أعلن بنك إسرائيل المركزي أن الاقتصاد الإسرائيلي سيشهد هذا العام 2020 انكماشا غير مسبوق، بنسبة 6%، بدلا من التقدير بانكماش بنسبة 4,5% أعلنه في أيار الماضي.

وفي حين تقول تقديرات سلطة التشغيل الإسرائيلية إن 850 ألف شخص لم يعودوا إلى العمل، بعد فتح غالبية مرافق الاقتصاد خلال الأسابيع السبعة الماضية تدريجيا، فإن هذا العدد مرشح للارتفاع هذه الأيام، على ضوء القيود الجديدة على العديد من المرافق، التي ستسرّح عمالها من جديد، وهذه المرّة قد يكون هناك فصل كامل من العمل، وليست إجازات غير مدفوعة الأجر.

ويقول البنك المركزي إن النمو الاقتصادي سيشهد ارتفاعا حادا في العام المقبل 2021 بنسبة 7,5%، وهذا أعلى بقليل من تقديراته الصادرة في شهر أيار. ولكن في حال صدقت تقديرات البنك الجديدة، وهي مرشحة للتعديل طيلة الوقت، بحسب التطورات، فإن الاقتصاد يكون في العامين الجاري والمقبل قد سجل نموا إجماليا بنسبة 1,5%؛ في حين أن التكاثر السكاني في عامين في حدود 4%، وهذا يعني أن الاقتصاد سيتراجع في الحصيلة النهائية، مقارنة مع ما كان حتى نهاية 2019. كما يعني أن الاقتصاد سيحتاج لسنوات من النمو الاقتصادي العالي حتى يعوض خسائره.

كذلك خفّض البنك تقديراته للتضخم المالي، إذ قال إن التضخم سيتراجع بنسبة 1,1%، وهذا تراجع ذروة، وكان أكبر تراجع حصل في العام 2015 بنسبة 1%. وكانت تقديرات البنك السابقة قد قالت إن التضخم في العام الجاري سيتراجع بنسبة 0,8%، وأنه سيبقى منخفضا أيضا في العام المقبل 2021. وهذا التراجع في التضخم يأتي على ضوء تراجع الاستهلاك في الكثير من النواحي، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

وأبقى البنك الفائدة البنكية الأساسية عند نسبتها الصفرية 0,1%، على الرغم من أن البنوك التجارية تقدم قروضا بفوائد عالية جدا، مقارنة مع الفائدة الأساسية، وتتراوح ما بين 7% إلى 12% للأفراد، في حين أن الفوائد لأصحاب العمل والشركات تكون مدعومة من الحكومة، وهي بنسب تتراوح ما بين 1,5% وحتى 3%.

ويقدر بنك إسرائيل بأن عدد العاطلين عن العمل يتراوح ما بين 650 ألفا إلى 720 ألفا، وأن نسبة البطالة في نهاية العام ستصل إلى 9%، ما يعني قرابة 380 ألف شخص. وفي تقديراته، فإن العجز في الموازنة العامة سيصل هذا العام إلى 12% من حجم الناتج العام، لأن مصروفات الحكومة ستزداد بنحو 60 مليار شيكل (الدولار يعادل حاليا 3,45 شيكل)، غالبيتها مساعدات للعاطلين عن العمل والمصالح الاقتصادية، في حين أن مداخيل خزينة الضرائب ستكون بقدر 55 مليار شيكل أقل من المطلوب.

ولكن كل هذه الأرقام من شأنها أن ترتفع في حال استفحل انتشار الفيروس.

وقال محافظ البنك المركزي، أمير يارون، إن البنك يتوقع خطر المزيد من التدهور في الوضع الاقتصادي. وقال: "هناك الآن تدهور في الوضع الصحي، وخطر حدوث مزيد من التدهور في الوضع الاقتصادي آخذ في الازدياد". وأضاف أن "الصورة الأكثر صعوبة تظهر في سوق العمل. فعند اندلاع الأزمة، خرج أكثر من مليون عامل إلى إجازات ليست مدفوعة الأجر. وتُظهر البيانات الآن أن أكثر من نصف مليون عامل لم يعودوا إلى العمل بعد، بالإضافة إلى 150 ألف عاطل عن العمل قبل الأزمة، وحوالي خمس العاملين المستقلين، فقدوا معيشتهم جزئيا أو كليا".

وكشف تحليل شامل للوضع الاقتصادي في بنك إسرائيل، أنه في حين كان السبب الرئيسي للانكماش الاقتصادي عند اندلاع الأزمة، هو الانخفاض في العرض، فإنه لاحقا تبين تراجع في الطلب، وهذا من شأنه أن يعمق الأزمة إذا استمرت القيود أكثر.

وانتقد يارون ضمنا الحكومة وقال: "بالنظر إلى حقيقة أنه قد تكون هناك حاجة إلى التوقف عن العمل وعمليات الإغلاق، فمن الأهمية بمكان اتخاذ القرارات بشأن المساعدات في الوقت المناسب، ومسبقا، واستنادا إلى معايير معروفة، حتى يتمكن الجمهور من الاستعداد. إن الوضع في سوق العمل يسمح للحكومة بتجنيد العاملين للأجهزة المطلوبة. كما أن من الأهمية القصوى أن تتم بلورة ميزانية الدولة لتعرض في أقرب وقت ممكن. ويجب دعم قدرة الحكومة على تطبيق الإجراءات المطلوبة". وتابع أن على ميزانية الدولة المتوقعة أن تتضمن زيادة كبيرة في العجز، وفي حجم الدين بالنسبة للناتج العام. ويعتقد يارون أنه طالما أن العجز سيكون ناجماً فقط عن الإجراءات لتجاوز الأزمة الصحية والاقتصادية، فإن أسواق المال ستكون على استعداد لتمويل هذا العجز بسندات دين بفائدة منخفضة.

يشار هنا إلى أن إسرائيل دخلت الأزمة في ظل نسبة دين من الناتج العام تعد منخفضة، في حدود 60% من حجم الناتج العام، وحسب التوقعات، فإن زيادة الديون، قد ترفع حجمها إلى 70% من إجمالي الناتج العام.

التخوف من بطالة مزمنة

إن أبرز القضايا الحارقة التي تقف على رأس جدول الأعمال في الاقتصاد الإسرائيلي، هي مسألة البطالة التي بغالبيتها العظمى حاليا ناجمة عن إخراج عاملين إلى إجازات ليست مدفوعة الأجر. وفي ذروة الإغلاق بلغ عدد المعطّلين عن العمل قرابة 1,15 مليون نسمة، وشكلوا نسبة 27%، من بينهم كان أقل من 200 ألف عامل تم فصلهم كليا من العمل. ولكن بعد فتح الاقتصاد تدريجيا ابتداء من منتصف أيار الماضي، وحتى الأيام الأخيرة، بمعنى أقل من شهرين بقليل، فإن 860 ألف شخص ما زالوا في عداد العاطلين عن العمل. وهذا العدد مختلف عليه، لأنه في تقديرات بنك إسرائيل المركزي السابق ذكرها، فإن عدد المعطّلين عن العمل يتراوح ما بين 650 ألف إلى 720 ألف عامل.

وتقول تقارير إن المؤسسات الرسمية باتت تستصعب طرح إحصاء دقيق لأعداد العاطلين عن العمل، بسبب أن قسما منهم لا يسجلون أنفسهم في مكاتب التشغيل ومؤسسة الضمان الاجتماعي الحكومية، مؤسسة التأمين الوطني، لأنهم لا يستحقون مخصصات بموجب الأنظمة القائمة. في حين تدعي السلطات أن قسما من العاملين عادوا إلى أعمالهم، ولكنهم لم يبلغوا المؤسسات الرسمية.

إلى ذلك، فإن التقديرات الآن باتت تتقلب على ضوء القيود الجديدة التي طالت قطاعات جدية في الاقتصاد، مثل قاعات المناسبات، والقاعات والمعاهد الرياضية، وفرض قيود على أعداد رواد المطاعم وصالات الثقافة وغيرها. ما يعني أن موجة جديدة من العاملين الذين لم يكملوا شهرين لعودتهم إلى العمل سيجدون أنفسهم ضمن العاطلين عن العمل.

وحسب تقديرات سابقة فمن المتوقع أن تعلن 70 ألف مصلحة إفلاسها هذا العام، بينما 40 ألف مصلحة ستفتتح كمصالح جديدة، ما يعني أن عدد المصالح سيتقلص هذا العام بنحو 30 ألف مصلحة، بينما في المعدل تشهد السوق سنويا فتح 10 آلاف مصلحة جديدة.

وفي السياق ذاته، قال تقرير في الأسبوع الماضي، صادر عن منظمة التعاون والتنمية للدول المتطورة OECD، والتي تضم 34 دولة، إن البطالة الحالية في دول المنظمة، والناجمة عن الأزمة الاقتصادية، تصل إلى 10 أضعاف البطالة التي كانت في أوج الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت في العام 2008، وكان مصدرها الولايات المتحدة الأميركية، بعد تفجر ما تسمى "فقاعة العقارات". وحسب تقرير المنظمة، فإنه في العام 2008، شهدت أشهر الأزمة الاقتصادية تراجعا في ساعات العمل بنسبة 1,2%، أما حاليا فإن المعدل في دول OECD 12,2%، عشرة أضعاف ما كان قبل 12 عاما. ولكن هناك تفاوت كبير بين الدول، ففي إسرائيل تراجع عدد ساعات العمل في نيسان بنسبة 35,3%، وهي تحل ثالثة بعد إيطاليا- حوالي 38,5%، والمكسيك- قرابة 45,5%. كذلك تبين أن معدل مخصصات البطالة في دول OECD بلغ 78% من الراتب الذي كان يتقاضاه المعطّل عن العمل، بينما في إسرائيل الحد الأقصى بلغ 73%، في حين أن عددا من الدول المتطورة في شمال أوروبا تلقى المعطّلون عن العمل فيها مخصصات تعادل 100% من رواتبهم.

المحللون يحذرون

ويقول المحلل الاقتصادي سامي بيرتس في مقال له في صحيفة "ذي ماركر" إنه في الأيام العادية، فإن التوقعات الاقتصادية هي معلومات تحتاج لفهم وتفهم، وهي معطيات الجمهور الواسع ليس خبيرا بها، ولا يستطيع استخلاص الاستنتاجات منها. إلا أنه في أيام كورونا باتت التقديرات فهمها أبسط: إذا كان هناك ارتفاع سريع في الإصابات بكورونا، فإن التوقعات تصبح أكثر تشاؤما على الفور. ويفهم الجميع آثار إغلاق الأعمال على معدل البطالة والاستهلاك الخاص ووتيرة انتعاش الاقتصاد. كل ما تبقى هو لصق أرقام لتتناسب مع شدة الحالة الصحية، وللقول إن "عدم اليقين مرتفع".

وأضاف: تعتمد توقعات بنك إسرائيل المتشائمة أيضا على البيانات العالمية، إذ سيتقلص إجمالي الناتج المحلي والعالمي بمعدل حاد هذا العام، وهو الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. والبيانات تزيد من حدة المعضلة التي رافقت الأزمة منذ اندلاعها. وهنا يُسأل السؤال: ما هي النقطة التي يمكن من خلالها معالجة الأزمة الصحية والاقتصادية بشكل فعال؟ وقال: "لا أحد يعرف كيف يطرح الجواب الجيد، فعلى عكس الأزمة التي اندلعت في آذار الماضي، لا توجد الآن نية ورغبة للعودة إلى إغلاق كامل، لأن تأثيره على الاقتصاد سيكون مدمرا. ومع ذلك، من الواضح أن إحصاءات انتشار الفيروس تؤثر بشكل مباشر على تدابير الإغلاق، وبالتالي على المصالح الاقتصادية والعاطلين والاقتصاد ككل. في هذه الظروف، هناك شيء واحد واضح: مشاركة الحكومة وبنك إسرائيل في إدارة الأزمة ستظل عميقة وواسعة، وهذا يتطلب أدوات متنوعة في إدارتها".

وبرأي بيرتس هذا التنوع في الإدارة لم نره حينما تراجع انتشار الفيروس، بل "رأينا كيف احتفل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بنهاية الحدث وتحول إلى شؤون الضم، وشن حربا على المستشار القانوني للحكومة مبرزا قلقه على رفاهيته الشخصية وهذا بث للجمهور وكأن الأزمة الصحية باتت من ورائنا".

ويقول المحلل الاقتصادي أدريان بايلوت، في مقال له في صحيفة "كالكاليست"، إنه "لا توجد طريقة أخرى لقول هذا: لقد فشلت الحكومة الإسرائيلية فشلا ذريعا في معالجة أزمة كورونا. الموجة الثانية ليست الفشل، إنها النتيجة. الفشل الحقيقي للحكومة الإسرائيلية ورئيسها، بنيامين نتنياهو، يخرق العقد مع مواطني دولة إسرائيل: يجب على المواطن أن يدفع ثمنا باهظا بشكل لا يطاق على شكل إغلاق كامل وشخصي ومهني".

وتابع: "كان من المفترض أن تأخذ الحكومة الوقت الكافي لتقدير الحياة إلى جانب كورونا، ولم يتم ذلك. تجاهلت الحكومة بشكل صارخ مجموعة من التقارير المهنية ثمرة أبحاث طواقم عملت بشكل منظم. وأفضل الأدمغة صاغت هذه التقارير، إلا أن حكومة إسرائيل ألقت بها من فوق رأسها بغطرسة".

ويقول بايلوت: أمسك الفيروس الحكومة مع سروالها على الأرض، على الرغم من أن جميع أجراس الإنذار دُقت. لا يمكن تقدير الحجم الافتراضي إلا من قبل لجنة تحقيق حكومية. وإلى حين تقام وتقدم تقريرها، فإن حكومة بنيامين نتنياهو ستواصل اتهام المواطن بخرق التعليمات، وتحمله المسؤولية. وفي كل خطوة وإجراء يلاحظ أن الحكومة لم تستخلص العبر، وهذا يبرز أيضا في فقدان التوافق على ميزانية الدولة.

ويختم بايلوت كاتبا: "لذا لا عجب في أن الجمهور، أو على الأقل بعضا منه، فقد الثقة بالقيادة. إدارة الأزمة من الآن فصاعدا، بدون ثقة، بدون أمل، هي تحد مزدوج وثلاثي. ولكن لم يفت الأوان لإصلاح كل شيء".

وبعد القيود الجديدة التي فرضتها الحكومة، وظهر فيها نوع من الفوضى وعدم الوضوح، قالت المحللة الاقتصادية ميراف أرلوزوروف في مقال لها في صحيفة "ذي ماركر"، إن الحكومة تفقد سيطرتها وتفشل، حتى على مدى شهور، في التغلب على الحواجز التي تحول دون الإدارة المنهجية والمنظمة للأزمة.

وكتبت: إنها ليست وزارة الصحة، إنها الحكومة بأكملها: لا توجد منظومة معلومات يمكنها تحليل بيانات التحقيقات الوبائية. ليس هناك ما يكفي من الموظفين المهنيين للتعامل مع هذه التحقيقات؛ وزارة المواصلات لا تملك القدرة على تنظيم شبكة مواصلات للطوارئ للتغلب على الحافلات الناقصة. لا تتمتع الدولة بالمرونة لزيادة الأجور وتحويل آلاف العاطلين عن العمل للعمل في دور رعاية المسنين، وبدلاً من ذلك، اتخذ القرار الجبان باستيراد 2500 عامل أجنبي؛ لا يمكن لنظام التعليم إيجاد حل للتعليم ضمن مجموعات صغيرة، ولا يمكنه تنظيم التعلم عن بُعد؛ لا يستطيعون اتخاذ قرارات للمساعدة المالية في الوقت المناسب لمئات الآلاف من العاملين لحسابهم الخاص الذين فقدوا مصادر رزقهم، وإذا اتخذت القرارات، فلا يتم توزيع الأموال في الوقت المناسب؛ وكذلك لا تصل المساعدة لعشرات الآلاف الخاضعين للحجر، الذين ربما يحتاجون إليها للحصول على الطعام والأدوية.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية