتراشق تحمّل المسؤولية بين وزارة المالية والبنك المركزي، وقال إن كليهما يتهربان من المسؤولية.

يقول بايلوت: لم يفقد بنك إسرائيل السيطرة أو "يغفل"، فهو ببساطة بات دوره شبه معدوم في مسألة سعر الصرف، في واقع جديد لم تعد فيه الأدوات النقدية التقليدية (مستوى الفائدة والتدخل المباشر في سوق صرف العملات) مناسبة للتعامل مع سعر الصرف؛ ففي عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية، والحروب التجارية، والأسواق العالمية المفتوحة والمتوترة، لا تتحرك رؤوس الأموال الكبيرة بسبب ربع بالمئة من نسبة الفائدة، هنا أو هناك، بل تلعب المتغيرات الهيكلية وبعيدة المدى، دورا حاسما: التغيرات في علاوة المخاطرة، والفجوات في أداء سوق الأسهم، وهيكل الاقتصاد (محركات النمو)، وتدفقات رأس المال المستمرة.

كما أن التدخل المباشر في سوق العملات ليس حلا، بحسب بايلوت، فالتدخل الاستباقي في سوق عميقة وفعّالة ليس غير فعّال فحسب، بل خطير أيضا، ولا يُمكن أن يُنتج، في أحسن الأحوال، سوى تصحيح فني قصير الأجل بتكلفة باهظة. لهذا السبب أحال محافظ بنك إسرائيل الأمر إلى الحكومة.

يتابع الكاتب: لقد سعت الوزارة إلى توضيح أنها لا تنوي اتخاذ أي إجراء، وترى وزارة المالية أن أي تدخل في سعر الصرف أو سوق الصرف الأجنبي يقع ضمن مسؤولية بنك إسرائيل المركزي وحده، وهذا صحيح من الناحية الرسمية، مع ذلك، يجدر التذكير بأن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قد صرّح مرارا وتكرارا بأن الفائدة البنكية مرتفعة، وأن على المحافظ خفضها.

ويقول بايلوت: "أما الحجة الثانية لوزارة المالية فهي أعمق: ففي رأيها، لا يوجد ’حدث اقتصادي كلي كبير’ هنا، وليس بالضرورة حدثا ’سلبيا’. فارتفاع قيمة الشيكل يقلل الواردات، مما يؤدي بدوره إلى خفض الأسعار، وتخفيف أعباء المعيشة، وتحسين هوامش ربح المستوردين (مما يسمح لهم بتمرير جزء من الربح إلى المستهلك)، بل ويفتح نافذة فرص للاستثمار في المعدات ورأس المال المستورد. هناك منطقٌ في هذا الأمر أيضا، لكن مع ملاحظةٍ مهمة: فقد دُحضت مرارا وتكرارا فكرة أن خصومات الاستيراد ستُمرر تلقائيا إلى المستهلكين. فبدون منافسة، وبدون تنظيمٍ فعّال، وبدون سياساتٍ داعمة، فإنّ ’الفوائد’ التي يُحققها ارتفاع قيمة الشيكل تقتصر ببساطة على المستوردين، ولا تصل هذه الفوائد إلى عامة الناس".

ورأى بايلوت أن "السؤال الأهم هو: ماذا سيحدث للمُصدّرين الصغار الذين يعتمدون على العمالة الكثيفة وعلى هوامش الربح المنخفضة؟ فهم جزءٌ لا يتجزأ من القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، ولا يقلّون أهمية عن ذلك، فهم مُشغّلون رئيسون. وتُدرك وزارة المالية هذه الحقائق، وتأخذ في الحسبان أن هناك مُصدّرين ’على حافة الهاوية’ لن يتمكنوا من البقاء".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات