لا شك في أن البحث في السنوات العشر التي تولى فيها بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة، من حيث أنه كان أحد العقود الكبيرة التي عايشها الاقتصاد الإسرائيلي أو كان الأكثر خيبة، هو بحث هام ومعقد ومتشعب جدا، ولذا فإنه سيكون بحثا عاصفا.

يعرض آفي سمحون، رئيس المجلس القومي للشؤون الاقتصادية في مكتب رئيس الحكومة، جانبا واحدا من الجدل: لماذا كان هذا عقدا ناجحا إلى درجة كبيرة. وسمحون صادق في كل كلمة وفي كل معطى، لكن هذا لا يمكن أن يلغي الانتقاد وخيبة الأمل الكبيرة لكل من يدعي أن هذا عقد خاسر.

ونسأل: هل كانت السنوات من 2009 وحتى 2019 عقدا ناجحا أم خاسرا؟ المعطيات الجافة تؤيد من دون شك مقولة أنه كان عقدا مذهلا. فمحافظ بنك إسرائيل المركزي الجديد أمير يارون لخّص هذه المعطيات في تقرير بنك إسرائيل عن العام 2018: النمو الاقتصادي في إسرائيل أعلى من النمو في الدول المتطورة، وبشكل متواصل منذ العام 2004. ونسبة التشغيل تسجل ذروة، وهي أعلى من المعدل القائم في منظمة التعاون بين الدول المتطورة OECD، والمذهل في هذا أننا وصلنا إلى هذه النتيجة سوية مع انخفاض البطالة إلى أدنى مستوى لها تاريخيا.

هذه "عجيبة تشغيل إسرائيلية"، وقعت منذ العام 2003. وهي كيف نجحنا في ضم عمال جدد إلى سوق العمل، غالبيتهم من العمال من الشرائح الضعيفة، مثل متقدمين في العمر وعرب وحريديم ونساء، دون أن يكون ثمن هذا زيادة في البطالة.

والظاهرة المذهلة لا أقل هو أننا لم نرتفع في عدد العاملين في الوقت الذي انخفضت فيه البطالة، وإنما أيضا في مجال الرواتب، وأن هذه الزيادات لم تكن على حساب الرواتب، التي ارتفعت باستمرار منذ العام 2010. ونتيجة انضمام عمال من الشرائح الضعيفة إلى سوق العمل، سوية مع ارتفاع الرواتب، بشكل خاص لدى الخُمس الأدنى في المعدلات الاقتصادية الاجتماعية، فقد تقلصت نسب الفقر، وتقلصت الفجوات.

ونتيجة لانخفاض التضخم المالي، وازدهار قطاع التقنية العالية، تحولت إسرائيل إلى دولة مصدّرة، وتجتذب استثمارات، وما يرافق هذا من احتياطي عملات أجنبية لدى إسرائيل بقيمة 115 مليار دولار، أكثر من أي دولة صغيرة بحجم إسرائيل، من أجل أن تشعر بالأمان من ناحية مالية.

وفي الملخص، فإن كل هذا جيد. ومن دون شك بإمكان نتنياهو أن يتعطّر بمعطيات العقد الزمني الأخير. وبحق يشعر مواطنوه بأمان اقتصادي وتشغيلي. والوضع العام للغالبية الكبير من مواطني إسرائيل ممتاز، وحتى وضع الفقراء في مسار التحسن. ولو كان نتنياهو رئيسا أميركيا لكانت له مكانة خاصة على المستوى القومي، كمن أنهى سنوات ولاية مع ازدهار اقتصادي، ونمو اقتصادي سريع، ومعدلات تشغيل عالية.

على الرغم من هذا، فإن قسما كبيرا من خبراء الاقتصاد يلخصون هذا العقد بأنه إضاعة للفرص، وهذا ليس من باب أنهم في حالة خصام مع رئيس الحكومة اليميني. وأحد أسباب خيبة أملهم هو أنه مع نهاية العقد، فإن قسما هاما من مقاييس الاقتصاد الإسرائيلي بدأ يُظهر ضعفا بشكل واضح، وهو العجز المتزايد في الموازنة العامة، وبالتالي فإن الدين العام عاد ليرتفع من ناحية كمية، وأيضا من حيث نسبته من إجمالي الناتج العام. كذلك فإن معدلات التشغيل توقفت، وبالأساس فإن النمو الاقتصادي توقف عند نسبة شبيهة في السنوات الأخيرة.

فليس من الحكمة أن النمو الاقتصادي في إسرائيل يرتفع بوتيرة أعلى من الدول المتطورة، وهذا لأن في إسرائيل معدلات الولادة أعلى بكثير من المعدلات في الدول المتطورة، وهذا من ناحية حسابية يرفع معدلات النمو. والمقارنة الاقتصادية الأهم هي حجم النمو بالنسبة للفرد. وفي هذا المقياس، فإن إسرائيل تراوح مكانها منذ سنين. فمنذ العام 2014 توقف معدل الناتج العام للفرد، وحتى أنه تراجع في أحيان بالمقارنة مع الدول المتطورة، وهذا سيء جدا للمستقبل.

وخيبة الأمل ليست فقط بسبب أن المقاييس الاقتصادية تظهر ضعفا في مجالات عدة؛ خيبة الأمل لدى غالبية خبراء الاقتصاد نابعة من الخوف من أن المعطيات ستواصل ضعفها، لأن نتنياهو لم يتخذ إجراءات بنيوية ذات شأن، قادرة على تحريك الاقتصاد الإسرائيلي إلى الأمام.

بتعبير أبسط، فإن العقد الزمني في ظل حكومات نتنياهو يظهر كمن نام مع إكليل من الغار. فقد كان عقدا ممتازا، لكنه كان ممتازا بفضل إجراءات قاسية ومؤلمة اتخذتها إسرائيل في عقود سابقة، وهذه ثمارها التي ظهرت في السنوات الأخيرة. أين هي الإجراءات الصعبة التي اتخذها نتنياهو في السنوات الأخيرة، والتي ستقطف ثمارها الأجيال اللاحقة؟ كانت إجراءات قليلة جدا.

واجب علينا الإشارة إلى أن نتنياهو اتخذ بعض الإجراءات العامة، التي من شأنها أن تمهد الأرضية لاستمرار النمو الاقتصادي الإسرائيلي مستقبلا. والإجراء الأكثر أهمية ونجاحا من بين هذه الإجراءات هو تحسين القدرات الإدارية في الحكومة، وتخفيض مستوى البيروقراطية، وهي إجراءات بدأت من خلال "قسم الحكم والمجتمع" في مكتب رئيس الحكومة في العام 2007، بمعنى منذ حكومة إيهود أولمرت، واستمر بنيامين نتنياهو في هذه المهمة.
وإلى جانب مكافحة البيروقراطية، يجب الإشارة إلى القفزة الحاصلة في الاستثمارات في البنى التحتية والمواصلات البرية والبحرية، وأيضا فإن أحد الإجراءات الشجاعة السياسية والاقتصادية لنتنياهو هو خطة استثمار 10 مليارات شيكل في المجتمع العربي، من أجل تقليص الفجوات والتمييز في الميزانيات، التي يعاني منها المجتمع العربي (يشار إلى أن الخطة التي تتحدث عنها الكاتبة هي خطة خمسية، والمبلغ المذكور يشمل ميزانيات قائمة أصلا في الموازنة العامة. وقد اعترف وزير المالية في حينه موشيه كحلون بأن المبلغ الإضافي لا يتعدى 5ر2 مليار شيكل، 690 مليون دولار، تقسم على خمس سنوات- المحرّر).

وبالإمكان أن نضيف إلى هذا قانون تقييد الاحتكارات، وأيضا القانون الذي ينظم الاحتكارات في قطاع الغاز، وما يرافق هذا من شروط التصدير والضرائب المترتبة عليه. وكذلك الجهود التي بذلت من أجل خفض غلاء المعيشة، من خلال توسيع نطاق الاستيراد، وإضافة إجراءات وقيود على الاحتكارات.

لقد كانت هناك إجراءات في السنوات العشر الأخيرة، لكن على نطاق ضيق. فلا يقترب أي من كل هذه الإجراءات من الإجراءات الضخمة التي دفعت بإسرائيل نحو مسارات النمو الاقتصادي. والمطلوب الآن إجراءات أضخم كي يواصل النمو ويزداد. ومن ضمن هذه الإجراءات العمل على زيادة الإنتاجية للفرد في العمل، وزيادة اندماج الحريديم في سوق العمل، وهذه قضايا لم تجد لها حلا، ومنها مشاكل تتفاقم.

وليس صدفة أن محافظ بنك إسرائيل المركزي الجديد عرض توقعات متكدّرة للمستقبل، فالبنك يتوقع تراجعا في نسب النمو، من حيث معدل الناتج للفرد، رغم أن ارتفاع النمو كان بوتيرة بطيئة حتى الآن. وهذا يعني بالنسبة لإسرائيل أنها أمام مرحلة سيتراجع فيها مستوى المعيشة، وستبتعد عن حلمها بأن تكون "واحدة من أفضل 15 دولة في العالم". وبحسب هذه التوقعات، ستكون أعجوبة إذا ما بقينا في المكان 23 في العالم.

لربما هناك من يستخف بتقديرات بنك إسرائيل، لكن هذه التقديرات شائعة أيضاً بين الكثير من خبراء الاقتصاد.

______________________________________

(*) محللة اقتصادية من صحيفة "ذي ماركر". ترجمة خاصة

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أغسطس 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية