يشهد البرلمان الإسرائيلي، الكنيست، هذا الأسبوع، حالة غير مسبوقة في تاريخه، بمحاولة حل الكنيست، واجراء انتخابات مبكرة ببضعة أسابيع قليلة، وحتى في أحد السيناريوهات، قد يكون ببضعة أيام قبل موعدها القانوني، إذ أن واحدة من كتلتي اليهود الحريديم، يهدوت هتوراه (الأشكنازية)، تلقت أمرًا من الزعيم الروحي لأحد أحزابها بفك الشراكة كليا مع بنيامين نتنياهو، بسبب عدم حل إشكالية قانون فرض الخدمة العسكرية على الشبان الحريديم، فتقدمت كتل المعارضة بمشاريع قوانين لحل الكنيست، ومن المفروض أن يصوت عليها الكنيست، من حيث المبدأ، هذا الأسبوع، ثم أعلنت كتل الائتلاف من جانبها تقديم مشروع قانون مواز، إلا أن أنباء ذكرت أن نتنياهو يريد أن تجري الانتخابات "المبكرة" في شهر تشرين الأول، بمعنى قبل أيام من الموعد القانوني، 27 من الشهر ذاته؛ في المقابل، تكثّف الحراك الحزبي نحو الانتخابات المقبلة.
معروف أن الموعد القانوني للانتخابات البرلمانية هو 27 تشرين الأول المقبل، وفي حال جرت الانتخابات في ذلك اليوم، تكون هذه أول مرّة منذ 38 عاما تجري فيها الانتخابات في موعدها القانوني، والمرّة السادسة، منذ أول انتخابات جرت في العام 1949.
لكن ما حدث في الأسبوع الماضي، هو أن الزعيم الروحي لحزب "ديغل هتوراه" (عَلم التوراه)، الحزب الأكبر في تحالف يهدوت هتوراه للحريديم الأشكناز، عبّر عن غضبه، بعد أن أعلن بنيامين نتنياهو أن الكنيست لن ينجز نهائيا قانون تجنيد شبان الحريديم، "المخفف"، حتى الانتخابات المقبلة، وأمر نواب حزبه بفك الشراكة كليا مع نتنياهو، والعمل على حل الكنيست. إلا أن الحريديم كلهم يعلمون أن لا بديل لهم عن هذه الحكومة، في شأن تجنيد شبانهم، إذ أن المعارضة تريد قانونا متشددا من ناحية الحريديم، بقصد مساواة شبان الحريديم بباقي الشبان اليهود.
يظهر جليا أنه لا وحدة في الموقف بين كتلتي الحريديم، وقالت الأنباء إن الزعيم السياسي لحزب شاس للحريديم الشرقيين، آرييه درعي، الرجل القوي في السياسة الإسرائيلية، يتحفظ مع حزبه من خطوة يهدوت هتوراه، ويحاول رأب الصدع، ثم قالت أنباء إن درعي قد يقبل بإجراء الانتخابات في 15 أيلول المقبل، لكن هذا التاريخ إشكاليّ من حيث تصادمه مع فترة الأعياد اليهودية، التي تستمر قرابة 24 يومًا، وطرحه لهذا التاريخ يدل على توجهه.
تبكير موعد الانتخابات شائك
كي يتم حل الكنيست، فإن الهيئة العامة تصوت على القانون في ثلاث جولات، في حال كانت المبادرة من كتل برلمانية وليس من الحكومة، إذ يتم التصويت عليه أولا بالقراءة التمهيدية، وهذا عمليا سيكون يوم الأربعاء 20 أيار الجاري، ثم ينتقل إلى اللجنة الإدارية للكنيست، لإعداده للقراءة الأولى، وفي صلب بحث اللجنة، الاتفاق على تاريخ ليوم الانتخابات، ثم يعود للهيئة العامة للكنيست للتصويت عليه بالقراءة الأولى، ثم يعود للجنة لإعداده للقراءة النهائية، ثم ينتقل نهائيا إلى الهيئة العامة للتصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة.
والمدة الزمنية لهذا المسار التشريعي يسيطر عليها الائتلاف الحاكم، فإن رغب بالإمكان إنجاز المسار في غضون يوم واحد، كما حصل عدة مرات، لكن بقدرته في حال حافظ على الأغلبية، أن يماطل، وحتى أن يوقف المسار، في حال تم حل الإشكال داخل فريق الائتلاف.
وبموجب القانون القائم، فإن الانتخابات تجري بعد 90 يوما من يوم حل الكنيست، بمعنى إذا انتهى التشريع حتى 1 حزيران، فإن التاريخ القانوني هو 1 أيلول، لكن علّمت التجارب أن لجنة الانتخابات المركزية تحتاج إلى لا أقل من 4 أشهر حتى إجراء الانتخابات، وأيضا بموازاتها، فإن الأحزاب تحتاج إلى وقت حتى ترتب أمورها، وكي تكون لديها مساحة زمنية جيدة لحملتها الدعائية.
وعادة جرت كل الانتخابات في فترة ما بين 5 أشهر إلى 6 أشهر من يوم حل الكنيست، وفقط في حالة أو حالتين جرت الانتخابات بعد 4 أشهر، وكانت آخرها خلال الجولات الانتخابية الخمس المتلاحقة، ما بين ربيع 2019 وحتى خريف 2022.
وكون أن الفرز النهائي للانتخابات يحتاج من يومين إلى ثلاثة أيام، حتى صدور النتائج النهائية، ومع حاجة تفادي "قدسية السبت" قبل وبعد يوم الانتخابات، فقد عدنا إلى الرزنامة العبرية، ووجدنا أن التاريخ المتاح في شهر أيلول هو 1 الشهر، يليه 7 أيلول، وهو يوم اثنين، رغم أن الانتخابات تجري عادة أيام ثلاثاء، لكن حدث مرتين أو ثلاث مرات أن كانت الانتخابات أيام اثنين، واخترنا 7 أيلول، كي يتم تفادي نهاية الأسبوع، التي تتزامن مع عيد رأس السنة العبرية، الذي يستمر يومين، إضافة الى مساء اليوم السابق.
من الصعب حاليا معرفة كيف ستتدحرج الأمور في الأيام المقبلة، لكن بين ما يريده نتنياهو، في شهر تشرين الأول، وبين اقتراح درعي في 15 أيلول، وبين احتياجات لجنة الانتخابات المركزية، فإن التقدير الواقعي، هو أن تجري الانتخابات في موعدها، أو قبل ذلك بأسبوعين، وتبقى جميع الاحتمالات واردة.
تحالفات مستجدّة في صفوف المعارضة الصهيونية
تجري بين قوى المعارضة الصهيونية محاولات عدة لإقامة تحالفات انتخابية، من باب توحيد القوى، ومنع تسريب أو ضياع أصوات في حسابات النتائج النهائية، وحتى الآن نذكر اندماج حزبي العمل وميرتس ("يسار صهيوني") في حزب جديد أطلقا عليه اسم "حزب الديمقراطيين"، ويترأسه نائب رئيس هيئة الأركان الأسبق للجيش، يائير غولان، إذ أن حزب العمل تهاوى في الانتخابات الأخيرة، إلى أدنى تمثيل يمكن أن يكون في الكنيست، 4 أعضاء، فيما خسر حزب ميرتس التمثيل كليًا بعدد قليل جدا من الأصوات، وبالتالي يمكن القول إن قوة هذين الحزبين في الانتخابات الأخيرة كانت عمليا، في الحسابات الجافة، 8 مقاعد، وهو يحصل في استطلاعات الرأي العام على ما بين 9 إلى 11 مقعدا، وأحيانا أكثر.
والتحالف الثاني، الذي هو تحالف انتخابي أبرم قبل أقل من شهر، بين حزبي "يوجد مستقبل"، بزعامة يائير لبيد، والحزب الجديد الذي أقامه رئيس الحكومة الأسبق، نفتالي بينيت، الرئيس الأسبق لمجلس مستوطنات الضفة الغربية؛ إلا أن مجموع ما يحصل عليه الحزبان في استطلاعات الرأي العام ما بين 25 إلى 26 وأحيانا 27 مقعدا، وهذا أقل من مجموع ما كان يحصل عليه الحزبان منفردين، بمعدل 30 مقعدا. إذ أن هذا التلاقي لا يعني إقناع كامل جمهور المصوتين لكليهما، لأنه يعكس تجانسا سياسيا بين زعيمي الحزبين، لكن بموازاة اختلافات مجتمعية إسرائيلية، لا يمكن غض الطرف عنها، وهذا انعكس في نتيجة التحالف، الذي قد يخسر أكثر لاحقا.
هذا التلاقي ليس غريبا على لبيد وبينيت، اللذين أبرما تفاهمات بينهما، مع وصولهما إلى الكنيست لأول مرّة، في انتخابات مطلع العام 2013، وفي مركز تلك التفاهمات تحييد كتلتي الحريديم، ثم التقيا في حكومة مشتركة دامت عاما واحدا (2021- 2022).
جاء هذا التحالف بعد أن شهد حزب نفتالي بينيت جمودا في استطلاعات الرأي العام، مع ميل للتراجع الزاحف، في حين أن حزب "يوجد مستقبل" بزعامة لبيد، الذي حقق في انتخابات خريف العام 2022 قفزة أعادته إلى النتائج التي حققها في أول انتخابات له في العام 2013، بحصوله على 24 مقعدا، تهاوى في استطلاعات الرأي العام، بعد أسابيع قليلة جدا من تلك الانتخابات، ووصل إلى "حضيض" بمعدل 7 مقاعد، في استطلاعات السنة الأخيرة.
بموازاة ذلك، تجري اتصالات في الفريق المعارض، إلا أنه من الصعب رؤية تحالفات جدية من شأنها أن تغيّر اتجاه النتائج، إذ يجري الحديث عن اتصالات بين قائد هيئة الأركان العامة الأسبق، غادي أيزنكوت، الذي أسس حزبا جديدا، وأفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، إلا أنه كما ذكر، فمن الصعب رؤية تحالف كهذا، بسبب فروقات ليست سهلة في النهج والخطاب، وأيضا نظرا لطبيعة ليبرمان، الذي لم ينفك يوما عن اليمين الاستيطاني، إلا أنه عاد إلى مربعه الأول، بمنافسة القوى الأشد تطرفا في هذا اليمين.
ضبابية وحتى تعثّر في تشكيل "القائمة المشتركة"
لا تزال ضبابية، إلى درجة التعثر، مسألة إعادة تشكيل القائمة المشتركة، لتضم 4 قوى سياسية قائمة في المجتمع العربي، والتي حسب الاستطلاعات، في حال تشكيلها، فإنها ستحصد ما بين 15 إلى 16 مقعدا، في حين أن استطلاعات الرأي العام تمنح الكتلتين اللتين تتمثلان حاليا في الكنيست 10 مقاعد، وهذه المقاعد الزائدة من شأنها أن تُحدث تغييرا جديا في توزيع المقاعد لباقي الكتل.
الخلاف الأساس يدور حول ما تريده الحركة الإسلامية- الجناح الجنوبي، بذراعها الحزبي "القائمة العربية الموحدة"، بزعامة عضو الكنيست منصور عباس، الذي يريدها قائمة "تقنية"، بمعنى تتفكك في اليوم التالي للانتخابات إلى كتلتين أو أكثر، لأنه معني بالانضمام إلى الحكومة التي ستنشأ بعد الانتخابات، على الرغم من إعلان وتكرار قادة أحزاب الحكومة السابقة، التي كان عباس شريكا فيها، رفضهم لتكرار التجربة، كما أن عباس يرفض اتفاقا سياسيا يكون أساسا جوهريا لتحالف القائمة المشتركة، على غرار ما كان في العام 2015.
في المقابل فإن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي يطلبان تحالفا سياسيا قائما على برنامج سياسي في حد أدنى، وملزم.
إصطفافات في معسكر اليمين المتطرف
في المقابل تجري اصطفافات، أو محاولات اصطفافات انتخابية جديدة، من بينها ما أعلن عنه رسميا وهو إقامة تحالف انتخابي جديد، بين عضوي كنيست سابقين، من اليمين الأشد تطرفا، موشيه فيغلين من حزب الليكود سابقا، وكان عضو كنيست لدورة واحدة، وأحد قادة حركة "كاخ" المحظورة شكليا، ميخائيل بن آري، وهو أيضا كان عضو كنيست لدورة واحدة، ومنعت المحكمة العليا ترشحه في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ربيع العام 2019، بسبب إدانته بتصريحات عنصرية وغيرها.
من شأن هذا التحالف، في حال خاض الانتخابات فعلا بقائمة مستقلة، أن يزيد من "ضياع" الأصوات من معسكر اليمين الاستيطاني الأشد تطرفا، الذي أبرز أحزابه حاليا "قوة يهودية" ("عوتسما يهوديت")، بزعامة الوزير إيتمار بن غفير، في حين أن الحزب الثاني، "الصهيونية الدينية"، بزعامة الوزير بتسلئيل سموتريتش، يتأرجح في استطلاعات الرأي العام عند نسبة الحسم، إذ أن الغالبية الساحقة من هذه الاستطلاعات تتوقع عدم تمكنه من اجتياز تلك النسبة، وخسارة تمثيله البرلماني الحالي.
في هذه الحالة، واستنادا للتجارب مع نهج نتنياهو، بشكل خاص في السنوات السبع الأخيرة، فعلى الأغلب سيتدخل نتنياهو بقوة لمنع ضياع أصوات من معسكره الحاكم، ومن الصعب رؤية الحل النهائي لهذه القضية.
من جهة أخرى، ظهرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية أنباء عن مساعي بين من يمكن وصفهم بـ "خائبي نتنياهو" في الليكود، لتشكيل حزب أو تحالف انتخابي جديد، يخوض الانتخابات المقبلة، ومن بينهم وزير المالية الأسبق موشيه كحلون، الذي غادر الليكود وشكل حزبا جديدا، ثم انحل وغادر السياسة، وعضو الكنيست والوزير الأسبق جلعاد أردان، الذي شغل منصب سفير في واشنطن، وسفير في الأمم المتحدة، وكان من وصف هذين المنصبين بأنهما بمثابة إبعاد نتنياهو له عن الحلبة السياسية الداخلية، وعضو الكنيست الحالي يولي إدلشتاين الذي أقصاه نتنياهو عن الحكومة الحالية، ثم أسند له رئاسة لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، وأقصاه عن هذا المنصب في صيف العام الماضي، بسبب موقفه من قانون فرض الخدمة العسكرية على شبان الحريديم، المخالف لموقف الحريديم ونتنياهو.
لكن فرص هذا الاصطفاف، إذا ما تم فعلا، في اجتياز نسبة الحسم، ضئيلة، إذا لم نقل معدومة، إلا إذا تم توسيع هذا الاصطفاف ليشمل أسماء أخرى، مثل النائب السابق يوعز هندل، الذي شكّل حزبا تحت اسم "جنود الاحتياط"، ولكن هذا الحزب لا يجتاز نسبة الحسم في جميع استطلاعات الرأي العام.
المصطلحات المستخدمة:
الصهيونية, بتسلئيل, لجنة الخارجية والأمن, كاخ, الليكود, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو, يائير لبيد, نفتالي بينيت