المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
أحد أنصار حزب الليكود يحتضن ملصقًا دعائيًا لنتنياهو يوم الانتخابات. (وكالات)
أحد أنصار حزب الليكود يحتضن ملصقًا دعائيًا لنتنياهو يوم الانتخابات. (وكالات)
  • كلمة في البداية
  • 1
  • أنطوان شلحت

يمكن العثور في معظم التحليلات الإسرائيلية لنتائج انتخابات الكنيست، التي جرت يوم 27 تشرين الأول 2026، على خلاصتين يوجد بشأنهما اتفاق واسع: 

الأولى، أن هذه الانتخابات انطوت على هزيمة ساحقة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من جهة، وعلى معارضة ساحقة أيضًا لاستمرار حكم حكومته التي توصف بأنها المسؤولة عن أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، من جهة أخرى. 

الخلاصة الثانية، أن الانشغال الأساسي لنتنياهو ومعسكره بات منصبًّا الآن في محاولة سياسية لإعادة تشكيل البيئة التي ستُدار فيها المفاوضات على تشكيل الحكومة المقبلة. ويقف في صلب هذه المحاولة هدف مزدوج: نزع الشرعية عن الأحزاب العربية، ومنع تشكّل ائتلاف بديل يستطيع إنهاء حكم نتنياهو.

ومثلما أشير في أكثر من تحليل إسرائيلي، فإنه خلال الأشهر الستة الأخيرة انشغلت أبواق نتنياهو بحملة عنصرية تهدف إلى جعل الناخبين العرب وممثليهم غير شرعيين، بدءًا بافتراءات تزعم أن أطباء وممرضين وممرضات عربًا مارسوا التمييز ضد اليهود والجنود، وصولًا إلى اقتباسات متعددة تُنسب إلى قادة الجمهور العربي. والهدف، مثلما كتب محلل الشؤون الاستراتيجية رونين برغمان في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، هو "تعويدنا على اعتبار الإقصاء أمرًا بديهيًا، كأن الأمور كانت دائمًا على هذا النحو، وكأن نتنياهو نفسه لم يسعَ لتأليف حكومة بدعم من القائمة العربية الموحدة (في إثر انتخابات العام 2021) وكأن بتسلئيل سموتريتش لم يشهد عليه في تسجيل صوتي، قائلًا: ’ألم يرِد الذهاب مع الموحدة؟ بل أراد ذلك كثيرًا، وأنا الوحيد الذي وقف في وجهه’" (28/10/2026). في قراءة هذا المحلل، يكمن افتراض بسيط وعنصري في عمق هذه الحملة، فحواه أن قيمة الصوت العربي يجب أن تكون أقل، إذ "يُسمح للمواطن العربي بالتصويت، لكن يفضَّل ألّا يكون صوته مؤثرًا". وأشار إلى أن الحملة بلغت ذروة جديدة حين ربط نتنياهو التحذير من أن "الانتخابات تُسرَق منا" بالإعلان أن "صناديق الاقتراع العربية تشهد إقبالًا قياسيًا على الإطلاق"، في السياق نفسه، أشار أيضًا إلى شبهات بشأن شراء الأصوات. وهكذا جرى الربط بين شبهات ارتكاب مخالفة قانونية وبين ممارسة مشاركة ديمقراطية مشروعة تمامًا، كأن الأمرين يشكلان جزءًا من التهديد نفسه.

يتداخل مع مسار تأجيج الشكوك من التدخلات الخارجية والتزوير الانتخابي، مساران آخران في سياق معركة نتنياهو من أجل البقاء في السلطة هما: توظيف المؤسسة الأمنية في الصراع السياسي الداخلي، وإبقاء احتمال تجدّد الحرب مع إيران حاضرًا بوصفه عاملًا يمكن أن يؤثر في مسار تشكيل الحكومة.

بخصوص المسار الأول، أوردت تقارير إسرائيلية كثيرة دور ديوان نتنياهو في تمرير المعلومات إلى الشرطة وجهاز "الشاباك" في كل ما يتعلق بالتدخلات الأجنبية والتزوير الانتخابي. وبحسب ما أكد المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، إذا صحت المعطيات بشأن دور ديوان نتنياهو في تمرير المعلومات وتوجيه مسار نشرها، فإننا أمام مشكلة تتجاوز الخلافات السياسية المعتادة، وتتعلق بحدود الفصل بين السلطة التنفيذية والأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون وحماية الأمن العام (1/11/2026).

برأي هرئيل، يفترض بالأجهزة الأمنية والشرطة أن تعمل وفق معايير مهنية، وأن تكون قراراتها وإجراءاتها مستقلة عن الحسابات الحزبية والشخصية. لكن عندما يصبح ديوان رئيس الحكومة طرفًا في إنتاج المعلومات الأمنية وتوجيهها إلى الشرطة، ثم تتحول تلك المعلومات إلى مادة في حملة انتخابية، ينشأ تضارب خطير بين الوظيفة الرسمية والمصلحة السياسية.

وطرحت تحليلات أخرى أسئلة حول استقلالية رئيس جهاز "الشاباك" ديفيد زيني، والقائد العام للشرطة داني ليفي. وأشار البعض إلى أن الأجهزة الأمنية لا تفقد استقلالها بالضرورة من خلال تدخل مباشر وصريح، وإنما يمكن أن تتآكل استقلاليتها تدريجيًا عندما تصبح أولوياتها مرتبطة بحسابات القيادة السياسية، أو عندما تتردّد في اتخاذ مواقف مهنية تتعارض مع مصالح رئيس الحكومة.

لدى الانتقال إلى المسار الثاني، وهو توظيف التهديد الخارجي في الصراع الداخلي، يتم التركيز تحديدًا على احتمال تجدّد الحرب مع إيران، لطرح العلاقة المحتملة بين المأزق السياسي الداخلي لنتنياهو والتطورات العسكرية الإقليمية.

ووفقًا لعدة تحليلات إسرائيلية، يدرك نتنياهو أن نتائج الانتخابات تضعه أمام احتمال خسارة الحكم، وأن خصمه غادي أيزنكوت يسعى لاستثمار نتائجها من أجل تشكيل ائتلاف حكوميّ بديل. في المقابل، يبقى احتمال استئناف المواجهة مع إيران قائمًا، وسط تقارير عن استعدادات أميركية وإسرائيلية محتملة، وجهود قطرية لمنع التصعيد. وبموازاة ذلك يسعى نتنياهو للتأثير في حسابات واشنطن، وإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستئناف المواجهة العسكرية، في لحظة تتسم فيها الساحة الإسرائيلية بانتقال سياسي محتمل.

تكمن أهمية هذا الاحتمال في أن الحرب قد تغيّر بصورة جذرية جدول الأعمال الداخلي. فالتصعيد العسكري الواسع يمكن أن يؤدي إلى تأجيل الاستحقاقات السياسية، أو تعطيل المفاوضات الائتلافية، أو إعادة توحيد قطاعات من الجمهور حول القيادة القائمة تحت عنوان مواجهة الخطر الخارجي. هنا تظهر ما توصف بأنها "معضلة الديمقراطية الإسرائيلية في ظل الحروب المتكررة"، ومؤداها: هل تبقى القرارات الأمنية خاضعة للاعتبارات الاستراتيجية والمصلحة العامة، أم يمكن أن تتحول إلى أدوات في إدارة الصراع على السلطة؟

لا بُدّ أيضًا من التنويه بأن بعض التحليلات الإسرائيلية لم تغفل ما يجري في مناطق الضفة الغربية، حيث تتواصل هجمات المستوطنين على الفلسطينيين، باعتبار ذلك بمثابة جبهة إضافية من أجل بقاء نتنياهو.

يمكن استخلاص عدة نتائج رئيسة مما تقدّم:

أولًا، معركة نتنياهو لم تعد انتخابية فقط، بل أصبحت معركة على شرعية نتائج الانتخابات.

ثانيًا، يمكن اعتبار استهداف الأحزاب العربية جزءًا من الصراع على هوية الائتلاف المقبل. فالتشكيك في شرعية هذه الأحزاب يهدف عمليًا إلى تضييق خيارات "معسكر التغيير" (المعارضة)، وتقليص فرص تشكيل حكومة تستند إلى دعم عربي.

ثالثًا،  استقلال المؤسسة الأمنية بات قضية سياسية مركزية.

رابعًا، احتمال الحرب مع إيران يضاعف خطورة الأزمة الداخلية.

خامسًا، الفلسطينيون في الضفة الغربية يواجهون تداعيات تصعيد قد يتجاوز حدود الساحة الفلسطينية.

وثمة نتيجة أخرى تحيل إلى تأكيد أن الاختبار الحقيقي للديمقراطية الإسرائيلية هو احترام نتائج الانتخابات والحدود الفاصلة بين الدولة والحزب الحاكم. من خلال هذه النتيجة يرسم الذين يتبنونها صورة لأزمة تتجاوز مصير حكومة أو رئيس حكومة، لتطاول طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي وحدود استخدام أدوات الدولة في الصراع على السلطة.

فالمشكلة ليست في أن نتنياهو يريد البقاء في الحكم، وإنما في احتمال أن تصبح المؤسسات الأمنية، وشرعية المواطنين العرب السياسية، وحتى القرارات المتعلقة بالحرب والسلام، جزءًا من حسابات بقائه.

وإذا كانت الانتخابات قد أفرزت إمكانية تغيير الحكومة، فإن احترام هذا الاحتمال هو الاختبار الفعلي لالتزام القوى السياسية بقواعد الديمقراطية. أما تحويل المخاوف الأمنية إلى وسيلة لتعطيل الانتقال السياسي، أو استخدام التهديدات الخارجية لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، فيعني أن الأزمة لم تعد أزمة تشكيل حكومة فحسب، بل أيضًا أزمة في العلاقة بين السلطة والدولة، وبين الأمن والمصلحة الحزبية، وبين الديمقراطية والقدرة على قبول نتائجها.

السؤال الجوهري المطروح في الوقت الحالي هو: هل تستطيع إسرائيل إجراء انتقال سياسي وفق القواعد الديمقراطية، أم أن اعتبارات البقاء في السلطة لدى نتنياهو واليمين المتطرّف ستظل قادرة على استدعاء الأجهزة الأمنية والحروب والأزمات لتعطيل هذا الانتقال؟.

 

تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات