بدأت تظهر مؤشرات عديدة للأزمة الاقتصادية التي تغرق فيها إسرائيل، جراء انتشار فيروس الكورونا، إلى درجة أن ما حققته في السنوات الـ 15 الأخيرة، من خفض حاد للدين العام، مقارنة بحجم الإنتاج، وأيضا ارتفاع النمو الاقتصادي، ستشطبه هذه الأزمة دفعة واحدة. فالدين العام سيتفاقم بنسبة 15%، بمعنى سيقفز من 60% إلى 75% عما كان بالمقارنة من حجم الناتج العام، ومداخيل الضرائب في تراجع حاد، بموازاة مرتجعات من الضريبة، بسبب توقف الحركة التجارية. أما العجز المالي فإنه سيبلغ نسبة تذكّر إسرائيل بما كان في أوائل سنوات الثمانين من القرن الماضي.

وتقول صحيفة "كالكاليست" إن العجز في الموازنة العامة، الذي كان قائما حتى اندلاع الأزمة- 4%، وثارت من حوله ضجة، سيكون لا شيء، مقارنة مع ما هو متوقع، إذ أن التقديرات في وزارة المالية تتحدث عن ارتفاع إلى نسبة 10% من حجم الناتج العام، ما يعني ارتفاعا حادا بالمديونية.

ومن بين المؤشرات الاقتصادية الانخفاض الحاد في مداخيل خزينة الضرائب، فقد بلغ حجم المداخيل في شهر آذار الماضي 3ر22 مليار شيكل، مقابل 3ر28 مليار شيكل في آذار 2019، بانخفاض قدره حوالي 6 مليارات شيكل، أي حوالي خُمس الإجمالي ولكن مع الأخذ في الاعتبار التغييرات الاستباقية، مثل حجب ضريبة القيمة المضافة للشركات الصغيرة التي تصل إلى 5ر1 مليون شيكل. وحسب التقديرات، فإن هذه ليست سوى البداية، حيث دخل الاقتصاد إلى الشلل بدءا من منتصف آذار وما زالت البيانات الصعبة أمامنا.

وفي تفصيل لمداخيل الضرائب في آذار الماضي، يتبين انخفاض دخل الشركات والعمل الحر بنسبة 18%. وأعقب ذلك التخفيض الحاد في دفع سلف ضريبية (على حساب الدفعات المستقبلية) حينما أدركت الشركات والعاملون بحسابهم الخاص أنهم لن يكسبوا بقدر ما توقعوا في وقت سابق من هذا العام. وانخفض التوظيف الذاتي بنسبة 11%، في حين انخفضت الشركات بنسبة 21%.

إلا أنه في المقابل، فإن الضرائب من أسواق المال سجلت ارتفاعا حادا بنسبة 175%، وهذا لأن المستثمرين بادروا بسرعة إلى سحب استثماراتهم، وهي ما تزال بأرباحها، ما جعلهم يدفعون الضرائب، بدلا من تكبد خسائر فادحة من خسائر البورصة، التي تتراوح ما بين 18% إلى 25%، بسحب قطاعات الاستثمارات. وبلغ اجمالي المداخيل من أرباح البورصة في آذار 680 مليون شيكل، ولكن هذا البند على الأغلب سيكون غائبا في مداخيل شهر نيسان الجاري، الذي من المتوقع أن يشهد انهيارا حادا في حجم الضرائب.

وحسب "كالكاليست"، يؤثر انخفاض النشاط في الاقتصاد، باستثناء الاستهلاك الأساسي، أيضا على جباية ضريبة القيمة المضافة، بفعل توقف الاستهلاك في الكثير من قطاعات السوق؛ بينما بلغت عائدات هذه الضريبة في آذار الماضي 6ر6 مليار شيكل.

وفي تقديرات سلطة الضرائب، فإن مداخيل الضرائب هذا العام ستنخفض بشكل كبير وترفع العجز في الضرائب إلى مستوى لم نكن نعرفه. الإيرادات الضريبية هي بعض المؤشرات التي تتنبأ بمستوى العجز. ومع انخفاض دفع الضرائب، تعمل وزارة المالية على تحديث تقديراتها.

وقد رفعت تقديراتها للعجز الذي كان هدفه الأصلي 5ر2%، إلى حوالي 5ر6% في سيناريو التوقف الجزئي لمدة 5 أسابيع، إلى 5ر15% في حالة التوقف الكلي لمدة 3 أشهر. ويقدر بنك إسرائيل عجزا يزيد عن 7%.

وشهر آذار ليس سوى شهر كانت فيه الإصابة جزئية فقط، منذ أن بدأت الإضرابات والقيود في منتصف الشهر. وتقدر وزارة المالية وسلطة الضرائب بأن مستوى الضرر سيكون أكثر أهمية في نيسان المنتهي.

محو الإنجازات الاقتصادية

وتقول المحللة الاقتصادية ميراف أرلوزوروف في صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، إنه "من دون أن يُلاحظ، أزالت أزمة كورونا الإنجازات الاقتصادية لأكثر من عقد من الزمان. قد يكون النمو المتسارع لإسرائيل، بشكل أو بآخر بشكل مستمر منذ عام 2005 (مع توقف طفيف بسبب الأزمة العالمية لعام 2008)، على وشك الانتهاء. لقد اعتدنا على العيش في بلد تتوفر فيه فرص عمل للجميع، ومستوى معيشي عال للجميع، وخاصة ميزانية الدولة الضخمة مع الكثير من عائدات الضرائب والقدرة على زيادة الميزانيات الاجتماعية. في العام 2009، كانت نسبة الدين العام، من حجم الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، حوالي 75%. وبحلول نهاية عام 2019، انخفض ديننا إلى 60%، لكنه تراجع الآن، بعد أزمة كورونا، إلى حوالي 75%. كان معدل البطالة في عام 2009 أيضا 5ر7%. استغرقنا عقدا كاملا لتقليص البطالة إلى أقل من 4%. بعد كورونا، قفزت البطالة مؤقتا إلى حوالي 25%، ولكن يقدر أنها لن تعود بعد ذلك إلى أدنى مستوى لها بنسبة 4%. فلربما تكون بعد الأزمة 7% أو أكثر".

وتابعت أرلوزوروف "سوف يقفز معدل العجز بعد أزمة كورونا إلى أكثر من 10%. هذا درس غير مسبوق. وفي الوقت نفسه، تدعم أسواق رأس المال إسرائيل، مما يسمح لها بزيادة عجزها. الأسواق ما تزال مستعدة لإقراض المال للدولة، فقط لعدم امتلاك القوة. إسرائيل بلد صغير ومفتوح يعتمد على الصادرات والطلب التكنولوجي. في عالم ما بعد كورونا، لا شيء من هذا أمر بديهي، والنمو المستمر لإسرائيل أبعد من أن يكون مضمونا".

كما أنه سيكون على إسرائيل بعد كورونا تسديد الديون الضخمة التي تراكمت عليها خلال الأزمة. وترى أرلوزوروف أن قسما من هذه الديون سببه ما وصفته الكاتبة بـ"السخاء في تقديم المخصصات الاجتماعية والدعم للقطاع الاقتصادي". وحسب أرلوزوروف، فإن "هذا لا يتعلق فقط برفع الضرائب أو تخفيضات الميزانية. فهذه هي الخدمات التي اعتدنا عليها من الحكومة، وهناك خطر معقول ألا نتمكن من الحصول عليها بعد الآن. هذا خطر حقيقي لتباطؤ اقتصادي مستمر، حيث لن يتمكنوا من توزيع المزيد من الأموال فحسب، بل سيتعين عليهم إيجاد مصادر لجلب الأموال التي استهلكناها بالفعل أثناء الأزمة".

وترى أرلوزوروف أنه "لن يكون هناك مخرج من أزمة كورونا إلا من خلال التخفيضات الحادة والزيادات الضريبية الحادة. ولكن الأهم من ذلك، لن تكون هناك طريقة لاستئناف مسار النمو السابق لمدة 15 عاما من دون إجراء تغييرات هيكلية بعيدة المدى".

وأضافت "لقد تسبب جهل وتعنت الحريديم بكارثة على مجتمع الحريديم وعلينا ويجب وقفها. بينما ما يزال المجتمع العربي يتعرض للابتزاز والتمييز، وكأنه ليس جزءا لا يتجزأ من الاقتصاد الإسرائيلي. والتشوهات في هيكلية ضريبة الأملاك تهدد الآن بانهيار الحكم المحلي. وفي القطاع العام أيام الإجازة هي أكثر ما وافق العاملون فيه على المساهمة في معركة كورونا حتى الآن". ولقد "تم الكشف عن ضعف القدرة الإدارية للحكومة الإسرائيلية من خلال عدم القدرة على زيادة عدد اختبارات مواجهة الفيروس، أو توفير معدات الحماية للفرق الطبية. يمكن للإنتاجية الضعيفة للعديد من العمال الإسرائيليين الآن، من خلال الانتقال السريع إلى الرقمية (الحوسبة)، أن تجعل الكثير منهم غير ضروري. وعندما تهدأ الأزمة، لن يجدوا أنفسهم بحاجة إليهم، ويفتقرون إلى المهارات المناسبة لسوق العمل الجديدة".

وتطرح أرلوزوروف سلسلة من المقترحات الوحشية تجاه جمهور العاملين والعاطلين عن العمل، والمتقدمين بالسن، وتقول "إن النمو المستمر منذ عام 2005 هو نتيجة التحركات الاقتصادية الدراماتيكية التي تم اتخاذها خلال أزمة الانتفاضة الثانية في 2002- 2003: رفع سن التقاعد، وتأميم صناديق التقاعد القديمة، وخفض مزايا الضمان الاجتماعي، والانتقال من سياسة الرعاية الاجتماعية إلى سياسة تعزيز العمالة، خطة ويسكونسن، الإصلاح في سوق رأس المال وأكثر".

وتقول، "لدينا اليوم رئيس وزراء ضعيف، ومصالحه الشخصية أكثر أهمية من مصالح الدولة، ووزير المالية غير موجود. لذا، نعم، بتقسيم أموال صندوق ضريبة الأملاك يعرف الاثنان بالتأكيد كيف يفعلان، ومن السهل والجميل أن تكون سياسيا شهيرا يتبرع بـ 15 مليار شيكل لكل عمل متضرر. فقط 15 مليار شيكل ستتبخر في الوقت الحالي، إلى جانب الشركات التي تستقبلها، إذا لم تكن هناك بنية تحتية هنا لنمو الأعمال المقبل، وإذا لم يكن هناك اقتصاد متنام قادر على توفير فرص العمل لمئات الآلاف من العاطلين الجدد".

وتختم أرلوزوروف "لكي يحدث ذلك، يحتاج السياسيون الجريئون إلى تغيير العتبات: تغيير الوضع الراهن ضد الأرثوذكس المتطرفين، والتوقف عن التحريض ضد العرب، ومواجهة الهستدروت بشأن تغيير معاهدة العمل في القطاع العام، والتعامل مع المسؤولين الحكوميين بشأن البيروقراطية الخانقة والنظر في زيادة الضرائب بشكل كبير في المقابل لتمويل المزيد من الخدمات الحكومية. باختصار، القيام بعكس كل ما تم القيام به هنا في العقد الماضي، تحت حكم نتنياهو. فهل رئيس الوزراء قادر على هذا التغيير؟ ثمة شك كبير في ذلك".

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, يوليو 08, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية