المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 8
  • برهوم جرايسي

كرر رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في الأيام الأخيرة، نيته التنازل عن الدعم العسكري الأميركي، لكن بشكل تدريجي، حتى بعد عشر سنوات، وهذه المرّة الثانية التي يصرّح بها نتنياهو بهذه الفكرة، إذ سبق تصريح مشابه له، في شهر أيار من العام الماضي 2025، ولاقى حملة انتقادات واسعة في الصحافة الاقتصادية، وأيضًا بعد هذا التصريح لاقى انتقادات، لكن من جهة أخرى، ظهرت تحليلات تقول إن نتنياهو استبق موقفًا متوقعًا للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لخفض مستوى الدعم الأميركي، في حين رأى أحد المحللين، بأن إسرائيل في الظروف القائمة، لا تستطيع التنازل عن دعم يعادل نصف بالمئة (0.5%) من حجم الناتج العام، وقال محلل آخر إنه آن الأوان لتبدأ إسرائيل "علاجًا من إدمانها على الدعم الأميركي"، الذي فاق حجمه بالمجمل منذ مطلع سنوات الخمسين 330 مليار دولار.

وقال نتنياهو في مقابلة مطولة مع مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، إنه يعتزم إنهاء اعتماد إسرائيل بشكل كامل على المساعدات العسكرية، التي تتلقاها من الولايات المتحدة، في غضون عقد من الزمن. وقال، "أريد تقليص المساعدات العسكرية خلال السنوات العشر المقبلة"، وأجاب بالإيجاب عندما سُئل عما إذا كان الهدف هو القضاء على الاعتماد. وأضاف أن هذه الخطوة "جارية بالفعل".

وتابع قائلًا إن إسرائيل "بلغت مرحلة النضج"، وطورت قدرات اقتصادية هائلة، ومن المتوقع أن يصل حجم اقتصادها إلى تريليون دولار في العقد المقبل. وأضاف نتنياهو قائلا: "نريد أن نكون مستقلين قدر الإمكان"، وأكد أنه سيواصل "النضال من أجل ولاء ودعم الشعب الأميركي، لكن الاستقلالية الأكبر ستساعد أيضًا في مكافحة ’الحرب الدعائية’ ضد إسرائيل"، بحسب تعبيره في المقابلة ذاتها.

جاء هذا التصريح بعد ثمانية أشهر على تصريح سابق، أطلقه نتنياهو في شهر أيار العام الماضي، خلال جلسة للجنة الخارجية والأمن البرلمانية في الكنيست، بقوله "إن على إسرائيل التخلي عن الدعم العسكري الأميركي"، الذي يبلغ سنويًا 3.8 مليار دولار، ولا يشمل الدعم الاستثنائي المتكرر، وآخره دعم الحرب على الشعب الفلسطيني بأكثر من 14 مليار دولار.

تاريخ الدعم وحجمه أيضا في الحرب

حسب التقارير الإسرائيلية التي ظهرت في أعقاب هذين التصريحين، يتبين أن إسرائيل تلقت منذ مطلع سنوات الخمسين من القرن الماضي، وحتى العام الماضي 2025، دعمًا ماليًا إجماليًا قارب 330 مليار دولار، وهناك من قال إن الدعم التراكمي منذ العام 1946، وحتى العام الماضي 2025، قارب 335 مليار دولار، من بينها حوالى 250 مليار دولار كدعم عسكري، وهذا لا يشمل مشاريع تطوير الأسلحة المشتركة بين الجانبين. وهو تعاون يشكل ركيزة أساسية في الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

كذلك من أصل 335 مليار دولار، تلقت إسرائيل 86 مليار دولار كدعم اقتصادي، لكن بنيامين نتنياهو، في ولاية حكومته الأولى، في النصف الثاني من سنوات التسعين، طلب وقف المساعدات الاقتصادية، لأنها كانت تقلل من المكانة الاقتصادية لإسرائيل أمام العالم، لكن هذا جاء في أوج فترة ازدهار اقتصادي إسرائيلي، كثمرة للانفراج السياسي في سنوات التسعين، في ظل المفاوضات والاتفاقيات، التي نسفها نتنياهو لاحقًا بنهجه المتطرف.

في العام 2016، في السنة الأخيرة للرئيس باراك أوباما، تم التوقيع على اتفاقية دعم عسكري أميركي لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار، توزع على عشر سنوات، وتنتهي مع نهاية العام 2028، إذ أن الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ في العام 2019. وبحسب تقارير ليست رسمية، سعى نتنياهو لاحقًا، في ظل ولاية ترامب الأولى، إلى تحسين الاتفاقية وزيادة الدعم لكنه لم ينجح.

مع شن إسرائيل الحرب على الشعب الفلسطيني، في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أقرت إدارة جو بايدن دعمًا عسكريًا استثنائيًا لإسرائيل بقيمة 14.2 مليار دولار. وهذا الدعم المباشر، لم يشمل الدعم اللوجستي العسكري الأميركي لإسرائيل، مثل تحريك قوات وأساطيل وحاملات سفن للمنطقة، والهجمات المتكررة على مدى عام ونصف العام على اليمن، ولا الدعم بعدة مليارات في الحرب القصيرة على إيران، في شهر حزيران العام الماضي، لهذا قدرت تقارير غير رسمية أن حجم الدعم العسكري الأميركي المباشر وغير المباشر لإسرائيل في حربها، تجاوز 26 مليار دولار، لكن كما ذكر هذه تقديرات ليست رسمية.

ما هي خلفية تصريح نتنياهو؟

يرى المحلل السياسي إيتمار آيخنر، في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن "نتنياهو لم يُدلِ بهذه التصريحات بمعزل عن السياق، بل في ظل مخاوف إسرائيلية من أن الرئيس ترامب، في ظل الوضع الراهن في الولايات المتحدة، لن يكون قادرًا، وربما لن يرغب، في إقرار اتفاقية مساعدات عسكرية واسعة النطاق أخرى، كتلك التي أبرمها الرئيس باراك أوباما العام 2016، وهي اتفاقية مدتها عشر سنوات دخلت حيز التنفيذ عام 2018 ومن المقرر أن تنتهي عام 2028".

وتابع آيخنر: "يبدو أن نتنياهو أراد استباق الموقف، إذ يوجد في المجتمع الأميركي طرفان يعارضان استمرار المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل. أحدهما هو اليسار الراديكالي، مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، اللذين يعارضان تقديم المساعدات لإسرائيل، انطلاقًا من تصورات أيديولوجية، تُعارض استخدام الأسلحة الأميركية لإلحاق الضرر بالمدنيين والاحتلال". والجانب الآخر، بحسب آيخنر، هم أعضاء حركة "أميركا أولًا" ضمن حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA) المؤيدة للرئيس ترامب، وهي تيار انفصالي يقول: لسنا مضطرين لتمويل أمن أي جهة، ونريد الحصول على مقابل. هذه هي الحال مع أوكرانيا واتفاقية المعادن، وكذلك مع أوروبا، حيث ترفض الولايات المتحدة تمويل أمنها بينما تستثمر فيه بشكل ضئيل، وتعتمد على واشنطن لحمايته. لذلك، تطالب الولايات المتحدة جميع أعضاء الناتو بزيادة استثماراتهم في الأمن.

أما خلفية تصريح نتنياهو في مقابلته مع مجلة "الإيكونوميست"، أيضًا بحسب الكاتب آيخنر، "فتتمثل في وجود عناصر داخل الحزب الجمهوري تعتقد أن على الولايات المتحدة ألا ’تنقذ العالم’. ويقود هذا التوجه نائب الرئيس جي. دي. فانس، الذي يقول إنه إذا أرادت الدول مساعدات، فيجب أن تكون في إطار مشاريع مشتركة".

ويضيف: "هذا هو جوهر ما يقوله نتنياهو: إسرائيل لا تريد المزيد من المساعدات أو التبرعات، بل المزيد من التعاون. لقد تمّ بالفعل التعاون في الاتفاقية الحالية، على سبيل المثال منظومتي الصواريخ ’حيتس’ و’القبة الحديدية’، اللتين استفادت الولايات المتحدة بشكل كبير من تطويرهما. هذا هو التوجه الذي يقوده نتنياهو: خفض تدريجي للمساعدات العسكرية والتحول نحو التعاون في القضايا الأمنية، وهو ما يصب في مصلحة كل من إسرائيل والولايات المتحدة".

وختم آيخنر كاتبًا: "يُثار التساؤل حول كيف مُنحت إسرائيل، في ظل إدارة أقل تعاطفًا كإدارة أوباما، اتفاقية سخية للغاية، وكيف تُبادر إسرائيل إلى خفض مساعداتها الأمنية بعد أحداث 7 أكتوبر والحرب على سبع جبهات". وأضاف: "في مواجهة هذه التهديدات، كان من المرجح أن تطلب إسرائيل مساعدات إضافية، تمامًا كما زادت ميزانية الجيش، لكن يبدو أن نتنياهو قد توصل إلى استنتاج مفاده أن فرص الحصول على زيادة، أو حتى على المبلغ نفسه على الأقل ضئيلة، وفضّل التوجه نحو ترامب. وقد يكون هذا مرتبطًا أيضًا بالتجربة المريرة التي مرت بها إسرائيل في مساعيها لخفض الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب عليها".

الدولة الأكثر دعمًا من جانب الولايات المتحدة

يقول المحلل الاقتصادي، شلومو تايتلبويم، في مقال له في صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية: "إن إسرائيل هي الدولة التي تلقت أكبر قدر من المساعدات الأميركية منذ العام 1946. وبحلول العام 2024، بلغ حجم المساعدات حوالى 331 مليار دولار، منها 86 مليار دولار مساعدات مدنية، (مع العام الماضي 2025 تكون قاربت 335 مليار دولار- المحرر). هذا مبلغ ضخم على مدى سنوات عديدة، ويصعب تصوره. لكن هناك مبلغ آخر، يسهل تصوره، وهو المساعدات الأميركية التي قُدمت لإسرائيل خلال عامي الحرب".

ويتابع تايتلبويم: "بلغت قيمة المساعدات خلال عامي الحرب حوالى 22 مليار دولار. وتوزعت على النحو التالي: 3.8 مليار دولار سنويًا، وأكثر من 14 مليار دولار في حزمة مساعدات خاصة، 3.5 مليار دولار للمشتريات العسكرية في الولايات المتحدة، و5.2 مليار دولار لأنظمة الدفاع، و4.4 مليار دولار لتجديد المخزونات الأميركية التي نُقلت إلى إسرائيل". 

"وهناك 2.4 مليار دولار أخرى لم تُحتسب لأنها استُخدمت في العمليات الأميركية في المنطقة نتيجة للحرب. ويُعادل مبلغ 22 مليار دولار حوالى 70 مليار شيكل، أي ما يُقارب 25% من تكلفة الحرب التي بلغت حوالى 300 مليار شيكل. بعبارة أخرى، من الناحية العملية، لو لم تستفد إسرائيل من المساعدات الأميركية في الحرب، لكان عليها زيادة إنفاقها بعشرات المليارات. وهذا يعني أن الضرائب المفروضة علينا كانت ستكون أعلى، وعجز الموازنة الحكومية كان سيزداد، وتخفيضات الخدمات العامة كانت ستكون أوسع نطاقا".

ويقول تايتلبويم إنه لا ينبغي الاستهانة بنسبة 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ يبرر نتنياهو هذه الخطوة بقوله: "لقد وصلنا إلى مرحلة طوّرنا فيها قدرات هائلة، وسيبلغ اقتصادنا تريليون دولار خلال عقد من الزمن، وهذا ليس اقتصادًا ’صغيرًا’. ويُؤمل أن يكون نتنياهو يستخدم هذا التبرير كأداة في المفاوضات مع الأميركيين، ولتخفيف وطأة المرسوم الذي فرضه الرئيس ترامب، لأنه إذا كان نتنياهو يقصد حجة اقتصادية أو إدارية، فهي حجة واهية للغاية. أولا، لا ينبغي لقائد دولة أن يستهين بنسبة 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي حالة نتنياهو، فإن هذا التبرير غير مقنع أيضًا. وتُظهر الشهادات العديدة المتعلقة بسلوك نتنياهو الشخصي أنه ينتمي إلى الفئة الأكثر حرصًا على تطبيق المثل القائل ’القرش يساوي مائة’. ونتوقع منه أن يتصرف بهذه الطريقة مع أموالنا أيضًا".

هل على إسرائيل التخلص من الدعم الأميركي؟

يسأل المحلل الاقتصادي، سامي بيرتس، في مقال له في صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية: هل على إسرائيل علاج نفسها من الإدمان على الدعم الأميركي؟ ويكتب: "بلغت المساعدات الأمنية لإسرائيل مستويات قياسية. فإلى جانب اتفاقية المساعدات الأصلية، التي كانت تبلغ 3.8 مليار دولار سنويًا حتى العام 2028، قدمت الولايات المتحدة أيضًا 17 مليار دولار كمساعدات لإسرائيل خلال الحرب (الاختلافات في حجم الدعم هي بحسب تقديرات المحللين الذين نوردهم هنا). ويشمل هذا المبلغ التجديد الكامل لمنظومة الدفاع الجوي (حيتس، والقبة الحديدية، ومقلاع داود)، وتمويل تطوير نظام حيتس الليزري. كما أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على الهجوم على إيران وعلى المشاركة في الدفاع الجوي الإسرائيلي ضد الهجمات الإيرانية".

وقال بيرتس إنه "من المقرر أن تبدأ قريبًا مناقشات حول تجديد اتفاقية المساعدات الأمنية، في حين يدّعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب خفض الإنفاق الأميركي على الأمن، في جميع أنحاء العالم (من دون تحقيق نجاح يُذكر حتى الآن). يأتي هذا في وقت يسعى فيه نتنياهو جاهدًا لتعزيز علاقته الشخصية مع ترامب، الذي يعمل نيابة عنه للحصول على عفو من الرئيس إسحق هيرتسوغ".

وأضاف بيرتس: "ينبغي دراسة تصريح نتنياهو في ضوء تطورات أخرى، إذ يسعى ترامب إلى زيادة صادرات الصناعات الدفاعية الأميركية، ويروّج لصفقات ضخمة مع السعودية والإمارات وتركيا. ولا تقتصر المساعدات الأميركية على إسرائيل فحسب، بل تشمل أيضًا الصناعات الدفاعية الأميركية: فإذا توقفت المساعدات لإسرائيل، سيقلّص ذلك مشترياتها من الولايات المتحدة، وهو ما لن يلقى ترحيبًا من جانب الصناعات الدفاعية الأميركية. مع ذلك، إذا اقترن توقف المساعدات باتفاقيات ضخمة مع السعودية وتركيا، فسيكون ذلك بمثابة تعويض ضخم".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات