كم من الناس سيموتون؟ كم من الناس سوف يمرضون؟ كم من الناس سوف يفقدون وظائفهم؟ تقدم أزمة كورونا الكثير من السيناريوهات، ومعظمها ليست زاهية، لا من الناحية الصحية، ولا الاقتصادية.

ونشر ثلاثة باحثين اقتصاديين مشهورين مقالا مهنيا قبل أيام، يحاولون فيه ربط نموذج انتشار فيروس كورونا بنموذج اقتصادي يفحص آثاره على استهلاك الولايات المتحدة في العديد من السيناريوهات، من الأسهل وحتى الأشد.

والباحثون هم البروفسور مارتن إيخنباوم، الذي كان مرشح بنيامين نتنياهو لمنصب محافظ بنك إسرائيل المركزي ورفض العرض، والبروفسور سيرجيو رابيلو والبروفسور ماتياس ترافاندت، وأعدوا دراسة تدور حول الوباء المتفشي والاستهلاك، بسبب العلاقة المباشرة بينهما. فالوباء يخفف بشكل كبير من الاستهلاك في أي سيناريو، سواء كان ذلك بسبب المبادئ التوجيهية الحكومية في العزلة أو الإغلاق، أو كاستجابة طوعية طبيعية من الجمهور.

تنطلق السيناريوهات التي يعرضونها من نقطة انطلاق أنه في السيناريو الأخف وطأة، تصل ذروة الوباء بعد 28 أسبوعا من بدئها، بينما في السيناريو الأكثر حدة، والذي يشمل تسهيلات وإغلاقا، فإن ذروة الوباء تأتي بعد 51 أسبوعا من بدئها.

عندما درس الثلاثة التأثير على الاقتصاد الأميركي وفقا لحجم السكان، وجدوا أنه بحلول الأسبوع 28، سيصل معدل الإصابة إلى 4ر8% من السكان، في ذات الوقت، وبشكل إجمالي، بحلول ذلك الوقت سيكون 65% من السكان مصابين. وهذا يعني 215 مليون مريض. وإذا كان معدل الوفيات 1% من المصابين، فسيكون هناك 15ر2 مليون حالة وفاة.

في المقابل، درس البروفسور عيران ياشيف من جامعة تل أبيب نموذج الثلاثة وتأثيره على الاقتصاد الإسرائيلي، ووجد أنه وفقا لحجم السكان هنا، وفي سيناريو أن ذروة الوباء ستحل في الأسبوع 28، فإن العدد التراكمي للمصابين سيكون 9ر5 مليون، وعدد القتلى 59384 شخصا، وتأثيره على الاستهلاك سيكون حوالي 15 مليار شيكل في السنة. ولا يأخذ هذا السيناريو في الاعتبار تدابير مثل الإغلاق أو إجراءات أخرى تمليها الحكومة على السكان، بل الإغلاق الطوعي للأشخاص الذين يخشون.

إذا نظرنا إلى سيناريو خطوات تتراوح ما بين تسهيلات وإغلاقات بشكل كبير، فإن تفشي الوباء سيكون في الأسبوع 51، وفي هذه الحالة، وفقا لحسابات ياشيف، سيمرض 1ر4 مليون شخص في إسرائيل، ويموت 40950 شخصا، وسيكون الضرر في الاستهلاك بمقدار 102 مليار شيكل في السنة.

بين السيناريوهين، توجد سيناريوهات وسطية. ولكن خلاصة القول للباحثين هي أنه كلما طالت إجراءات الإغلاق والعزل، قلّ عدد المصابين والموتى من الفيروس، ولكن الضرر في الاستهلاك سيكون أكبر. أي أن جهود وزارة الصحة لتسطيح الدالة البيانية ستحتاج وقتا أطول، لتقليل أعداد المصابين والموتى، ولكن هذا سيكون بكلفة اقتصادية أكبر. وهذه الكلفة لا تأخذ أيضا في الحسبان، تكاليف إضافية وكبيرة على الاقتصاد، مثل دفع مخصصات البطالة، ومساعدة الشركات، وتأجيل المدفوعات الضريبية، وخفض بعضها، وإفلاس مصالح اقتصادية، وصرف الاستثمارات اللازمة لاستعادة النظام الصحي والاقتصادي. لذلك، يقول ياشيف، من الواضح أن هذه أزمة استثنائية شبيهة بكارثة طبيعية هائلة، وتتطلب خطوات غير تقليدية، الأولى طباعة النقود. ويقترح ياشيف، ضمن أمور أخرى، تمرير قانون كورونا في الكنيست، الذي يمنح بنك إسرائيل الإذن لمدة 90 يوما، لتمويل نفقات الميزانية والتخفيضات الضريبية عن طريق طباعة النقود.

وقال ياشيف إن هذا سيكون قانون طوارئ، وسوف يتمكن بنك إسرائيل من استكماله قبل نهاية الأيام التسعين. كما يقترح أيضا تشكيل لجنة سياسة كورونا، بمشاركة بنك إسرائيل المركزي ووزارة المالية، وخبراء خارجيين في مجالات الاقتصاد الكلي والاقتصاد العام والاقتصاد الصحي.

إعطاء الأولوية "للإصابات الخطيرة"

 حلت الأزمة الاقتصادية على الاقتصاد الإسرائيلي، وهو من دون قيادة اقتصادية قوية وموثوقة. إن شدة الأزمة وتجاوزاتها، بالإضافة إلى فراغ القيادة، دفعت معاهد البحوث والأكاديميين والاقتصاديين لطرح أفكار لا حصر لها حول كيفية تصرف الحكومة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية.

في الواقع، عندما تصادف هذه الأفكار، تبدو كأنها مأخوذة من عالم آخر واستخدمت فيها المفاهيم التي كانت تعتبر حتى قبل شهر من المحرمات لسنوات عديدة، مثل اقتراح البروفسور ياشيف، والبروفسور ليو ليدرمان أيضا، بأن يقوم بنك إسرائيل بطباعة الأموال للتعامل مع الأزمة. ويقترح معهد "كوهيلت"، المرتبط بالأفكار النيوليبرالية، إنقاذ المؤسسات المالية وعدم السماح لها بالسقوط حتى لو تطلب الأمر تأميمها. وتقترح مؤسسة بيرل كتسنلسون، التي تروّج لجدول أعمال اجتماعي ديمقراطي، أن تمول الدولة برنامجا بقيمة 180 مليار شيكل، لتقديم مساعدات للمصالح الاقتصادية والشركات، وللأجيرين، وأن تطرح الدولة سندات دين لتمويل هذه الميزانية.

ولدى المحاسب العام السابق أورن شوكي اقتراح أكثر تحفظا: ليس ضخ نقود جديدة، وإنما تقديم ضمانات حكومية بقيمة 100 مليار شيكل للقطاع المالي- شركات التأمين والبنوك وشركات بطاقات الائتمان وصناديق الائتمان. ويقول أورن إنه لا ينبغي للدولة أن تتدخل في أي شركة في خطط الاسترداد (بما في ذلك شركة العال)، بل بالأحرى إعطاء أدوات للسوق للقيام بما تعرفه وتقليل حصتها من تدفق السيولة.

قرار بنك إسرائيل العمل في السوق والخروج ببرنامج شراء سندات حكومية بقيمة 50 مليار شيكل، يعكس حقيقة أن هذه أوقات استثنائية. وللمقارنة، في الأزمة الاقتصادية لعام 2008، التي كانت مالية بشكل أساسي، اشترى بنك إسرائيل 18 مليار شيكل من السندات الحكومية. وأدى الإعلان عن البرنامج، في حينه، إلى تهدئة سوق السندات على الفور، حتى قبل تدخّل البنك المركزي الأوروبي فعليا، ويشير القرار أيضا إلى أهمية البيانات الملتزمة في هذا الوقت. وفي بعض الأحيان، يوفر الإعلان عن برنامج كبير تأثيرا كبيرا، ينعكس إيجابا على الأهداف المطروحة.

في هذا الوقت، تقدر وزارة المالية أن كلفة الأزمة حتى الآن تبلغ حوالي 30 مليار شيكل، نتيجة ارتفاع مخصصات البطالة، وإضافة ميزانية لوزارة الصحة، وإنشاء قرض ضمانات حكومية، وتأجيل تسديد مستحقات ضريبية.

في الأيام الأخيرة، طرحت الوزارة خطة اقتصادية بقيمة 80 مليار شيكل، لتسديد نفقات البطالة الطارئة المتفاقمة، وتقديم حلول مساعدة للشركات والمصالح الاقتصادية، بالإضافة إلى التدابير التي ستكون مطلوبة بعد عيد الفصح العبري، لإعادة بعض الشركات إلى وضعها الطبيعي. الأهداف المحددة هي إعداد نظام الرعاية الصحية لعدد أكبر من المرضى، وعزل من هم أبناء 65 عاما وما فوق، بشكل فعال مع توفير الخدمات لمنازلهم، والمزيد من الفحوصات لكشف المرضى، وفرض أنظمة وقائية في أماكن العمل المفتوحة، وفي المتاجر التي يسمح لها بفتح أبوابها.

ومن المتوقع أن توسع وزارة المالية فرص الحصول على قروض، بالأساس من البنوك، مقابل ضمانات حكومية، وضمان استثمارات مستقبلية قريبة، من تلك التي ترفع النمو الاقتصادي.

وضمن أمور أخرى، يجري فحص طرح جداول زمنية لمشاريع البنية التحتية مثل شق الطرق وبناء المستشفيات، الأمر الذي سيسمح بخلق فرص العمل، في عدة مجالات ومنها أيضا مجال إنتاج المواد الخام.

(عن "ذي ماركر"، بتصرف)

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية