تشير التقديرات الإسرائيلية الجديدة إلى أن قطاع الصناعة سيكون واحدا من أكثر القطاعات التي ستواجه تبعات الأزمة الصحية الاقتصادية، بعد عودة وتيرة الاقتصاد إلى ذات مستواها قبل اندلاع الأزمة الصحية. والحديث الآن أن حوالي 80 ألفا، من أصل أكثر من 377 ألف عامل في قطاع الصناعة، سيواجهون إما الفصل، أو في أحسن أحوالهم سيتلقون رواتب جزئية، شرط أن تكمل لهم الحكومة ما نقص من رواتبهم.

وقبل هذا التقرير، كان الحديث عن أن أكثر القطاعات تضررا سيكون قطاع الخدماتية، مثل المطاعم والفنادق وكل مناطق الترفيه، ومعه أيضا قطاع السياحة، إن كانت الداخلية أو الخارجية.

وتقول تقارير بنك إسرائيل المركزي إن البطالة سترسو في نهاية العام الجاري، عند 8%، بدلا من 8ر3% في نهاية 2019. وحسب البنك، فإن البطالة ستتراجع مجددا إلى 5% عند نهاية العام المقبل 2021. في حين أن وزارة المالية طرحت تقريرا سوداويا أشد، وادعت أن البطالة سترسو في نهاية العام الجاري عند ما بين 9% وحتى 13%، والنسبة الأعلى في حال استمرار الإغلاق حتى نهاية تموز المقبل.

والجديد الآن، كما ذكر، أن قطاع الصناعات الذي يواجه أزمة أصلا، قبل اندلاع الأزمتين الصحية والاقتصادية، سيواجه هو أيضا أزمة استيعاب عاملين بعد عودة وتيرة الاقتصاد إلى ذات المستوى السابق. وهذا على افتراض أن الصادرات الصناعية الإسرائيلية ستتراجع، على ضوء الأزمة الاقتصادية العالمية، والتراجع الحاد في حركة التجارة العالمية.

ونشير إلى أن الصناعات الإسرائيلية تشهد منذ نحو سبع سنوات حالة من الجمود في عدد أماكن العمل، وهو 377 ألف عامل، كانوا يشكلون في العام 2013 حوالي 11% من إجمالي القوى العاملة، بينما اليوم باتوا يشكلون 9%. وهذا لأن الكثير من المصانع أغلقت أبوابها تباعا في السنوات الأخيرة، لأسباب عدة، حسب رأي الخبراء، منها حجم كلفة الانتاج، وإجراءات الترخيص والتصاريح المستمرة، ونقص رأس المال الاستثماري، ومشاكل الإدارة، وعدم القدرة على التغيير والتجديد.

وكما ذكر، تقول التقارير الاقتصادية إن الصناعات لربما تفقد حتى 22% من أماكن العمل فيها، لذا فإن أصحاب الصناعات يريدون أن تنقذهم الحكومة، رغم أن الحكومة أصلا تمنح الصناعة حوافز وفوائد، لا تمنحها للقطاعات الأخرى، وعلى الأخص قانون تشجيع الاستثمارات.

وتقول صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية إن الحكومة وبنك إسرائيل المركزي "يدرسان" أفكارا لتشجيع أصحاب العمل على استعادة العمال الذين تم إرسالهم إلى اجازات ليست مدفوعة الأجر، حتى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أعلن تخصيص ما يصل إلى 6 مليارات شيكل لهذا الغرض.

ويقول المحلل الاقتصادي سامي بيرتس في مقال له في الصحيفة، إن آلية تخصيص هذا المبلغ قيد المناقشة، ولم يتم العثور على الصيغة الصحيحة بعد. ومع ذلك، فإن المعركة للحصول على هذه الأموال جارية بالفعل، ويخشى العديد من أصحاب العمل من توزيعها بشكل غير عادل وغير فعال. وقد دفع هذا القلق الصناعيين والتجار والمزارعين إلى صياغة اقتراح، مدعوم من الهستدروت، لنموذج توظيف جزئي يسمح بعودة أكبر عدد ممكن من العمال. وهذا نموذج من المفترض أن يستمر لمدة ثلاثة أشهر. في المرحلة الأولى، سيتمكن أصحاب العمل من تخفيض معدل توظيف الموظفين وفقا لاحتياجاتهم، وستدفع الدولة راتب الموظفين وفقا للجزء الذي تم تخفيضهم إليه. ستكون النتيجة أن الموظف سيحصل على راتب أعلى مما سيحصل عليه كمكافأة بطالة أو مخصصات لمن فرضت عليهم اجازات ليست مدفوعة الأجر، ولكن أقل مما كان يحصل عليه من قبل. وقد يخسر العامل من 20% إلى 30%، إذا تحقق مراد الصناعيين، بمعنى مشاركة الحكومة في تكملة الراتب. وحسب الادعاء، فإن هذا سيسمح للصناعيين باستيعاب عدد أكبر من العاملين، رغم أن قسما منهم لن يعود إلى مكان عمله السابق كليا.

ويقول رئيس اتحاد الصناعيين رون تومر إن العديد من الصناعيين لديهم مصلحة في الاحتفاظ بعمالهم لإمكانية العودة إلى النشاط الاقتصادي الطبيعي، لذلك يفضلون الحفاظ على استعدادهم من خلال توظيف عمال بدوام جزئي بدلا من إخراج العمال إلى اجازات ليست مدفوعة الأجر.

ويضغط الصناعيون من خلال اتحادهم من أجل أن تقبل الحكومة بعرضهم، بمعنى مشاركتها في تمويل أجورهم، بزعم أن بقاءهم في البيوت يتلقون المخصصات من دون عمل، لن يفيد الاقتصاد، بينما عودتهم إلى العمل والإنتاج من شأنه أن يدعم قطاع الصناعة في أزمته الناشئة، ويعطي المصانع مرونة في كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة.

ويدعي تومر أن مصانع كبرى عملت خلال الأزمة على الإبقاء على عدد كبير من العمال لديها، ولم تفرض عليهم اجازات ليست مدفوعة الأجر، ولكن ليس باستطاعتها استيعاب كل العمال الذين خرجوا لإجازات ليست مدفوعة الأجر من دون دعم الحكومة.

وانضم إلى مطلب اتحاد الصناعيين، اتحاد المزارعين، وقال رئيسه أفشالوم فيلان، في رسالة إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير المالية موشيه كحلون، إن ما يطرحه الصناعيون، كي تساهم الحكومة في تمويل أجور العمال، قائم في عدد من الدول المتطورة، الأعضاء في منظمة التعاون بين الدول المتطورة OECD، وهو نموذج من شأنه أن يفسح المجال أمام عودة عدد أكبر من العمال إلى مكان عملهم.

وحسب المحلل بيرتس، فإنه "من وجهة نظر الصناعيين، من الأفضل الاحتفاظ بالعمال الحاليين قدر الإمكان، وعدم توظيف عمال جدد والاستثمار في تدريبهم، وهي خطوة تنطوي على استثمار كبير. ومنذ بدء أزمة كورونا، تم فصل حوالي 80 ألف عامل من قطاع الصناعات، أو اخراجهم إلى اجازات ليست مدفوعة الأجر، ولكن حسب التقديرات، فإن هذا ليس نهاية المطاف، على ضوء تراجع الطلب على الصناعات، ما يعني أنه ستكون موجة فصل أخرى في قطاع الصناعات".

ويقول تومر إن تراجع الطلبات بدأ حتى قبل اندلاع الأزمة الصحية في إسرائيل، وما تبعها من اغلاق وأزمة اقتصادية معلنة. ومن بين المصانع من أعلن أنه في شهر نيسان انتهت كافة الطلبيات وليست لديه طلبيات جديدة، ما يعني أن ليس للمصنع ما يجعله يفتح أبوابه، على الأقل في هذه المرحلة.

ويقول المحلل بيرتس إن كلفة ما يطلبه الصناعيون ليست واضحة حتى الآن، لأنهم لا يعرضون حجم الوظائف التي سيدفعون مقابلها أجورا جزئية تكملها الحكومة على شكل مخصصات اجتماعية.

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية