المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
الانتخابات الإسرائيلية تشعل أسئلة النزاهة والخصوصية في ضوء التطبيقات الذكية. (صحف)
الانتخابات الإسرائيلية تشعل أسئلة النزاهة والخصوصية في ضوء التطبيقات الذكية. (صحف)
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 3
  • ياسر مناع

أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية في 22 تشرين الأول 2026، أي قبل خمسة أيام من موعد انتخابات الكنيست الــ 26، قرارًا يحظر على ممثلي الأحزاب في لجان صناديق الاقتراع إحصاءَ المصوّتين بوسائل رقمية ونقلَ أعدادهم إلى مقارّ الحملات الانتخابية خلال يوم الاقتراع. وقد صدر هذا القرار بأغلبية قاضيين مقابل قاضٍ واحد، ليستكمل حكمًا سابقًا أصدرته المحكمة في 17 أيلول الماضي حظرت بموجبه نقل المعلومات المتعلقة بهوية المصوّتين، وذلك بعد أن سعى حزب الليكود إلى الالتفاف على ذلك الحكم من خلال تطبيق جديد يحمل اسم "نيتساحون 26" وهو نسخة معدّلة من تطبيق "إلكتور" الذي يعتمد عليه الحزب منذ سنوات في إدارة يوم الاقتراع.

يأتي هذا القرار بعد جدل استمر قرابة ثلاثة أشهر، بدأ بقرار رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، حظر استخدام التطبيق داخل مراكز الاقتراع، قبل أن تلغي الهيئة العامة للجنة، التي يحظى فيها الائتلاف الحاكم بالأغلبية، قراره. وفي وقت لاحق، أعادت المحكمة العليا تثبيت الحظر، لتنهي بذلك الخلاف حول استخدام التطبيق داخل مراكز الاقتراع، فيما استمر الجدل بشأن حدود استخدام الأحزاب لبيانات الناخبين خارجها.

تتجاوز أهمية هذه القضية الجانب التقني المتعلق باستخدام التطبيق لحشد الناخبين، إذ تطرح إشكاليات أوسع تتصل بحماية خصوصيتهم وسرية الاقتراع، واستخدام بياناتهم الشخصية في المنافسة الانتخابية وتأثيرها المحتمل في توزيع المقاعد، فضلًا عن الخلاف حول الجهة التي تملك صلاحية تحديد القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، في سياق الصراع المتواصل بين الحكومة الحالية والجهاز القضائي في إسرائيل. وهذا ما ستتناوله هذه المساهمة.

"إلكتور"... من أداة انتخابية إلى قاعدة بيانات سياسية

ظهر تطبيق "إلكتور/ Elector" في إسرائيل العام 2018 بعد نحو عامين من بدء تطويره على يد المبرمجين الإسرائيليين تسور يامين وشاي غفعاتي، اللذين استلهما فكرته من تجربتهما في الحملات الانتخابية المحلية العام 2013. وأسس الاثنان شركة "إلكتور للبرمجيات" في أيار 2018، حيث طرحا التطبيق للاستخدام خلال الانتخابات البلدية في العام نفسه قبل أن يتوسع نشاطه إلى الانتخابات البرلمانية والحزبية.

يهدف هذا التطبيق إلى مساعدة الأحزاب والمرشحين في إدارة حملاتهم من خلال جمع بيانات الناخبين وتصنيف توجهاتهم السياسية وتنظيم عمل الناشطين، بما يسمح بتوجيه جهود الحشد نحو الفئات التي تستهدفها كل حملة، وبحسب الشركة المبرمجة، فقد استخدمت 53 حملة انتخابية خدمات الشركة خلال عامها الأول.

تقوم آلية عمل "إلكتور" على إنشاء قاعدة بيانات تستفيد من سجل الناخبين الذي تحصل عليه الأحزاب بموجب القانون ثم يضيف الناشطون إليها معلومات عن الأشخاص الذين يعرفونهم، ويصنفونهم بحسب مواقفهم السياسية بين مؤيدين ومترددين ومعارضين. وخلال الانتخابات السابقة، أتاح التطبيق لمندوبي الأحزاب داخل مراكز الاقتراع تسجيل أسماء الذين حضروا للتصويت، وإرسال المعلومات مباشرة إلى مقرات الحملات، لتتمكن من تحديد المؤيدين الذين لم يدلوا بأصواتهم بعد والتواصل معهم أو توفير وسائل نقل لهم. وقد شكلت هذه الخاصية محور الخلاف القانوني الذي انتهى بحظر نقل بيانات حضور الناخبين من مراكز الاقتراع إلى الأحزاب في أيلول 2026.

بدأ الاستخدام الواسع للتطبيق داخل الليكود خلال انتخابات آذار 2020، بعدما ساهم رئيس بلدية اللد - يائير ريفيفو - في إدخاله إلى الحملة الانتخابية للحزب. وسرعان ما اكتسب أهميةلدى قيادة الليكود، إذ نسب ريفيفو إليه الفضل في زيادة حصيلة الحزب بما يتراوح بين أربعة وخمسة مقاعد، مشيرًا إلى مشاركة نحو عشرين ألف ناشط في استخدامه لحشد الناخبين. وفي السنوات التالية، واصل الحزب تطوير اعتماده على هذه الآلية حتى أصبحت البيانات عنصرًا أساسيًا في إدارة حملاته. وبحسب تقرير في صحيفة "هآرتس"، أنشأ الليكود عبر التطبيق قاعدة معلومات تضم نحو مليون من ناخبيه واستعان بالمعلومات الواردة منها في توجيه تحركات بنيامين نتنياهو خلال أيام الاقتراع في الجولات السابقة.

غير أن توسع استخدام التطبيق رافقته إشكالات تتعلق بحماية البيانات الشخصية. ففي شباط 2020، كشف الباحث في أمن المعلومات - ران بار زيك - عن ثغرة أمنية أتاحت الوصول إلى بيانات نحو 6.5 ملايين ناخب إسرائيلي، شملت أسماءهم وأرقام هوياتهم وعناوينهم إلى جانب معلومات إضافية عن بعضهم، بينها أرقام الهواتف والتوجهات السياسية. 

أثارت الحادثة تساؤلات قانونية بشأن سماح الأحزاب لشركة خاصة بالوصول إلى سجل الناخبين واستخدامه، خصوصًا أن القانون يقيد تداول هذه البيانات ويحدد الأغراض المسموح باستخدامها من أجلها. وفي كانون الثاني 2021، أعلنت سلطة حماية الخصوصية التابعة لوزارة العدل أن شركة "إلكتور" وحزبي الليكود و"إسرائيل بيتنا" خالفوا قانون حماية الخصوصية، بعد تحقيق كشف عن ثغرات أمنية وإخفاقات في حماية المعلومات.

من قرار سولبرغ إلى نقض الهيئة العامة للجنة

في الرابع من آب 2026، أصدر رئيس لجنة الانتخابات المركزية - القاضي نوعام سولبرغ - قرارًا يحظر على أعضاء لجان الاقتراع والمراقبين الحزبيين نقل معلومات عن الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم إلى أحزابهم خلال يوم الانتخابات. واستند القرار إلى رأي قانوني من جامعة تل أبيب خلص إلى أن اطلاع أعضاء لجان الاقتراع على بيانات الناخبين يهدف إلى ضمان نزاهة العملية الانتخابية، ولا يمنحهم حق استخدامها لخدمة الحملات الحزبية. 

واعتبر سولبرغ أن المعلومات المتعلقة بمشاركة الناخب في التصويت، بما فيها توقيت اقتراعه ومركز الاقتراع تدخل ضمن نطاق الحماية التي يوفرها قانون حماية الخصوصية، موضحًا أن قراره يستند إلى التشريعات القائمة من دون أن يتناول القواعد التي يمكن اعتمادها مستقبلًا.

أثار القرار اعتراضات حادة داخل الائتلاف الحاكم، إذ اتهم وزير الاتصالات شلومو كرعي القاضي سولبرغ بالتعامل مع لجنة الانتخابات باعتبارها امتدادًا للمحكمة العليا، مؤكدًا أن معسكره سيحصل على المعلومات بوسائل أخرى. وفي إثر ذلك، لجأ الليكود إلى المحكمة العليا للطعن في القرار. وفي جلستها المنعقدة في الثاني من أيلول، تجنبت المحكمة الخوض في جوهر الخلاف، وقررت أن الهيئة العامة للجنة الانتخابات وليس رئيسها منفردًا تملك صلاحية البت في المسألة. 

بناءً على ذلك، أعادت الملف إلى اللجنة التي صوّتت في السادس من أيلول على إلغاء الحظر بأغلبية 19 عضوًا مقابل 11 وامتناع ثلاثة أعضاء. وخلال المناقشات، برر المستشار القانوني لليكود - إيلان بومباخ - اعتراض الحزب بأن استعداداته الانتخابية اعتمدت على استمرار تلقي المعلومات من لجان الاقتراع.

أولوية الخصوصية على متطلبات الحملات الانتخابية

لم يصمد قرار الهيئة العامة للجنة الانتخابات طويلًا، ففي 17 أيلول 2026 قررت المحكمة العليا الغاء القرار، وأكدت أن نقل معلومات عن هوية الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم من داخل مراكز الاقتراع يشكل انتهاكًا خطيرًا للخصوصية، ويخالف البند 2(9) من قانون حماية الخصوصية. وشمل الحظر جميع وسائل نقل المعلومات، سواء عبر التطبيقات الرقمية أو الأساليب التقليدية، مثل التسجيل اليدوي والرسائل النصية. 

أثار الحكم اعتراضات داخل الائتلاف الحاكم، إذ اتهم وزير العدل ياريف ليفين قضاة المحكمة باستحداث قواعد قانونية جديدة بهدف توسيع صلاحياتهم، فيما اعتبر حزب "الصهيونية الدينية" أن القرار يستهدف إضعاف قدرة أحزاب اليمين على حشد مؤيديها وتشجيعهم على التصويت. 

عاد الخلاف إلى المحكمة بعدما سمح القائم بأعمال المدير العام للجنة الانتخابات بنقل أعداد المشاركين في الاقتراع بدون الكشف عن هوياتهم. فقد طعنت حركة "حراس الديمقراطية الإسرائيلية" في هذا الإجراء، وفي 22 تشرين الأول، أصدرت المحكمة حكمًا جديدًا يحظر العد الرقمي داخل مراكز الاقتراع. واعتبر أحد القضاة أن السماح بنقل هذه الأعداد من شأنه الالتفاف على الحظر السابق وإفراغه من مضمونه، وهو ما يعكس إصرار المحكمة على منع الأحزاب من استخدام المعلومات التي تجمعها لجان الاقتراع لخدمة حملاتها الانتخابية.

قاعدة البيانات خارج مراكز الاقتراع

بعد أيام من حكم المحكمة العليا في أيلول 2026، أعاد الليكود إطلاق تطبيق "إلكتور" خلال مؤتمر لناشطيه، مؤكدًا امتلاكه وسائل قانونية تتيح مواصلة استخدامه. واعتمد الحزب آلية جديدة تقوم على جمع المعلومات خارج مراكز الاقتراع، إذ يستطيع الناشط تنزيل التطبيق وربطه بجهات الاتصال في هاتفه، وتصنيف معارفه وفق توجهاتهم السياسية ثم متابعة مشاركتهم في التصويت بصورة مباشرة. كما طرح الليكود نسخة مخصصة لانتخابات 2026 باسم "نيتساحون 26"، وظهر بنيامين نتنياهو في مقاطع دعائية يدعو فيها أنصاره إلى استخدامها.

أثار التطبيق الجديد تساؤلات بشأن حماية المعلومات الشخصية، بعدما أجرى موقع "العين السابعة" تجربة كشفت أن الناشط الذي يحصل على صلاحية أساسية يستطيع الوصول إلى بيانات جميع المسجلين في النظام، وأن إجراءات التسجيل تسمح باستخدام شريحة هاتف مجهولة الهوية واسم مستعار. وأظهرت التجربة أن قاعدة بيانات الليكود تتضمن معلومات عن التوجهات السياسية لأشخاص لم يوافقوا على جمعها، ما يثير إشكالات قانونية تتعلق بمصدر هذه المعلومات وطرق تداولها.

في موازاة ذلك، كشفت صحيفة "هآرتس" يوم 20 تشرين الأول 2026 أن عددًا كبيرًا من أمناء لجان الاقتراع لم يتلقوا تعليمات واضحة بشأن الحظر القضائي خلال الدورات التدريبية التي شاركوا فيها. وأفادت بأن لجنة الانتخابات المركزية وسلطة حماية الخصوصية تعتزمان فحص خوادم التطبيقات الانتخابية للتحقق من التزام الأحزاب بقرارات المحكمة.

تصاعد الجدل بعدما تقدمت "حركة حراس الديمقراطية" بشكوى إلى المستشارة القانونية للحكومة، استندت فيها إلى إفادة المسؤول السابق عن الحوسبة في الليكود - دودي ريختر - الذي ادعى أن التطبيق قد يتيح تسجيل ما يجري داخل مراكز الاقتراع، وهو ما نفته الشركة المشغلة بصورة قاطعة. ولم يقتصر استخدام هذه التقنيات على الليكود، إذ أشارت "هآرتس" إلى اعتماد معسكر معارضي نتنياهو تطبيقًا مشابهًا، يرى خبراء أن استخدامه يثير بدوره تساؤلات قانونية لم تحسمها التشريعات القائمة.

من يحدد قواعد يوم الاقتراع؟

تثير قضية "إلكتور" إشكالية تتعلق بالجهة التي تملك صلاحية تحديد قواعد العملية الانتخابية في إسرائيل، في ظل ثغرات تشريعية لم تواكب التطور في استخدام البيانات الشخصية. فقانون الانتخابات يسمح للأحزاب بالحصول على سجل الناخبين لأغراض انتخابية محددة، لكنه لا ينظم بصورة كافية جمع المعلومات عن توجهاتهم السياسية أو استخدام التطبيقات لمتابعة مشاركتهم في الاقتراع. وأمام هذه الثغرات، اعتمدت المحكمة العليا على قانون حماية الخصوصية لتقييد ممارسات الأحزاب، فيما حاول الائتلاف الحاكم الاستفادة من أغلبيته في لجنة الانتخابات لإلغاء القيود. 

سبق أن تناول المعهد الإسرائيلي للديمقراطية هذه الإشكالية في دراسة أصدرها في آذار 2026 بعنوان "الخصوصية والانتخابات: استعدادًا لانتخابات 2026"، تناول فيها استخدام الأحزاب للبيانات الشخصية والتطبيقات الرقمية في حملاتها. ودعت الدراسة إلى تعزيز الرقابة على جمع معلومات الناخبين ومعالجتها، وإلزام الأحزاب والشركات المشغلة للتطبيقات بتقييم مخاطر الخصوصية واتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيانات وضمان نزاهة العملية الانتخابية. 

من المرجح أن يستمر الجدل حول هذه القضية بعد الانتخابات، خصوصًا وأن الليكود سعى منذ آب الماضي إلى الدفع بتشريع يسمح مجددًا باستخدام التطبيق داخل مراكز الاقتراع، وطلب من أحزاب المعارضة التعاون في صياغته. وفي المقابل، تتواصل المطالبات بالتحقيق في طرق جمع البيانات الشخصية التي تحتفظ بها الأحزاب ومدى التزامها بالقانون. ويكشف هذا الخلاف عن تحول المعلومات المتعلقة بالناخبين إلى قضية سياسية وقانونية تتجاوز إدارة الحملات الانتخابية، وترتبط بالصراع بين الحكومة الحالية والجهاز القضائي في إسرائيل.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات