أدى اندلاع الموجة الثانية من انتشار فيروس الكورونا في إسرائيل، في وقت مبكر، خلافا للتوقعات بأن تكون في شهر أيلول المقبل، والإحصائيات الظاهرة، وهي ضعفا الموجة الأولى على الأقل، إلى حالة إرباك شديد لدى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يواجه طلبات متناقضة، بين الدفع نحو إغلاق شامل، أو جزئي، أو ترك السوق مفتوحة، والتعايش مع الكورونا. ولكن هذه الحالة أدت إلى حالة إرباك أشد في الشارع، انعكست بمظاهرات صدامية حادة كما شهدنا هذا في تل أبيب والقدس الغربية.

فالاقتصاد الإسرائيلي بعد فتحه تدريجيا منذ منتصف أيار الماضي، ما زال يغوص في أزمة واضحة جدا، عنوانها الأبرز الفوضى في البطالة، إذ أن مئات آلاف العاملين لم يعودوا إلى عملهم، ولا توجد أي إحصائية دقيقة في هذا المجال، في حين أن مخصصات دعم العاطلين عن العمل، أو الغالبية منهم الذين تم إخراجهم لإجازات ليست مدفوعة الأجر، هي أيضا تغوص في فوضى عارمة. وبين هذا وذاك، فإن مئات آلاف المستقلين، أي المهنيين والحرفيين، أصحاب المصالح الصغيرة المتضررة، ومنها ما هو متوقف كليا عن العمل، لم يتلقوا المساعدات الضرورية لهم، وكل الوعود بتحويل مخصصات هزيلة لهم لم تنفذ بالكامل.

وعلى خلفية كل هذا، بدأت حالة غليان متشعبة في الشارع الإسرائيلي، مظاهرات لمجموعات عاملين، مثل الفنانين والعاملين في مجال الثقافة والمسرح وغيره، الذين وجدوا أنفسهم من دون أي مداخيل، وهؤلاء بغالبيتهم الساحقة يعملون كمستقلين. وأيضا هناك قطاعات عاملين باتت تغرق تحت ضغط العمل بشروط سيئة، مثل جمهور العاملات والعاملين الاجتماعيين، الذين يخوضون إضرابا مطالبين بزيادة القوى العاملة، لمواجهة الآثار الاجتماعية لدى الجمهور، على خلفية تفشي الكورونا. وكذا بالنسبة للممرضات والممرضين، الذين يطالبون بزيادة الملاكات، ومن المفترض أن يبدأوا إضرابا هذا الأسبوع.

توزيع أموال على الجمهور

وكما ذكر، شهدت مدينتا تل أبيب والقدس الغربية مظاهرات غاضبة صدامية، منها ما كان قبالة المقر الرسمي لرئيس الحكومة في القدس الغربية. وهذا كما يبدو زاد من حالة الإرباك لدى نتنياهو، الذي خلافا لموقف المستوى المهني في وزارة المالية، قرر سوية مع وزير المالية يسرائيل كاتس، توزيع 6 مليارات شيكل (1,74 مليار دولار)، على الجمهور دون تمييز بين شرائح فقيرة غارقة في فقر مدقع، وبين ميسورين وأغنياء. فقد قرر منح كل مواطن 750 شيكلا (217 دولارا)، وكل عائلة مع ولد واحد دون سن 18 عاما ألفي شيكل (580 دولارا)، وكل عائلة مع ولدين 2500 شيكل (696 دولارا)، وكل عائلة مع ثلاثة أولاد 3 آلاف شيكل (970 دولارا).

وواجه هذا القرار انتقادات واسعة، لأنه لا يميز بين المحتاجين وغير المحتاجين، خاصة وأن تقارير عديدة تتحدث عن استفحال ظاهرة الجوع، وهذا يتبين من تزايد الطلب على الوجبات الساخنة التي تقدمها جمعيات مختصة، بغالبيتها ممولة من الحكومة، إذ قال تقرير لاتحاد هذه الجمعيات إنها شهدت في الآونة الأخيرة ارتفاعا بنسبة 50% في عدد المتوجهين لها يوميا. وحسب ما ورد، فإن بعض الجمعيات شهدت مضاعفة بأربع وخمس مرات في عدد المتوجهين لها، وهذا ما زاد العبء على تلك الجمعيات التي تطالب بزيادة ميزانيات الدعم الحكومية لها.

وكان مجلس الأمن الغذائي القومي الإسرائيلي قد أوصى، في الأسبوعين الأخيرين، بمضاعفة حجم المساعدات الغذائية التي تقدمها الحكومة، بحيث تعطى لنحو 25 ألف عائلة. والآن يساعد "المشروع القومي للأمن الغذائي" حوالي 11 ألف عائلة. ووفقاً للمجلس فإن عدد العائلات التي تعتبر عائلات محتاجة يتراوح بين 140 إلى 150 ألف عائلة، معظمها لديها أولاد. وحسب تقارير متطابقة، فإن الحكومة تساعد إضافة إلى ذلك حوالي 100 ألف عائلة من خلال جمعيات مختلفة تقوم بتوزيع سلال غذاء شهرية بمبلغ أقل، وبواسطة "عمليات توزيع" مركزة مرتين في السنة، في الأعياد العبرية.

وكانت موجة الانتقادات الواسعة في الصحافة، والصحافة الاقتصادية بشكل خاص، التي هي أصلا تدعم بشكل عام السياسة الاقتصادية الصقرية. ولذا فإن كل قرار تتخذه الحكومة بشأن زيادة المخصصات الاجتماعية، أو المنح المالية، كما رأينا هذا في شهر نيسان الماضي، من الصعب أن تجد محللا واحدا يدافع عنه، وفي المقابل فإنهم يطالبون بدفق الأموال على المصالح التجارية والشركات، بزعم أن هذا يشجع على استيعاب العاملين، ومن هناك تدور عجلة النمو الاقتصادي.

ولكن القرار الذي اتخذه نتنياهو، بتوزيع المنح المالية على جميع المواطنين، دون تمييز بين الشرائح المحتاجة وتلك الميسورة والغنية، وحدّ الجميع تقريبا ضده، لأنه كان من الواضح أن القرار اتخذ تحت ضغط بدء الحراك الشعبي، الذي تحول في العديد من الأحيان، كما كان في تل أبيب والقدس الغربية، إلى صدام مباشر بين المتظاهرين وعناصر الأمن الإسرائيلي.

ويقول المحلل الاقتصادي البارز في صحيفة "يديعوت أحرونوت" سيفر بلوتسكر، إن "خطة توزيع المال على عموم مواطني إسرائيل، التي عرضها رئيس الحكومة ووزير المالية، توزع المال بلا تمييز من حيث مدى الحاجة أو مراعاة الوضع الاقتصادي لمتلقي الشيكات، وهي استمرار لسلسلة القرارات الهاذية التي تتخذها حكومة في فترة أزمة الكورونا والأزمة الاقتصادية. وهذه خطة ليست عادلة ولا مبررة". ويضيف "لا مانع، بالعكس ثمة حاجة عاجلة، من الزيادة الكبيرة والإضافة في المساعدة الحكومية للجمهور؛ فوفقا للمقارنات التي أجراها اقتصاديون من معهد أهرون للسياسة الاقتصادية في المركز متعدد المجالات، فإن حكومة اسرائيل لا تزال بخيلة جدا في حجم المساعدة، ولا سيما في مساعدة المستقلين، الأعمال التجارية الصغيرة ومعوزي العمل".

وبرأي بلوتسكر، فإن المساعدة الواسعة مطلوبة وفورا، ولكن نثر 6 مليارات شيكل دون أي معيار اجتماعي- اقتصادي موجّه بالتأكيد غير لازم. وهذه خطوة مغلوطة قبل كل شيء ولن تحقق الهدف الذي أعلنه رئيس الحكومة ووزير المالية، وهو تشجيع الاستهلاك الخاص، وتحفيز نفقات العائلات، وتحريك دواليب الاقتصاد، لأن العائلات في ضائقة تحتاج لمشتريات فورية بكل شيكل إضافي يقع في جيبها كمنحة من الحكومة، وفي المقابل فإن العائلات التي ليست في ضائقة ستوفر كل الهدية الحكومية هذه، ولن تزيد الاستهلاك في شيء. وبالتالي، حسب بلوتسكر، فإن ثلثي المبلغ الهائل على الأقل والذي سيوزعه نتنياهو وكاتس لن يساهم في شيء في الاستهلاك وفي النمو، بل سيضاف إلى توفيرات العائلات غير المحتاجة والميسورة، فما بالك الأغنياء. فلو تم توزيع ذات المبلغ المالي وفقا لمقياس الضائقة، لوصل في أغلبه إلى الأسواق. ولكن على طريقة نتنياهو- كاتس سيجد طريقه إلى حسابات التوفير في البنوك.

من جانبه، يقول نحاميا شطرسلر، المحلل الاقتصادي في صحيفة "هآرتس"، إن "بنيامين نتنياهو مذعور. فقد فشل. أضاع هذا وانتهى. مساء الأربعاء شاهدنا احتضاره. كان عليه أن ينتهي سياسيا بشكل مختلف. كان عليه أن ينهض ويستقيل. وهكذا ربما كان سيحافظ على القليل من الاحترام الذي بقي له".

وتابع: "الذعر انساه حقيقة أن الاقتصاد مبني على توقعات. وقد افترض أنه إذا قام بتوزيع الأموال على الجمهور، فهم سيذهبون إلى البقالات وينعشون النشاط. ولكن العكس هو الصحيح. ففي اللحظة التي عرض فيها خطة غير منطقية مقابل السكوت، وفي اللحظة التي تحدث فيها عن احتمالية قريبة لفرض الإغلاق العام، الجمهور تفاجأ وأدرك أن الاقتصاد يسير إلى الوراء، إلى عجز كبير من جهة، وإلى نسبة بطالة فظيعة من جهة أخرى. المستقبل تحول إلى أكثر خطورة. وفي هذا الوضع فإن الجمهور يكون دقيقا، يوفر ويقلل استهلاكه. عندها يزداد الكساد. هذا أمر أساسي. اقرأوا عن اليابان في تسعينيات القرن الماضي".

فوضى إغلاق جزئي وبطالة

ظهرت حالة الإرباك بشكل قوي في الأسبوع الماضي في قرارات الحكومة، لفرض إغلاق جزئي في محاولة للجم انتشار الكورونا، والقرارات ليست مفهومة للجمهور، ولكن القصد منها تقليص التجمهر في عطلة نهاية الأسبوع، لذا تم إقرار إغلاق مرافق عامة ومجمعات تجارية، وأسواق ليست استهلاكية أساسية، وبضمنها إغلاق المطاعم أسبوعيا من مساء الجمعة وحتى فجر يوم الأحد، ولاحقا تكون المطاعم مفتوحة لبيع الطعام من دون جلوس، أو بالإرساليات. وكانت هذه القرارات قد اتخذت ليلة الخميس/ الجمعة الماضية. وفي يوم الجمعة أعلنت اتحادات أصحاب المطاعم عن تمرد وعصيان على القرار، وهم من أكثر القطاعات تضررا، وقررت فتح المطاعم، فتراجعت الحكومة فورا، ومددت فتح المطاعم حتى يوم الثلاثاء من الأسبوع الجاري.

ولكن الفوضى الأكبر هي في البطالة، فحتى الآن لا توجد احصائيات دقيقة لنسبة البطالة، وهذه ستتشوش أكثر مع التقييدات الجديدة. ففي حين تقول سلطة التشغيل إن نسبة البطالة حاليا 21% من القوة العاملة، بمعنى قرابة 850 ألف شخص، فإن مكتب الإحصاء المركزي يقول إن نسبة الذين لا يعملون في هذه المرحلة 10,7% من القوة العاملة، بمعنى بفارق النصف.

وقالت صحيفة "كالكاليست" إن النسبة التي أوردها مكتب الإحصاء لا تشمل 83 ألف شخص (2% من قوة العمل) لا يبحثون عن عمل بدافع اليأس، قبل اندلاع الأزمتين الصحية والاقتصادية، وهذه نسبة ناقصة في حسابات مكتب الإحصاء. وهذا الفارق نابع من تعريف البطالة، فسلطة التشغيل اعتبرت كل شخص من دون عمل حاليا، بمعنى مفصول كليا من العمل، أو في إجازة ليست مدفوعة الأجر، يعد عاطلاً عن العمل، في حين أن مكتب الإحصاء المركزي اعتمد على التعريف الأساس للبطالة، بمعنى من تم فصلهم كليا من العمل. غير أنه من ناحية المخصصات والمساعدات الحكومية، فإن المجموعتين تتلقيان مخصصات، بتفاوت كبير من حيث الحجم، عدا عن هذا تقول التقارير التي تصدر تباعا إن الفوضى تعم أيضا جانب المخصصات، فهناك 22% من محرومي العمل لم يتقاضوا مخصصات لأسباب مختلفة، كما أن مؤسسة الضمان الاجتماعي (مؤسسة التأمين الوطني) قالت إن الكثير ممن كانوا في إجازات ليست مدفوعة الأجر، وتلقوا مخصصات، وعادوا لاحقا إلى مكان عملهم، لم يبلغوا المؤسسة كما هو مطلوب واستمروا في تلقي مخصصات، سيكون عليهم إعادتها.

ويقول تقرير آخر إن نصف المسجلين في مكاتب سلطة التشغيل، هم أبناء 34 عاما وأقل، بمعنى من عمر 20 عاما وحتى 34 عاما، لأن من عمره 20 عاما لا يستحق الحصول على مساعدات بطالة طارئة، إذ أن القانون في الحالة الطبيعية يمنح مخصصات بطالة من عمر 27 عاما وصاعدا.

وقال بحث في قسم الأبحاث في الكنيست إن الشريحة المتضررة أكثر من غيرها، هي أبناء 20 إلى 24 عاما، فهذه الشريحة الشبابية تعمل عادة في أماكن عمل غير مستقرة، قسم منها يعمل في قطاعات الخدماتية لتمويل دراسته اللاحقة، أو حتى خلال دراسته الجامعية، في حين أن الآخرين يكونون في بداية طريقهم في العمل، وهي مرحلة تنقلات بين أماكن العمل. وهذه الشريحة تشكل 22% من محرومي العمل في هذه المرحلة، في حين أن نسبتهم في الدول الأعضاء في منظمة التعاون للدول المتطورة OECD 18%. كما حسب البحث ذاته، فإن 25% من محرومي العمل حاليا هم أبناء 20 إلى 27 عاما. وبموجب البحث فإن هذه الشريحة الشبابية هي الأكثر تضررا من إغلاق المطاعم ومرافق العمل، لأنها قوة العمل الأساسية في هذه المصالح، التي أغلقت تقريبا كليا في فترة الإغلاق الأولى، وحينما فتحت أبوابها من جديد أعلن أن نسبة مداخيلها انخفضت بنسبة 60%، مقارنة مع ما كان قبل اندلاع الكورونا.

التضخم يسجل ذروة في تراجعه

باتت أزمة ركود الأسواق تنعكس بشكل أقوى في وتيرة التضخم المالي، فقد أعلن مكتب الإحصاء المركزي، في منتصف الشهر الجاري، أن إجمالي التضخم في النصف الأول من العام الجاري، بمعنى في الأشهر الستة الأولى، تراجع بنسبة 0,8%، بعد أن كان التضخم قد تراجع في شهر حزيران الماضي بنسبة 0,1%، وسجل تراجعا بنسبة 0,3% في كل من شهري أيار ونيسان الماضيين.

وهذه وتيرة تضخم غير مسبوقة، لأنه حسب وتيرة التضخم في العقدين الأخيرين، فإنه في النصف الأول من كل عام يسجل التضخم ارتفاعا، أعلى من النصف الثاني، وعادة ما يؤثر على هذا سلسلة من المواسم. ففي تقريره الدوري في مطلع شهر تموز الجاري، توقع بنك إسرائيل المركزي أن يتراجع التضخم في العام الجاري بنسبة 1,2% وهذه تعني ذروة، سبقتها ذروة تراجع بنسبة 1% في العام 2015.

ولكن تراجع التضخم في الأشهر الستة الأولى بنسبة 0,8%، وبعد الأخذ بعين الاعتبار أن وتيرة التضخم في النصف الثاني من كل عام أبطأ من النصف الأول، فإن التضخم قد يسجل تراجعاً أشد من توقعات إسرائيل. وما يؤثر على تراجع التضخم، هو وقف الاستهلاك في الكثير من القطاعات، وفي المقابل، فإن أسعار المواد الغذائية الأساسية، وبضمنها أسعار الخضراوات والفواكه الطازجة، سجلت ارتفاعا ولو بنسب طفيفة منذ مطلع العام، ولكن الأهم أن كل حملات التخفيض التي كانت تبادر لها شركات الإنتاج أو شركات التسويق الكبرى تقريبا توقفت، فهذه الحملات كانت تؤثر هي أيضا على سلة مشتريات المواد الاستهلاكية الأساسية. وما يراد قوله هو أن تراجع التضخم لم يؤثر "إيجابا" على جيب المواطن، وسلة مشترياته الشهرية.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية