المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
صورة أرشيفية لتدريب في هرتسيليا.  (عن: واي نت)
صورة أرشيفية لتدريب في هرتسيليا. (عن: واي نت)

تدأب وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلية في الفترة الأخيرة على إصدار بيانات تُفاخر فيها بأن انخفاضاً بنسبة 20 بالمئة قد سُجّل خلال العقد الأخير في عدد أصحاب تراخيص حيازة السلاح (القانوني) في إسرائيل. إلا أن التحقيق الذي أجراه مركز "شومريم" (الحُرّاس) ونشره مؤخراً يؤكد أن وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلي لا تعرض، في بياناتها تلك، "سوى فئة واحد فقط من بين اثنتين" ويتهمها، بصورة واضحة وصريحة، بـ "إخفاء المعطيات الكاملة عن اللجنة البرلمانية لشؤون الأمن الداخلي وعن مركز الأبحاث التابع للكنيست"، ثم يشير إلى أن "جهات مختلفة ترى أن ما يقف وراء سياسة وزارة الأمن الداخلي هذه ويحركها هو الرغبة في إخفاء الزيادة الكبيرة في عدد تراخيص حيازة السلاح في إسرائيل وإسقاطات ذلك على حوادث الانتحار والعنف داخل العائلة".

في البداية، ينوه تحقيق مركز "شومريم"، الذي يعرّف نفسه بأنه "مركز للإعلام والديمقراطية" وبأنه "جسم إعلامي غير سياسي غايته تعزيز أسس الديمقراطية في إسرائيل من خلال المشاريع الإعلامية والتعاون مع وسائل الإعلام الإسرائيلية الأخرى"، بأنه على خلفية العمليات الفدائية التي شهدتها بعض المدن الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، نشر عضو الكنيست نير بَرْكات (الليكود) شريطاً مصوراً يظهر فيه وهو يطلق النار من مسدسه الشخصي في ميدان للرماية ويدعو إلى منح ترخيص لحيازة السلاح لكل شخص أدى الخدمة العسكرية في أي من الوحدات القتالية. ثم قدّم بركات، بعد ذلك مباشرة، مشروع قانون خاص في هذا الشأن وأوضح، في مقابلة مع إحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية، أنه يريد أن يرى "المليون مقاتل السابقين يحصلون على تراخيص لحمل السلاح. فمثلما أن هنالك سائقاً مناوباً حين يخرج الشبان للسمر (السائق المناوب هو الذي يمتنع، في سهرة الأصدقاء، عن تناول المشروبات الروحية، كي يكون قادراً على السياقة وهو في كامل وعيه)، كذلك هنالك حاجة إلى مقاتل مناوب".

تعزيز للأمن والشعور بالأمان أم نشرٌ للمرض؟

يتساءل تحقيق "شومريم": "هل المليون مواطن الذين سيتجولون مسلّحين في المراكز التجارية ومراكز الترفيه، في النوادي والملاهي وفي الشوارع، هم الذين سيرفعون من درجة الأمن والأمان بين المواطنين الإسرائيليين وسيعززون شعورهم بالأمن حقاً، أم هم الذين سينشرون المرض الوخيم الذي يصارعه المجتمع الأميركي في هذه الفترة؟".

لكن بركات لم يكن السياسي الوحيد الذي دعا، خلال السنوات الأخيرة، إلى توسيع دائرة حاملي السلاح المرخص بصورة قانونية في إسرائيل؛ وهو ما يزيد من حجم المفاجأة إزاء حقيقة أن الجمهور الإسرائيلي بشكل عام لا يمتلك اليوم جواباً واضحاً وصحيحاً على السؤال الأساسي والبسيط التالي: كم هو العدد الحقيقي لأصحاب تراخيص حيازة السلاح في إسرائيل اليوم؟ صحيح أنه بإمكان وزارة الأمن الداخلي توفير هذا الرقم بمنتهى السهولة ونشره على الملأ، غير أنها تُحجم عن فعل ذلك. وكذلك رداً على طلب مركز "شومريم"، رفضت هذه الوزارة نشر المعطيات الحقيقية الصحيحة متذرّعةً بأن الأمر "منوط بعمل معقد ويتطلب وقتاً طويلاً"!

لا يتوقف استهتار الوزارة عند وسائل الإعلام والمعاهد البحثية ولا يقتصر عليها، بل يتعداها ليطال مؤسسات رسمية، وخصوصاً من تلك التي هي جزء من السلطة التشريعية (الكنيست). ففي النقاش الذي أجرته حول الموضوع مؤخراً لجنة الأمن الداخلي التابعة للكنيست، وهي الهيئة التي تمارس الرقابة البرلمانية (أو يفترض أنها تمارسها) على السلطة التنفيذية (الحكومة) وأذرعها المختلفة، عرض ممثلو وزارة الأمن الداخلي أمام أعضاء اللجنة البرلمانية شرائح تبين عدد تراخيص حيازة السلاح التي أصدرتها الوزارة خلال العام الماضي مقارنة بعدد الطلبات التي قُدمت إليها للحصول على هذه التراخيص. إلا أن ممثلي الوزارة لم يقدموا أي معطيات حول العدد الإجمالي للتراخيص التي أصدرتها خلال تلك السنوات ذاتها. كذلك تعمدت الوزارة إخفاء المعطيات عن "مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست". ففي تقرير له أصدره في آب الماضي، أعلن هذا المركز بصورة جازمة أن المعطيات التي زودته بها الوزارة هي "معطيات جزئية" وأن "الوزارة رفضت الإجابة على بعض الأسئلة، منها ـ على سبيل المثال ـ عدد الذين يحملون السلاح في إسرائيل بالرغم من انتهاء مدة سريان التراخيص التي مُنحت لهم".

انخفاض حسب زعم الوزارة وارتفاع تؤكده المعطيات

في أعقاب ازدياد العمليات الفدائية التي نفذها فلسطينيون في داخل بعض المدن والبلدات الإسرائيلية خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، طرأ ارتفاع حاد في عدد طلبات الإسرائيليين للحصول على تراخيص حيازة السلاح بصورة قانونية، وهو ما عبرت عنه ممثلة وزارة الأمن الداخلي خلال النقاش الذي أجرته لجنة الأمن الداخلي البرلمانية في شهر أيار الأخير حين قالت: "لقد انتقلنا من 600 طلب في الشهر إلى 600 طلب في اليوم"، ما يعني أن الوزارة لا تستجيب لجميع الطلبات وإنما هي تصادق ـ كما تشير المعطيات ـ على نحو 65 بالمئة منها فقط. فكيف وأين إذن حصل "الانخفاض بنسبة 20 بالمئة" الذي تتحدث عنه الوزارة وتفاخر به في عدد حاملي تراخيص حمل السلاح بشكل قانوني في إسرائيل؟

للإجابة على هذا السؤال، ينبغي عرض خلفية هذه الأرقام والطريقة التي يجري بموجبها إعداد ومعالجة المعطيات في هذا الشأن. ففي إسرائيل، يجري تقسيم حاملي تراخيص حيازة السلاح إلى فئتين اثنتين مركزيتين ـ فئة الأفراد (الأشخاص الأفراد الذين يحملون رخصة حيازة السلاح) وفئة الأشخاص الذين يحلون رخصة حيازة السلاح من خلال تنظيم ما وبسبب عضويتهم/ عملهم فيه. خلال العقد ونصف العقد الأخيرين، وعلى خلفية ضغوطات مارسها ائتلاف التنظيمات والحركات النسائية في البلاد (حيال ازدياد جرائم قتل النساء)، تباهت وزارة الأمن الداخلي بأنّ هنالك "انخفاضاً متواصلاً في عدد تراخيص حيازة السلاح في إسرائيل". وبطبيعة الحال، عزت الوزارة هذا "الإنجاز" إلى "الدرجة العالية من إجراءات التدقيق والتشديد التي يعتمدها موظفو القسم (قسم ترخيص الأسلحة) بهدف تحديد الأشخاص الذين قد يشكلون خطراً على خلفية نفسية أو جنائية، أو الذين لا يستوفون الشروط والمعايير المطلوبة للحصول على تراخيص حيازة السلاح". فعلى سبيل المثال، في بيان إلى الصحافة أصدرته في كانون الثاني الأخير، تباهت الوزارة بعنوان كبير يقول: "عدد تراخيص السلاح الخاص انخفض بنسبة 20 بالمئة في العقد الأخير".

إلا أن الفحص الذي أجراه مركز "شومريم" يبين بصورة واضحة أن الوزارة "تشوه المعطيات وتتطرق إلى أصحاب تراخيص حيازة السلاح الخاص فقط، بينما تخفي المعطيات حول عدد حملة السلاح "المنظماتي" (أي، بسبب الانتماء إلى منظمة معينة أو بسبب العمل فيها) عن الكنيست، الأمر الذي يحول دون معرفة العدد الحقيقي لمجمل حاملي السلاح المرخص في إسرائيل". ويؤكد تحقيق "شومريم" هنا: "تقول تقديرات الجهات المختلفة التي شاركت في تحقيق شومريم إن جمع المعطيات في كلتا الفئتين المركزيتين المذكورتين يُظهر أنه لم يطرأ أي انخفاض في عدد حاملي تراخيص حيازة السلاح، بل العكس تماماً هو الصحيح: أن ازدياداً واضحاً قد سُجِّل".

مع ذلك، وإزاء حقيقة كون وزارة الأمن الداخلي هي المصدر الوحيد والعنوان الأول والأخير لمعرفة المعطيات الحقيقية في شأن تراخيص حيازة السلاح القانوني في إسرائيل وإزاء حقيقة أنها تخفي هذه المعطيات (الرسمية) عن الجمهور الواسع وممثليه المنتخَبين في السلطة التشريعية (الكنيست)، يبقى العدد الكلي الحقيقي لأصحاب هذه التراخيص في حكم المجهول ومن غير الممكن معرفته بصورة مؤكدة، أو حتى تقديره بصورة موثوقة. لكن في أعقاب توجه رئيسة لجنة الأمن الداخلي البرلمانية، عضو الكنيست ميراف بن آري ("يوجد مستقبل") إلى الوزارة بهذا الشأن، "تكرمت" هذه الأخيرة وقدمت معطيات حول عدد حاملي تراخيص السلاح الشخصي فقط ما بين السنوات 2018 و2021. ويتضح من هذه المعطيات أنه على مدى الفترة المذكورة، لم يحصل أي تغيير في عدد أصحاب تراخيص حيازة السلاح في إسرائيل، وهو العدد الذي يدور حول الـ 150 ألف ترخيص. أما في العام التالي، أي العام الجاري 2022، فقد لوحظ منحى عام قوامه ازدياد هذا العدد بنحو 15 ألف ترخيص جديد (خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري فقط)، وفق ما تشير إليه التقديرات المختلفة، ليبلغ إجمالي عدد حاملي تراخيص حيازة السلاح في إسرائيل، حتى قبل شهر ونصف الشهر تقريباً، نحو 165 صاحب ترخيص لحيازة أسلحة خاصة. وهذا بالإضافة، بالطبع، إلى عدد غير معروف (لا بد أنه أكبر من المذكور بكثير) لأصحاب تراخيص حيازة السلاح "المنظماتي".

حيال هذا الواقع، كما يعرضه تحقيق "شومريم"، يُطرح السؤال المركزي التالي: من هو الذي يتلاعب المعطيات، يخفيها فيشوهها؟ ولماذا؟ على هذا السؤال، يجيب معدو التحقيق بالقول إنه في إسرائيل، كما في غالبية الدول الأوروبية، ليس هنالك حق ملكية على قطع السلاح وإن حيازة السلاح تُعتبر بمثابة "امتياز" تمنحه الدولة للمواطن الفرد "لسبب وجيه ومُبرَّر". في المقابل، في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يتيح التعديل الثاني الذي أدخل على الدستور الأميركي لأي مواطن أميركي بحيازة السلاح؛ وهو ما انعكس وينعكس باستمرار في النتائج الوخيمة الناجمة عن هذا الانتشار الواسع جداً للأسلحة بين أيدي المواطنين عموماً، متمثلة في جرائم القتل الجماعي التي تتكرر هناك من حين إلى آخر وكان آخرها ما حصل في شهر أيار الأخير حين قُتل 19 طالباً ومعلمتان في مدرسة في ولاية تكساس.

ويعيد تحقيق "شومريم" التذكير بأنه في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في مطلع سنوات الألفين، حصلت زيادة كبيرة في عدد تراخيص حيازة السلاح التي أصدرتها الدولة لمواطنين مختلفين في إسرائيل بشكل عام، وللعاملين في مجال الحراسة بشكل خاص والذين يشكلون نسبة كبيرة من بين أصحاب تراخيص حيازة السلاح "المنظماتي" إلى جانب المصانع وأماكن العمل الأخرى الواقعة في مناطق تُعتبر "أمنية" أو في بلدات ما يسمى "خط المواجهة" وغيرها. ويختتم تحقيق "شومريم" باقتباس مما تقوله المحامية ميساء ارشيد، المركزة القانونية في تحالف المنظمات الاجتماعية الذي يحمل اسم "المسدس على طاولة المطبخ" ويطالب بتشديد الرقابة على قطع السلاح المنتشرة في الحيز العام. تقول ارشيد: "شركات الحراسة شهدت فترة من الازدهار في تلك السنوات (التي أعقبت الانتفاضة الفلسطينية الثانية)، إذ بدأت بوضع حراس في جميع المصالح التجارية، بما في ذلك المقاهي والمطاعم وغيرها، إضافة إلى المؤسسات التعليمية كلها، وهو ما نعتبره نحن نقطة التحول في كل ما يتعلق بخصخصة الأمن في إسرائيل"!

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات