افتتح الكنيست الإسرائيلي هذا الأسبوع دورته الصيفية، التي قد تكون واحدة من أكثر الدورات البرلمانية عاصفة، وفي الوقت نفسه قد تكون أيضا حاسمة بالنسبة للائتلاف الحاكم، الذي يسعى ويضغط لتنفيذ مخططه لتقويض الجهاز القضائي، بتقليص صلاحيات المحكمة العليا بخصوص نقض القوانين والقرارات الحكومية، وليكون وزن الحكومة أكبر في تعيين القضاة؛ فكل الحوار المعلن مع المعارضة لم ينتج شيئا حتى الآن. وفي المقابل، فإن كتلتي المتدينين المتزمتين (الحريديم) قد تجدان نفسيهما في عين العاصفة والاستهداف من المعارضة والرأي العام، على ضوء ضغوط الكتلتين لاستغلال تركيبة الائتلاف، لتنفيذ مخططات صعب عليهما تنفيذها في تركيبة أخرى، وأولها التخلص من مسألة التجنيد العسكري لشبان الحريديم، وتشديد سطوة قوانين إكراه ديني قائمة وجديدة.
أثبتت معطيات جديدة نشرتها منظمة "يش دين" ("يوجد قانون") الإسرائيلية لحقوق الإنسان هذه الأيام أن فشل ما تصفه بأنه "جهاز تطبيق القانون الإسرائيلي" في الأراضي المحتلة منذ 1967 في القيام بواجبه في حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين يعتبر منهجياً، وأشارت إلى أنه في الوقت عينه فشل طويل الأمد، ما يؤكد أن هذه سياسة متعمدة لدولة إسرائيل التي تعمل على تطبيع العنف الأيديولوجي للمستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وتدعمه بل وتستفيد من نتائجه.
صدر في الأيام الأخيرة تقريران على قدر كبير من الأهمية، يؤكدان المخاطر على الاقتصاد الإسرائيلي، في حال تم تطبيق كامل مخطط حكومة بنيامين نتنياهو لتغيير أنظمة وقوانين في جهاز القضاء وتعيين القضاة، والتقرير الأهم هو ذلك الصادر عن بنك إسرائيل المركزي، الذي يؤكد على خسارة الاقتصاد خلال 3 سنوات عشرات مليارات الدولارات؛ والتقرير الثاني، الذي يهم إسرائيل دوليا، صادر عن منظمة OECD.
طوّرت النخب اليمينية من طرقها في السيطرة على المجتمع الإسرائيلي ومنظومته الخطابية والقيمية من خلال تأسيس ودعم الجمعيات والمنظّمات التي تُقدّم نفسها متخصّصة في الشؤون البحثية، الإعلام، التربية والثقافة، القانون والقضاء وحقوق الإنسان والرياضة والاستيطان وغيرها، لكن في الحقيقة أوكلت إليها مهمّة إعادة إنتاج المجتمع الإسرائيلي من جديد؛ مجتمع يميني يهودي صهيوني عنصري يرى في إسرائيل "الوطن القومي للشعب اليهودي حصراً" في مقابل الآخر الفلسطيني. في هذه المساهمة نُسلّط الضوء على المنظّمة "الحقوقية" الإسرائيلية "شورات هدين"، ونحاول التعريف بها والوقوف على أبرز أنشطتها ومجالات عملها، بالإضافة إلى أهم ما حقّقته خلال السنوات الماضية.
رأينا أن تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن التي أبدى فيها امتعاضه من مضي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قدماً في خطة حكومته الرامية إلى إضعاف الجهاز القضائي، وردّ هذا الأخير بأن من يقرّر سياسات إسرائيل، بصفتها دولة مستقلة تماماً، هو حكوماتها المنتخبة من قبل الشعب وليس الضغوط الخارجية حتى ولو كانت من أقرب أصدقائها وأرفعهم قيمة على غرار الولايات المتحدة، شكلّا مناسبةً أخرى لإعادة النبش في جذور ما يوصف بأنه "علاقات خاصة" بين الدولتين وتقييم صيرورتها الراهنة.
اختتم الكنيست الإسرائيلي في الأسبوع الماضي دورته الشتوية الأولى بعد انتخابات مطلع تشرين الثاني 2022، التي أظهرت تماسكا للائتلاف الجديد الحاكم، إلا أن العاصفة جاءت من الميدان، وبمستوى لم تشهده إسرائيل بهذا المستوى من قبل، مع الأخذ بالحسبان الدوافع التي حرّكت الشارع، إذ أن نزول مئات الآلاف إلى الشوارع، على مدى أيام، وأحيانا بسرعة تعد فائقة، وحتى اندفاعية، هو مشهد لم تعرفه إسرائيل من قبل، نجح حتى الآن في لجم الأزمة التي خلقتها حكومة بنيامين نتنياهو لضرب جهاز القضاء؛ لكن كما يبدو فإن هذا ليس أكثر من تأجيل لبضعة أشهر لأزمة قد تشتد في المرحلة المقبلة، في حين لم يتوقع نتنياهو أن يخترق هيجان الشارع صفوف حزب الليكود، ولو بهذا القدر المحدود، ولكن هذا دلّ على نواة تململ من نهجه، بعد أن باتت قبضته على الحزب أشد من أي وقت مضى.
الصفحة 117 من 622