المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • عبد القادر بدوي

في ظلّ المشهد الإقليمي المتحرّك، الذي تتداخل فيه جبهة لبنان مع ارتدادات الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، ولا يزال وقف إطلاق النار أقرب إلى ترتيب هشّ منه إلى تسوية قابلة للتثبيت لاحقًا، تكتسب مسيّرات حزب الله الموجّهة بالألياف الضوئية أهمية تتجاوز حجمها التقني وتأثيرها المحدود، حيث لا تُقاس بقدرتها التدميرية، ولا بكونها بديلًًا عن الصواريخ أو المسيّرات بعيدة المدى، وإنما بما تكشفه من تحوّل في طبيعة التهديد الذي يواجه إسرائيل في جبهة القتال الشمالية. 

أمام هذا النمط من السلاح، تبدو بعض عناصر التفوق الإسرائيلي التي تراكمت على مدار أكثر من عامين منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة وطاولت جبهات أخرى منها لبنان أقل فاعلية: التشويش الإلكتروني، الإنذار المبكر، والاعتراض عالي التكلفة. في هذا السياق، تتناول هذه المساهمة هذا النوع من المسيرات من حيث قدراتها، القلق الإسرائيلي المتنامي حيال استخدامها الناجح والمستمر من قبل مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان، وخطورتها في الجبهة اللبنانية وإمكانية انتقالها إلى جبهات قتال أخرى.

بدايةً، من المهم الإشارة إلى أن مسيّرات حزب الله الموجّهة بالألياف الضوئية لا يمكن عدّها سلاحًا أكثر تدميرًا من الصواريخ والقذائف التي كان يستخدمها الحزب في الدفاع منذ بدء الحرب على لبنان، لكن أهميتها تبرز في أنها باتت تتحدى قدرات إسرائيل وفي واحدة من أكثر نقاط تفوقها حساسية: الهيمنة الإلكترونية (شبه المطلقة)، الإنذار المبكر، التشويش، والاعتراض عالي التكلفة، وصحيح أنها لا تلغي التفوق العسكري الإسرائيلي المتراكم، إلا أنها باتت تجبر الجيش على العمل خارج شروطه المريحة: خارج مجال التشويش، وخارج زمن الإنذار الكافي، وخارج معادلة الدفاع المتفوّق تكنولوجيًا أمام هجوم رخيص ومتكرر ومستمر وسط غياب حلول فعالة. 

نتيجة لذلك، يمكن القول إن هذا النوع من المسيرات تحول إلى أحد أهم مركبات استراتيجية "الاستنزاف الذكي" التي يعتمدها الحزب منذ سريان الهدنة الهشّة في جنوب لبنان بعد وقف الحرب على إيران، وذلك على الرغم من كونها أداة صغيرة، محدودة المدى نسبيًا، لكنها قادرة على رفع كلفة الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان بشريًا واقتصاديًا، وتقييد حركة الجيش، وإرباك منظومة الحماية الميدانية، وإنتاج أثر نفسي وعملياتي يفوق حجمها وكلفتها بكثير.

ما هي مسيّرات الألياف الضوئية؟

مسيّرات الألياف الضوئية هي في الغالب من نوع  FPV لكنها نسخة أكثر تطورًا من مسيّرات FPV الصغيرة، حيث تُوجه من منظور الكاميرا المثبتة في مقدمتها، وهو ما يتيح للمشغّل أن يرى تمامًا ما تراه المسيّرة، ويوجّهها لحظة بلحظة نحو الهدف، وهذا ما يكسبها ميزة حقيقية تتمثل بطريقة الاتصال بينها وبين المشغّل، فبدلًا من الاعتماد على البث اللاسلكي أو إشارات GPS القابلة للتشويش، تظل المسيّرة مرتبطة بالمشغّل عبر كابل ألياف ضوئية رفيع يمتد خلفها في أثناء الطيران، حيث يقودها مقاتلو الحزب من منظور الشخص الأول عبر كاميرا أمامية، ما يمنحه قدرة على المناورة وملاحقة الأهداف وتعديل المسار في اللحظة الأخيرة وهذه النقطة بالضبط هي جوهر التهديد؛ فالألياف الضوئية تسمح بنقل الصورة والأوامر من دون بثّ راديوي تقليدي، ما يجعل المسيّرة أكثر صعوبة في الرصد الإلكتروني للجيش الإسرائيلي، وأكثر مقاومة للتشويش الذي تبثه الرادارات الاسرائيلية. بالنسبة للجيش الإسرائيلي، تكمن خطورة هذا النوع من المسيرات الذي بات يسمى بـ "الدرون الاستراتيجي" في "الصمت الاستراتيجي" الذي لا يمنح منظومات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية الإشارة التي اعتادت التقاطها أو تعطيلها، بالإضافة إلى أنها تجمع بين تكلفة منخفضة لا تتجاوز غالبًا بضع مئات من الدولارات، وسرعة قد تقترب في بعض النماذج من 200 كيلومتر في الساعة، وحمولة متفجرة صغيرة لكنها دقيقة الأثر تتراوح ما بين 10-15 كليو غرامًا.

متى بدأ هذا النوع بالظهور؟

من المهم التمييز بين تاريخ التقنية نفسها ولحظة ظهورها في ساحة القتال في جنوب لبنان، ففكرة توجيه أدوات قتالية بالألياف الضوئية ليست جديدة تمامًا، إلا أنها اكتسبت أهميتها الحديثة بفعل الحرب الروسية- الأوكرانية، حيث أصبحت المسيّرات الرخيصة، ومنها المسيّرات المرتبطة بالألياف، جزءًا يوميًا من القتال والاستنزاف، فقد ظهر هذا النمط في أوكرانيا كردّ عملي على بيئة عسكرية مشبعة بالحرب الإلكترونية في مواجهة روسيا. أما في حالة حزب الله، فتشير المعطيات إلى أن الحزب بدأ باستخدام مسيّرات FPV منذ بداية الحرب، لكنها تحولت في الجولة الحالية- وتحديدًا منذ وقف الحرب العسكرية المباشرة على إيران- إلى واحدة من أدوات الهجوم المركزية، وتحولت مع الوقت إلى وسيلة الضغط المركزية على قوات الجيش الإسرائيلي التي تحتل المنطقة المعروفة بـ "الخط الأصفر" بالإضافة إلى بلدات الشمال التي ظلت تحت تهديد الصواريخ والمسيرات منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. 

لماذا يعد هذا النوع من المسيرات خطيرًا من المنظور الإسرائيلي؟

من المنظور الإسرائيلي، فإن الخطورة الأولى لهذا النوع من المسيرات تكمن في قدرتها على تقويض جدوى التشويش الإلكتروني، حيث بنت إسرائيل جزءًا مهمًا من "تفوقها الدفاعي" على قدرتها على السيطرة على المجال الكهرومغناطيسي: كشف الإشارات، اعتراضها، تعطيلها، أو التشويش عليها. لكن مسيّرة لا تبث بالطريقة التقليدية ولا تعتمد على GPS تقلل فاعلية الدفاع إلى حدّه الأدنى، وهو ما يمكن أن يتحول، عاجلًًا أم آجلًًا، إلى إحدى مشكلات الجيش الإسرائيلي على أكثر من جبهة، وفقًا لصحيفة calcalist. 

من ناحية ثانية، تكمن خطورة هذا النوع من المسيرات في كونها تعطل من فعالية زمن الإنذار، حيث أن هذه المسيّرات صغيرة الحجم نسبيًا، وتحلق غالبًا على ارتفاعات منخفضة، وتتحرك في بيئة قريبة من قوات الجيش، لذلك، لا تمنح الوسائل الدفاعية التقليدية حتى وقتًا طويلًا للتعامل معها والتصدي لها. بعبارات أخرى، إذا كان اعتراض صاروخ أو طائرة مسيّرة كبيرة يتم وفقًا لمنظومات إنذار واعتراض متعددة الطبقات، فإن مسيّرة من هذا النوع تقترب من آلية أو تجمع للجنود الإسرائيليين قد تفرض على القوات ردًا فوريًا خلال ثوانٍ، وغير فعّال في معظم الحالات.

أما من الناحية الاقتصادية، فتعد تكلفة هذا النوع من المسيرات منخفضة جدًا مقارنة بكلفة احتمالات الدفاع ضدها، ووفقًا للمعطيات، فإن بكرة ألياف ضوئية لمدى 10 كيلومترات تُباع على منصات تجارية صينية بنحو 300 دولار، بينما تكلف أنظمة الاتصال اللاسلكي المتقدمة أضعاف ذلك، وهذه الفجوة لا تعني أن المسيّرة رخيصة فقط، بل أيضًا، قد تدفع إسرائيل إلى إنفاق موارد أكبر بكثير لمواجهة تهديد أرخص وأكثر قابلية للتكرار والاستمرار.

أهمية هذه المسيرات في الحرب الحالية 

يدرك الجيش الإسرائيلي أن الحرب التي يشنّها ضد لبنان معقدة وليست شبيهة بالجبهات الأخرى لكثير من الأسباب، وفي ما يتعلق بهذا النوع من المسيرات، فقد بات يتكون لديه إدراك متأخر، بأنها جزء مهم من منظومة استنزاف ميدانية متعمّدة ولا تعمل بشكل منفصل عن تصور الحزب للحرب الدائرة واستجابته لها، لا سيما منذ بداية الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، ومن ثم لبنان.

بحسب القراءات الإسرائيلية، فإن ما يميز هذا النوع من المسيرات، التي بات يعتمد عليها الحزب بكثرة إلى جانب الكمائن والصواريخ، هو أنها لا تحتاج إلى إحداث دمار واسع كي تكون فعالة، ويكفي أن تجعل كل حركة عسكرية إسرائيلية أكثر حذرًا، وكل تمركز أكثر تكلفة من الناحية البشرية والمادية، وكل آلية عرضة لهجوم مفاجئ، مع استمرار غياب الحلول الدفاعية الفعالة (على الأقل حتى وقت كتابة هذه المساهمة).

من ناحية ثانية، فإن استخدام هذه المسيّرات بكثرة مؤخرًا، يسمح لحزب الله بزيادة الضغط على الجيش الإسرائيلي المتوغل في جنوب لبنان وبتكلفة منخفضة جدًا، مع أثر نفسي مضاعف على الجنود بسبب صعوبة اعتراضها قبل الإصابة، وهذا التطور يمكن فهمه ضمن مسار تعلّم وإدراك أوسع، يرتبط بخبرة حزب الله السابقة، وبالدروس المستخلصة من الحرب الروسية-الأوكرانية، وبالدعم المعرفي والتكنولوجي القادم من إيران، وهو ما دفع بعض القراءات الإسرائيلية لمقارنتها مع صواريخ الكورنيت في حرب لبنان الثانية، على الرغم من كون المقارنة غير دقيقة من حيث طبيعة السلاح، لكنها مفهومة من حيث الأثر الذي تحدثه، أو المتوقع مستقبلًا في حال عجز الجيش عن مواجهتها: سلاح تكتيكي محدود قد يجبر الجيش على تغيير طريقة حركته وتمركزه في جنوب لبنان، وحسابات البقاء فيه مستقبلًا.

بناءً على ذلك، فإن النقاش الإسرائيلي يتجاوز البحث عن حلول لإسقاط مسيّرة من هذا النوع بعينها ويصل للبحث عن كيفية بناء منظومة دفاعية قادرة على حماية قوات الجيش المتوغلة في جنوب لبنان في منطقة قتال واسعة ومتغيرة، وهذا هو جوهر المشكلة، حيث يبدو الحل المطلوب أكبر بكثير من تجربة محدودة، بل قادرًا على حماية كل مركبة وآلية، تجمعات الجيش، ثكنات عسكرية، وكل موقع عسكري أمام هجمات الحزب المستمرة التي تطاول مستوطنات الشمال أيضًا. 

خطر الانتشار إلى ساحات أخرى

بحسب القراءات الإسرائيلية، فإن خطورة هذا النوع من المسيرات ربما ستزداد في ظل استمرار غياب الحلول، وجدواها من ناحية حزب الله، بما يحولها لنموذج قابل للاستنساخ بين الساحات المتعددة، ولا يقتصر فقط على جنوب لبنان وحزب الله، حيث أن التجربة اللبنانية قد تمنح التنظيمات الفلسطينية درسًا عملياتيًا، بموجبه، يمكن لأداة صغيرة، رخيصة، ومعدّلة محليًا أن تتجاوز جزءًا من منظومات التفوق الإسرائيلي وتشكل تحديًا لها، خاصة في بيئات الاحتكاك القريب. وقد أشار معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب لهذا القلق مبكرًا، وتحديدًا منذ شباط 2024، إذ أكّد أن مسيّرات FPV التي برزت في الحرب الروسية- الأوكرانية بدأت تدخل ساحات المواجهة مع إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، باعتبارها وسيلة دقيقة وسريعة وقليلة الكلفة، وقد ظهر ذلك في قطاع غزة خلال هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، حين استخدمت حماس مسيّرات لإسقاط ذخائر على دبابات ومواقع ومنظومات مراقبة إسرائيلية، كاشفةً بذلك هشاشة بعض أدوات الحماية الثابتة أمام تهديد جوي صغير ومنخفض الارتفاع.

ووفقًا للمعهد، فإن هذا التهديد قد يكتسب حساسية مضاعفة في الضفة الغربية، وذلك بسبب قِصر المسافات وكثافة الاحتكاك وقرب المستوطنات والحواجز والمواقع العسكرية من المدن والبلدات والمخيمات، حيث يتم استحضار حادثة سقوط مسيّرة رباعية المحركات في مستوطنة "يتسهار" شمال الضفة الغربية، في كانون الثاني 2025، كـ "جرس إنذار" للمؤسسة الأمنية، كونه يشير إلى تطور في منحنى التعلم والقدرات المحلية، لذلك، تبدو خطورة النموذج في قابليته للتكيّف مع ساحات مختلفة: في غزة ضمن خبرة قتالية قائمة أساسًا، وفي الضفة ضمن تهديد ناشئ قد لا يحتاج إلى مدى بعيد أو بنية عسكرية معقدة، كما يلخص المعهد.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات