أوراق إسرائيلية

سلسلة أوراق تتناول ملفات راهنة في المشهد الإسرائيلي وتغطيها من زوايا مختلفة.
نحو انتخابات 2026: تنافس داخل اليمين لإعادة تشكيل السياسة بعد 3 أعوام من الحرب
  • أوراق إسرائيلية
  • تصفح الملف

ظلّ المشهد السياسي والحزبي في إسرائيل خلال العام 2025 خاضعاً، بدرجة حاسمة، لتداعيات الحرب على قطاع غزة وامتداداتها على جبهات أخرى، حتى بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار، واستمرت حالة الحرب في نظم الحياة السياسية والحزبية الإسرائيلية، والمحدد المركزي لتموضعات الحكومة والمعارضة، ولمحاور النقاش العام وحدود الاختلاف داخل النظام السياسي.

ومع أن أحزاب المعارضة واصلت توجيه انتقادات إلى الحكومة، فإن هذه الانتقادات بقيت، في معظمها، محصورة في مستوى إدارة الحرب وأدائها وكلفتها، من دون أن تتطور إلى موقف يعارض الحرب نفسها أو يطالب بتسوية سياسية للقضية الفلسطينية. وفي المقابل، لم تطرح الحكومة الإسرائيلية، حتى أواخر شباط 2026، أي خطة سياسية متماسكة لما يسمى "اليوم التالي" للحرب على قطاع غزة، بما يعكس تمسكها بخيار القوة، لا بوصفه أداة عسكرية وأمنية فقط، بل أيضاً كآلية سياسية داخلية ترتبط ببنية الائتلاف الحاكم وبحسابات البقاء الشخصي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

وقد ترافق ذلك مع إنهاك الجيش الإسرائيلي في مهمات ميدانية لم تُحدث، بحسب تقديرات عدد من المحللين العسكريين والخبراء الأمنيين، تحولاً فعلياً في شروط إنهاء الحرب أو في إمكان بلورة مخرج سياسي لها، بل أسهمت، في الوقت نفسه، في إضعاف مكانة إسرائيل الدولية وتوسيع نطاق الانتقادات الموجهة إليها خارجياً. وفي الداخل، تصاعدت المطالب باستكمال التحقيقات المتعلقة بالحرب وتحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية عنها من خلال تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وهو ما واصل نتنياهو والحكومة رفضه، فيما يعكس إدراكاً متزايداً لدى دوائر الحكم بأن الانتقال إلى مسار تحقيق رسمي قد يفتح الباب أمام أزمة شرعية سياسية أوسع تمس قدرة الحكومة الحالية على إدارة المرحلة اللاحقة للحرب، وعلى الاستمرار في الحكم من دون مراجعة بنيوية أعمق.

ولا يقتصر أثر هذا الرفض على تعطيل مسار المساءلة، بل يكشف أيضاً عن أزمة شرعية متصاعدة داخل مؤسسات الدولة الإسرائيليةنفسها. فالحرب لم تفتح فقط نزاعاً بشأن المسؤولية عن الإخفاقات، بل عمّقت كذلك التوتر بين الحكومة، والمؤسسة الأمنية، والجهازالقضائي، والمستشارة القانونية، ووسّعت الشكوك المتبادلة بشأن حدود الصلاحية والقرار والمساءلة. ومن ثم، لم تعد إسرائيل تدخلالمرحلة الانتخابية المقبلة وهي تواجه أزمة قيادة سياسية فقط، بل أيضاً أزمة ثقة وشرعية تمس بنية الدولة ومؤسساتها وآليات عملها.

إلى جانب ذلك، بقيت التقديرات السياسية والحزبية في إسرائيل معلقة، إلى حد كبير، على الولاية الحالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل توقعات واسعة داخل أوساط اليمين الإسرائيلي بأن توفر هذه الإدارة فرصاً أكبر لدفع أجنداته الإقليمية، ولا سيما فيما يتعلق بإيران والضفة الغربية. وقد برزت رهانات واضحة على إمكان توظيف التحول في واشنطن لدفع مشاريع اليمين الإسرائيلي قدماً، وفي مقدمها مشروع ضم الضفة الغربية. لكن طريقة تدخل ترامب في مسار وقف الحرب في غزة، والضغوط التي مارسها على مختلف الأطراف، بما في ذلك نتنياهو، أظهرت أن سقف التوقعات الإسرائيلية من الإدارة الأميركية الجديدة قد لا يكون مفتوحاً على النحو الذي راهن عليه اليمين، وأن العلاقة الوثيقة مع واشنطن لا تعني، بالضرورة، منح إسرائيل تفويضاً غير محدود لإدارة سياساتها الإقليمية والفلسطينية من دون قيود أو حسابات.

ضمن هذا السياق، مثّلت سنة 2025 لحظة إضافية في مسار ترسخ اليمين وتحوله إلى القوة المهيمنة التي يتحرك في ظلها معظم الفاعلين السياسيين في إسرائيل. فلم يعد الانقسام الحزبي يدور، في جوهره، بين مشروعين متعارضين، بقدر ما بات يدور داخل فضاء سياسي مضبوط، إلى حد بعيد، بسقف اليمين وأولوياته الأيديولوجية. وهذا التحول لا يرتبط فقط بهجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب وتداعياتها، بل يستند أيضاً إلى متغيرات اجتماعية وديموغرافية متراكمة أسهمت في إعادة إنتاج ميزان قوى يميني يصعب كسره انتخابياً. ويعني ذلك أن الانتخابات المقبلة، المتوقع عقدها في خريف 2026، لن تكون مواجهة بين اليمين وخصومه، بل ستكون صراعاً داخلياً تحت سقفه، بين تيار أقصى اليمين الذي يقوده نتنياهو، وتيار يمين-وسط يقوده نفتالي بينيت، يجتمع أقطابه أساساً حول هدف معارضة نتنياهو أكثر مما يجتمعون حول مشروع أيديولوجي بديل.

بطبيعة الحال سيكون هناك تأثير للحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران بدءاً من يوم 28 شباط 2026- والتي تبعتها حرب أخرى شنتها إسرائيل على لبنان- على مستقبل نتنياهو السياسي، وهو تأثير سوف يتوقف إلى درجة كبيرة على نتائج هاتين الحربين من جهة وعلى تكلفتهما الداخلية من جهة أخرى. وما يمكن قوله حتى الآن أن تأثيرهما في هذا الشأن في المدى الحالي إيجابيّ، نظراً إلى أن نسبة دعم الحرب داخل المجتمع الإسرائيلي كانت عالية جداً، فضلاً عن أن الحرب على إيران أعادت تقديم نتنياهو كـ "السيّد أمن" وتسببت بتهميش قضايا داخلية وفي مقدمها الإخفاق المرتبط بأحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وملفات الفساد.  

بالرغم من ذلك يمكن التقدير بأن العامل الحاسم يبقى نتيجة الحرب على إيران. وفي هذا الصدد لا بُدّ من أن نشير إلى أن نتنياهو رفع سقف التوقعات من هذه الحرب حيث تحدث حول القضاء على ما يوصف بأنه "التهديد الإيراني" وحول تغيير النظام ما يفتح المجال أمام أن تفسّر أي نتيجة للحرب أدنى من ذلك بأنها بمثابة فشل استراتيجي. كما أنه لا بد من التنويه بأن نتنياهو بدأ منذ الآن يعد العدّة لتحميل المسؤولية عن هذه النتيجة الأدنى من التوقعات إلى جهات أخرى في مقدمها المؤسسة الأمنية والاستخباراتية ولا سيما جهاز الموساد مثلما يجري التلميح في وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية. ومثل هذه السيرورة حدثت سابقًا في صراعات بين رؤساء حكومات والمؤسسة الأمنية في إسرائيل (مثلاً: حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وحرب لبنان الأولى 1982).

يستعرض الفصل التالي ديناميات المشهد السياسي الإسرائيلي ووجهتها في ثلاثة محاور رئيسية. يعالج المحور الأول ترسخ الانزياح نحو اليمين والعوامل التي تؤثر في ثباته سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الديموغرافي. ويخصص المحور الثاني لقراءة المشهد الحزبي عشية انتخابات 2026، من خلال رصد وتحليل مواقع القوى الأساسية واتجاهات الاصطفاف والتنافس بينها. أما المحور الثالث، فيتناول أزمة الشرعية داخل مؤسسات الدولة ومحاور الصراع التي يُرجح أن تحدد مسار المرحلة المقبلة، وذلك في ضوء تداخل الحرب، وأزمة المساءلة، واستمرار الاستقطاب السياسي الإسرائيلي.

ينشر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) تقريره الاستراتيجي للعام 2026، الذي يرصد المشهد الإسرائيلي خلال العام 2025، عبر نشر فصوله بصورة منفصلة ومتتابعة على الموقع الإلكتروني. ويأتي هذا الأسلوب في النشر في ضوء التطورات المتسارعة التي شهدها المشهد الإسرائيلي، ولا سيما اندلاع الحرب الإسرائيلية-الأميركية مع إيران وحزب الله في نهاية شباط/فبراير 2026، وما رافقها من تحولات قد تحمل أبعادًا استراتيجية بعيدة المدى. ومن شأن النشر التدريجي للفصول أن يتيح متابعة أكثر دقة ومرونة لهذه التحولات، وأن يواكب النقاشات المستجدة حول مآلاتها السياسية والأمنية والإقليمية.

المصطلحات المستخدمة:

الموساد, بنيامين نتنياهو, نفتالي بينيت

أوراق اسرائيلية

أحدث الأعداد