ما هي "الدولة اليهودية" وبمَ تختلف عن أية دولة "عادية"؟ - هذا السؤال المركب هو المحور المركزي الذي يدور حوله الكتاب الجديد الذي صدر في إسرائيل مؤخرا عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" (بالتعاون مع "يديعوت سفاريم"ـ دار النشر التابعة لصحيفة "يديعوت أحرونوت")، ويحاول تقديم الإجابة عنه من منظورات مختلفة نظرا لكونه "سؤالا مفتاحيا في الكينونة الإسرائيلية"، كما جاء في تصدير الكتاب، الذي شارك في تأليفه خمسة من الأساتذة الجامعيين والباحثين الإسرائيليين في مجالات مختلفة: يديديا شتيرن، بنيامين براون، كالمان نويمان، غدعون كاتس ونير كيدار.
قالت صحيفة "هآرتس"، في مقال افتتاحي أنشأته الأسبوع الماضي، إن التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الإسرائيليين وفي مقدمهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول المواطنين العرب تثبت أنهم يتعاملون معهم باعتبارهم "طابوراً خامساً يحفر تحت أسس الدولة".
وجاء في هذا المقال الافتتاحي:
اتهم بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي أعضاء الكنيست العرب بالتحريض ضد دولة إسرائيل. ووفقاً لنتنياهو فالمقصود هو "قادة حزب التجمع الوطني الديمقراطي الشيوعيون المحرضون الذين ارتفعت وراءهم أعلام داعش". إن هذا الكلام الصادر عن رئيس الحكومة من على منصة الكنيست يمكن أن تكون له انعكاسات مدمرة على شبكة العلاقات بين المواطنين العرب والأغلبية اليهودية، في وقت يشعر فيه الناس من الطرفين بالتهديد ويخشون التجول في الطرقات.
إلى جانب التوقيت الخطر الذي قيل فيه هذا الكلام، فقد كشف نتنياهو عن جهله بكل ما له علاقة بالسياسة والمجتمع العربيين. فالتجمع الوطني الديمقراطي هو حزب قومي- عربي ولا علاقة له بالحزب الشيوعي، وبرغم أن عدداً من أعضائه انتموا في الماضي إلى هذا الحزب، فإنه توجد بين الحزبين خصومات سياسية مريرة منذ سنوات طويلة. وكون الحزبين يتعاونان ضمن اللائحة العربية المشتركة ليس معناه أن الاختلافات بينهما انتهت.
علاوة على ذلك، فإن أعلام داعش السوداء لم ترفع في أي تظاهرة أو اعتصام. والذي رأيناه هو أعلام خضراء مكتوب عليها "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" التي هي أعلام الحركة الإسلامية بفرعيها، والتي يمثل أحدها (الجناح الجنوبي) 3 أعضاء في الكنيست.
وتابعت الصحيفة:
إن أغلبية الجمهور في إسرائيل وبسبب التغطية المغلوطة لوسائل الإعلام لما يجري في الداخل، تنظر إلى العرب بوصفهم "كتلة" واحدة، وليس مجتمعاً تعددياً فيه آراء وتيارات متنوعة.
لقد توجه نتنياهو تحديداً إلى الجزء المستنفر من الجمهور اليهودي ووصف أعضاء الكنيست العرب والمواطنين الذين يمثلونهم بأنهم مؤيدون لداعش. ودعا في الوقت عينه إلى التنديد بالتحريض وإلى دعم التعايش. يدرك نتنياهو تماماً تأثير كلامه ولا سيما أنه يرى هيجان المشاعر في الشارع اليهودي، وحقيقة أن كل مواطن عربي يتحول في نظر الناس إلى مهاجم محتمل يجب أن يحكم عليه بالموت.
في الاعتصام الذي جرى في سخنين الأسبوع الماضي شارك نحو 20 ألف مواطن عربي من الشباب والكبار ومن الأطفال والنساء، الذين عبروا عن احتجاجهم المشروع ضد الاحتلال وضد سياسة الحكومة. وقد تفرقوا بهدوء من دون حوادث تذكر، وعندما حاولت مجموعة من الشبان الدخول في مواجهة مع الشرطة، منعهم منظمو التظاهرة ومفتشون من البلدية. وأوضح جميع المتحدثين في التظاهرة أن من حق العرب في إسرائيل استخدام الوسائل الديمقراطية فقط للتصدي للتمييز والعنصرية وللمطالبة بإنهاء الاحتلال.
وختمت الصحيفة قائلة:
"من الأفضل لو أن رئيس الحكومة ووزراءه بدلاً من التحريض ضد مواطني الدولة العرب، عملوا على تهدئة النفوس وانتهجوا سياسة مختلفة تعتبر العرب مواطنين متساوين وليسوا طابوراً خامساً يحفر تحت أسس الدولة".
"ممثلو الجمهور العربي في إسرائيل يتحملون جزءاً من صب الزيت على النار"!
في المقابل أكد إيال زيسر، الباحث في "معهد دايان لدراسات الشرق الأوسط" في جامعة تل أبيب، أن العرب في إسرائيل هم الآن أمام الاختبار.
وكتب زيسر في مقال نشره في صحيفة "يسرائيل هَيوم":
أدّى التطرّف والجنون اللذان سيطرا على المجتمع الفلسطيني وتسبّبا بهذه الموجة من الهجمات أيضاً إلى نمو أعشاب ضارة على هامش المجتمع العربي في إسرائيل. ويتحمل ممثلو الجمهور العربي في إسرائيل جزءاً من صبّ الزيت على النار، وثمة مواطنون عرباً، يجب أن نذكر أنهم أفراد، تحركوا وخرجوا إلى الشوارع من أجل قتل يهود. وهكذا أحدث التحريض أثره ولم يعد يقتصر على الخط الأخضر.
وأضاف: في الواقع، هناك رغبة وسط أغلبية الجمهور العربي عبّر عنها بوضوح رئيس بلدية الناصرة علي سلام، لكبح التدهور والعودة إلى التعقل. ففي نهاية الأمر هنا ليس الضفة الغربية أو غزة، حيث يحتضن المجتمع الفلسطيني بحرارة المهاجمين حتى لو كانوا أولاداً.
وبرغم ذلك، فهذا وقت اختبار وهذا وقت مصيري بالنسبة للعرب في إسرائيل. لكن هذه المرة ليس المطروح هو الاختيار بين دولتهم وشعبهم، بل وحتى ليس الاختيار هو سياسي بين معارضة سياسة حكومة إسرائيل ودعم مواقف السلطة الفلسطينية. إن الخيار الذي يواجهه العرب في إسرائيل هو هل يجب المضيّ وراء موجة التطرف والجنون التي لا تسيطر فقط على المجتمع الفلسطيني بل تسود جميع أنحاء الشرق الأوسط، أو البقاء مغروسين في عالم التعقل والانفتاح؟.
وأضاف: فيما يتعلق بهذا الموضوع يجب ألا نقع في الخطأ. هناك خط مباشر – من الجنون الديني والتحريض – يربط بين الأولاد الذين نشاهدهم في أشرطة داعش وأولاد فلسطينيين يقومون بقتل أولاد يهود من أبناء جيلهم ويموتون فداء لله. إن عطش المتعصبين للدم سيضر مستقبلاً بالعرب أنفسهم أكثر مما سيضر باليهود، لأن ولداً في الـ13 من عمره يبدأ بقتل أولاد يهود سيستمر وينتهي به الأمر إلى قتل أبناء شعبه. هذا ما جرى في أحداث الثورة العربية في الثلاثينيات التي كانت موجهة ضد اليهود وأدت إلى تدمير المجتمع العربي في أرض إسرائيل.
وختم قائلاً: من الصعب أن نتوقع من أعضاء الكنيست العرب قيادة حكيمة ومسؤولة في هذه الأيام، لكن نأمل أن يبرز وسط القيادة المحلية العربية من يوقف التحريض والتطرف، ويعيد المجتمع العربي إلى رشده قبل وقوع الكارثة.
عدالة: الشرطة الإسرائيليّة تتصرّف على أنها فوق القانون
على صعيد آخر أصدر مركز عدالة لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل بيانا صحافيا أشار فيه إلى أن الشرطة الإسرائيلية قامت بارتكاب الكثير من الممارسات الظلامية والعنف الوحشي لقمع احتجاجات الفلسطينيين في الداخل.
وأكد المركز أن ممارسات الشرطة تشبه ممارسات أنظمة ظلاميّة عرفها التاريخ، كما تذكّر بالحكم العسكري بعد النكبة.
وجاء في البيان:
تقوم الشرطة الإسرائيلية بتصعيد شرس ومتطرّف في الأيّام الأخيرة، وذلك بهدف قمع الاحتجاجات في القرى والمدن الفلسطينيّة داخل إسرائيل. ثمة عنف وحشيّ وملاحقة ظلاميّة وإطلاق يد الشرطة والمخابرات الإسرائيليّة في ترويع وترهيب الفلسطينيين وردعهم عن ممارسة حقّهم في التنظيم والاحتجاج. وقد استخدمت الشرطة الإسرائيليّة وقوى المخابرات سلسلة من الإجراءات التعسفيّة وغير القانونيّة منها الاعتقالات "الاستباقيّة" بالجملة للناشطين السياسيّين، واعتقال أهالي ناشطين سياسيين بهدف الضغط عليهم، واستخدام العنف الجسدي بحق المعتقلين أثناء تواجدهم في مراكز الشرطة. ويمثّل محامو مركز عدالة ومركز الميزان وصندوق المدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب محامين متطوّعين، المعتقلين في جلسات تمديد الاعتقال ويجمعون إفادات الناشطين وشهود العيان حول الانتهاكات الصارخة التي تمارسها القوى الأمنيّة الإسرائيليّة.
وجاء من مركز عدالة أن الشرطة الإسرائيليّة، بدعمٍ كاملٍ من الجهاز القضائيّ، تستخدم ممارسات وحشيّة لا تمتّ للقانون بصلة من أجل قمع الاحتجاجات الشرعيّة للمواطنين الفلسطينيين ضد السياسات الإسرائيليّة. وتعتبر ممارسات الشرطة شبيهة جدًا بممارسات أنظمة ظلاميّة عرفها التاريخ، كما تذكّر بالحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين داخل إسرائيل بعد النكبة. والهدف الأساسي لعمليّات الشرطة هو التخويف والترهيب والتهديد لردع الفلسطينيين عن المطالبة بحقوقهم.
وأشار المركز إلى الممارسات التالية:
اعتقال أهالي ناشطين سياسيين بهدف الضغط عليهم: اعتقلت الشرطة الإسرائيليّة عددًا من ذوي الناشطين السياسيين بتهمٍ خطيرة جدًا منها التحريض على الإرهاب. أما على أرض الواقع، فإن الشرطة لم تجر معهم أي تحقيق، ولبعضهم قيل في مراكز الشرطة إنهم غير مشتبه بهم بأي مخالفات وقد أطلق سراحهم فيما بعد. هذه الحالات تثبت أن المحاكم لم تبذل أي مجهود في التحقق من الأسس القانونيّة أو الأدلة الداعمة لطلبات الاعتقال قبل إصدار أوامر الاعتقال. كذلك، اعتقلت الشرطة الإسرائيليّة ثلاثة سائقي حافلات باص أقلّت المتظاهرين، مع العلم بأنهم كانوا يمارسون مهنتهم ولا تربطهم بتنظيم المظاهرة أي صلة. وقد أبقت الشرطة سائقي الحافلات رهن الاعتقال حتى صباح اليوم التالي حيث نقلتهم المحكمة للحبس المنزليّ.
اعتقالات "استباقيّة" غير قانونيّة: أصدرت الشرطة الإسرائيليّة عشرات أوامر الاعتقال بحق ناشطين سياسيين بتهمة "محاولة تنظيم تجمهر محظور في نهايته نيّة للشغب"، وذلك بحسب تعبير الناطق بلسان الشرطة الإسرائيليّة. وقد اعتقلت الشرطة عدة ناشطين في حين صدرت أوامر اعتقال بحق آخرين. من الجدير بالذكر أن هذه الاعتقالات لا يوجد لها أي أساس قانونيّ، وأن التهم التي تحدّثت عنها الشرطة غير موجودة أصلًا في كتاب القوانين الإسرائيلي. لا يمكن الإعلان عن مظاهرة بأنها غير قانونيّة قبل أن تبدأ، ولا يمكن اعتقال مشتبه بهم بناءً على نواياهم وأفكارهم. وهكذا فإن الشرطة الإسرائيليّة تتصرّف على أنها فوق القانون.
اعتقال الأطفال وانتهاكات صارخة بحقّهم: تواصل الشرطة الإسرائيليّة سياسة اعتقال الأطفال والانتهاكات الخطيرة بحقّهم خلال الاعتقال. في الأيّام الأخيرة، اعتقلت الشرطة أطفالاً وحققت معهم من دون أن تسمح لهم بلقاء محام ومن دون وجود أي من ذويهم وفي ساعات الليل المتأخرة، كما أُجبروا على التوقيع على مستندات لم يفهموا محتواها. وذلك كله يتناقض جذريًا مع قانون الأحداث الإسرائيليّ. في جلسة المحكمة، طلبت الشرطة من القاضي أن لا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن المعتقلين ليس لديهم أي سوابق جنائيّة، وذلك بسبب الخلفيّة الأيديولوجيّة للاعتقال والأحداث الأمنيّة الأخيرة. والمحكمة، في غالب الحالات، تبنّت طلبات الشرطة هذه.
عنف الشرطة ضد المعتقلين: عدد من المعتقلين تم نقلهم إلى المستشفى بعد اعتقالهم على أثر الاعتداء عليهم. إحدى الفتيات اللاتي تم اعتقالهنّ تعاني من نزيف داخليّ وكسور في أضلع القفص الصدريّ. وأحد الأطفال المعتقلين كُسرت رجله وخضع لعمليّة جراحيّة. كذلك ظهرت علامات العنف والضرب على جسد المعتقلين، والأطفال منهم خاصةً، وقد اعترفت الشرطة في حالة واحدة فقط بأنها استخدمت ضد المعتقل "قوة معقولة".
وخلال جلسات المحاكمة، تعاملت المحاكم بتسامح تام مع الانتهاكات الحقوقيّة الصارخة التي مارستها الشرطة بحق المتظاهرين، والأطفال منهم خاصةً، وأصدرت قرارات بتمديد اعتقالات بشكلٍ غير مبرر ويمس بشكلٍ بالغ بالحريّات الأساسيّة للفلسطينيين.
نشر "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، الأسبوع الماضي، استطلاع "مؤشر السلام" الشهري الذي يجري تحت رعاية هذا المعهد وجامعة تل أبيب، وأجري بين 6 – 8 تشرين الأول الحالي. وشمل الاستطلاع 600 مواطن يهودي وعربي يشكلون عينة تمثل السكان البالغين في إسرائيل، من سن 18 عاما فما فوق. واحتمال الخطأ في هذا الاستطلاع هو بنسبة 1ر4%.
تظهر تقارير ومعطيات نُشرت على مدار السنوات الأخيرة الماضية، أن هناك تراجعا طرديا يحدث في مجال الخدمات في إسرائيل.
وأكد تقرير صدر مؤخرا عن مؤسسة "شورش" للأبحاث الاقتصادية - الاجتماعية، التي أسسها الخبير الاقتصادي البروفسور دان بن دافيد، أنه خلال الأربعين عاما الأخيرة طرأ تراجع في العديد من المجالات المركزية في المجتمع والاقتصاد في إسرائيل.
يمثل العقيد عوفر فينتر، القائد السابق للواء "غفعاتي" في الجيش الإسرائيلي، أحد أبرز الوجوه الدينية التي تدرجت خلال السنوات الأخيرة في سلم القيادة العسكرية، ليس لكونه متدينا متعصبا ينتمي إلى "التيار الديني الوطني" اليهودي (الذي يمثله حزب "البيت اليهودي"، بوجه أساس) والذي يسجل انتشارا لافتا جدا، واسعا وسريعا، في مختلف درجات القيادة العسكرية في الجيش الإسرائيلي فحسب، بل أيضا بسبب تصريحه المتكرّر عن هذا الانتماء الديني ـ السياسي وإفشائه لمدى ما يشكله (هذا الانتماء) من مرجعية ومنطلق لعقيدته الأمنية وممارساته العسكرية.
أكدت تسع منظمات لحقوق الإنسان في إسرائيل في بيان خاص صادر عنها في نهاية الأسبوع الفائت، أن دعوة السّاسة الإسرائيليين عناصر الشرطة والجنود إلى قتل الفلسطينيين بدلاً من الاعتقال هي بمثابة استباحة دماء على رؤوس الأشهاد.
وجاء في البيان:
"منذ بداية جولة العنف الحالية، نشهد ظاهرة خطيرة لإطلاق النار بهدف قتل فلسطينيين مسوا بإسرائيليين أو اشتُبه بهم بذلك. ويدور الحديث عن سلسلة حالات تمّ توثيقها ونشرها، تثير مخاوف من أن النهج الذي تمّ اختياره للتعامل مع هذه الحالات هو الأسوأ، وبهذا كانت النتيجة قاتلة أو للأسف لا لزوم لها. في الحالات التي كان المشتبه بهم يهودًا لم يُطلق الرّصاص عليهم بتاتا.
هناك ساسة ومسؤولون في الشرطة لا يعملون على تهدئة الجو العام العاصف، بل على العكس من ذلك - يدعون علنا إلى قتل المشتبه بهم دون محاكمة، وإلى أن يقوم المدنيّون بحمل السلاح. هذا على سبيل المثال ما نُقل على لسان موشيه إدري، قائد شرطة لواء القدس، قائلا: كلّ من يطعن اليهود أو يصيب أبرياء بأذى حكمه القتل. وقال وزير الأمن الداخلي غلعاد إردان: كل مخرّب عليه أن يعرف أنه لن ينجو من العملية الموشك على تنفيذها. وقال عضو الكنيست يائير لبيد: من يُخرج سكينًا أو مفكًا يجب إطلاق النار عليه وقتله.
وتجنّد جزء كبير من وسائل الإعلام الإسرائيلية لتعزيز نهج مماثل، والمصادر المسؤولة التي من المفترض أن تراقب عمل الشرطة - النيابة العامة وقسم التحقيقات مع الشرطة - لم تحرّك ساكنًا في مواجهة الأمور.
لا خلاف حول خطورة الأحداث الحاصلة في الأيام الأخيرة، وحول الحاجة إلى حماية الجمهور من الطعن وغيره من الهجمات. ولكن يبدو أنه في حالات كثيرة جدا، بدلا من التصرف بطريقة تتناسب وطبيعة كل حدث، يهرع رجال الشرطة والجنود إلى إطلاق النار بقصد القتل. إن الدعم السياسيّ والشعبيّ لهذه العمليات يعني استباحة دماء الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية (المحتلة) وإسرائيل.
بدلا من اتخاذ إجراءات عقابية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة، على الحكومة الإسرائيلية العمل على إنهاء واقع القمع المتواصل واليومي لما يقارب أربعة ملايين إنسان يعيشون من دون أي أمل في التغيير، وفي ظل غياب أفق بإنهاء الاحتلال والعيش بحرية وكرامة".
ووقعت على البيان المنظمات التالية: 1- جمعية حقوق المواطن في إسرائيل؛ 2- أمنستي إنترناشيونال (منظمة العفو الدولية)- فرع إسرائيل؛ 3- بتسيلم؛ 4- غيشاه (مسلك)؛ 5- اللجنة العامّة لمناهضة التعذيب في إسرائيل؛ 6- هموكيد - مركز الدفاع عن الفرد؛ 7- يش دين- منظمة متطّوعين لحقوق الإنسان؛ 8- عدالة- المركز القانونيّ لحقوق الأقليّة العربيّة في إسرائيل؛ 9- أطباء لحقوق الإنسان- إسرائيل.
بتسيلم: واقع الحياة الذي يشكّله الاحتلال فظيع للغاية!
وكانت منظّمة بتسيلم أصدرت قبل ذلك بيانا أعربت فيه عن صدمتها الكبيرة وإدانتها الشديدة للاستهانة بحياة البشر، وأكدت أن كلّ إنسان مسؤول عن أفعاله، لكن الحكومة الإسرائيلية هي المسؤولة عن واقع الاحتلال وآثاره.
وجاء في البيان:
هذا العام يُكمل الاحتلال الإسرائيلي عامه الـ49. وفي الأسابيع الأخيرة وقعت عشرات الهجمات المروّعة ضدّ مدنيين إسرائيليين والتي نفّذها فلسطينيّون في إسرائيل وفي الضفّة الغربيّة. عدد القتلى والجرحى في تصاعد. والأخبار المروّعة لا تتوقّف. ما من روح بشريّة لا تهتز في ضوء هذا العنف.
في المقابل، ينادي مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية وفي سلطات أخرى بإصرار بإطلاق النار لقتل الفلسطينيين المشتبه بهم بتنفيذ العمليات واستباحة دمائهم، بما في ذلك أولئك الذين لا يشكّلون خطرًا بعد. بالإضافة إلى ذلك، تمّت مهاجمة المارّة الفلسطينيين في شوارع المدن ولم يطلق أحد الرصاص على المعتدين وأبدَت الشرطة مغالاة في التسامح، ناهيك عن إبداء عدم الاكتراث، في ظلّ الكشف عن هذا العنف. ما من روح بشريّة لا تهتزّ في ضوء هذا العنف.
في الوقت نفسه، وفي كافّة أنحاء الأراضي المحتلة - الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية - تنعقد مظاهرات كبيرة. وقد أدى استخدام دولة إسرائيل للقوة المفرطة في عمليّة قمع المظاهرات إلى وفاة عشرات الفلسطينيين على الأقل وإصابة المئات.
بالتوازي مع ذلك، شهدنا أيضا حالات مؤثّرة أوقِفَ فيها تنفيذ عمليّات قتل جماعي (لينتش). هذه الحالات هي جزء من الأمل في مستقبل أكثر إنسانيةً، رغم الخوف والكراهية المتصاعدَين.
تكرر منظمة بتسيلم إدانتها لأي مس بالمدنيين. نبذ العنف يجب أن يكون أمرًا قاطعًا. انتهاك حق الحياة يستوجب إدانته وإيقافه.
لا يكفي فقط التحفّظ المطلق من العنف. تعود الحكومة الإسرائيلية وتبرز موجة العنف الحالية كانفجار للكراهية بمعزل عن أي سياق، وأنه لزامٌ قمعها بكلّ القوة التي يتطلّبها الأمر. في المقابل، تتنصّل الحكومة تمامًا من مسؤوليتها عن الوضع. لكن لا يمكن النظر إلى أحداث هذه الأسابيع بمعزل عن واقع القمع اليوميّ المتواصل لما يُقارب أربعة ملايين شخص، مع غياب الأمل في التغيير. يتعرض المواطنون الإسرائيليون في هذه الأيام لعنف لا يمكن احتماله - ولكن "الوضع الراهن" الذي تعوّد عليه تقريبًا كافّة الإسرائيليين يعني التعرّض المتواصل لملايين الفلسطينيين إلى العنف النابع من نظام الاحتلال، وجوانب القمع والسلب والدّوس على الحقوق الكامنة في جوهره كاحتلال. مقترحات "فرض حصار" على الأحياء الفلسطينية في القدس، أو فرض حكم عسكريّ داخل الخط الأخضر، هي عكس ما هو مطلوب: توسيع ممارسات الاحتلال بدلاً من وضع حدّ لها. الأشخاص الذين يطمحون إلى مستقبل لا تكون فيه الأحداث الراهنة جزءًا منتظمًا من حياة مخيفة، يجب أن يدلوا بآرائهم حول واقع الحياة الفظيع الذي يشكّله الاحتلال".
تشكيل "وحدة سايبر عربية" في الشرطة الإسرائيليّة لملاحقة شبكات التواصل الاجتماعي!
أشار بيان صحافي صادر عن مركز "إعلام" في الناصرة في نهاية الأسبوع الفائت، إلى أنه في أعقاب رد الشارع الفلسطيني على الانتهاكات المتكررة للمسجد الأقصى والتي أدت لاندلاع مواجهات، قامت الشرطة الإسرائيلية باستهداف الصحافيين ومطاردة أفكار الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف البيان أنه من بين الشهادات التي قام "إعلام" بجمعها يتضح أن الشرطة عمدت إلى استهداف الصحافيين والمراسلين، وعددهم حتى اليوم 39 صحافيًا مقدسيًا و7 صحافيين من مناطق 48.
وقال الصحافيّ ساهر الحاج في شهادته عقب الاعتداء عليه في مسيرة الغضب التي نظمت في الناصرة يوم 8/10/2015 إن الشرطة صوبّت سلاحها ضد كل من حمل كاميرا وتواجد في المظاهرة باعتبار أنه صحافيّ، وهذا يفسر حقيقة أن كل مصابي التظاهرة كانوا من الصحافيين والمراسلين.
وقالت الصحافيّة هناء محاميد التي أصيبت بحروق في الوجه، إن الاعتداء على طاقم قناة الميادين كان بقنابل الغاز، حيث عمدت الشرطة إلى إلقاء القنابل صوبهم بتاريخ 4/10/2015 على الرغم من ارتدائهم للسترات الواقيّة مع إشارة "صحافة".
وقد تنوعت الاعتداءات الإسرائيلية على الصحافيين بين الضرب المبرح والإصابة بالرصاص الحي وقنابل الغاز السام والمسيل للدموع بدون أدنى اعتبار للقوانين الدوليّة التي تحمي الصحافيين أثناء المظاهرات السلمية أو النزاع المسلح.
وذكّر "إعلام" أنه وفقًا للمواثيق والمعاهدات الدولية فإن الصحافيين في مناطق النزاع محميون، حيث تنص المادة 79 من القانون المعّدل من معاهدة جنيف الرابعة لعام 49 على "أنّ الصحافيين المدنيين الذين يؤدون مهماتهم في مناطق النزاعات المسلحة يجب احترامهم ومعاملتهم كمدنيين، وحمايتهم من كل أشكال الهجوم المتعمد، شريطة ألا يقوموا بأعمال تخالف وضعهم كمدنيين".
كما تُعّد تلك الانتهاكات خرقًا سافرًا لقرار مجلس الأمن رقم 2222 الخاص بحماية الصحافيين والذي صدّر في أيار الأخير، ويعتبر هذا القرار استمرارًا للقرار 1738 الذي بادرت إليه فرنسا العام 2006، ويدافع عن حرية التعبير، حتى عبر الإنترنت، في حالات النزاعات المسلّحة وأيضا خارج هذا الإطار.
وفي سياق التشديد على هذا القرار، دان "إعلام" الاعتقالات المتكررة من قبل "وحدة السايبر العربية" في الشرطة الإسرائيليّة، وهي وحدة جديدة شُكلّت مع تصاعد الأحداث لرصد العالم الافتراضي الفلسطيني وملاحقة النشطاء العرب بذريعة أنّ منشوراتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي قد تحمل "نوايا" لتنفيذ "أعمال إرهابيّة"، علمًا أن معظم تلك المنشورات لم تتجاوز التضامن المنطقي والأخلاقي مع إخوتهم الفلسطينيين وتسجيل موقف ضد ما تتعرض له مقدساتهم من انتهاك.
ورصد "إعلام" 7 اعتقالات على الأقل على خلفية الموقف، منها اعتقال مثقال زيدان من كفر مندا، صاحب موقع "بلدتنا"، الذي قامت الشرطة بتمديد اعتقاله ليوم واحد؛ واعتقال الرياضية حمامة جربان من جسر الزرقاء لاعبة منتخب "فلسطين" و"هبوعيل الخضيرة" (الإسرائيلي) لكرة القدم.
ويتضّح أن إسرائيل تستثمر في الآونة الأخيرة جهودًا إضافيّة لطمس الحقائق وتغييبها، ولتحسين صورتها الدعائيّة للعالم عبر وسائل قمعيّة، وتأكيدًا على ذلك قامت بنشر صور للطفل أحمد مناصرة (13 عامًا) الذي اشتهر من خلال فيديو الاعتداء عليه في القدس وتنكيل الجمهور الإسرائيلي به، ويظهر الطفل في الصور وهو في المستشفى معافى فيما يتم تقديم الطعام له، علمًا أن هذا النشر يعتبر خرقًا لحقوق الطفل وفق القانون الإسرائيلي وأيضًا خرقًا لقواعد أخلاق المهنة الطبيّة التي تلزم بضمان السرية والخصوصيّة للجرحى، بغض النظر عن هويتهم وانتمائهم.
ويؤكد بيان "إعلام" في هذا السياق أن كل تلك المحاولات لطمس الحقائق وتشويهها، ومنح فضاء ومساحة تحرك للدعاية الإسرائيلية لخلق رواية تشرعن الاعتداءات والانتهاكات، لن تنجح في ظل انتشار وسائل الإعلام الجديد والتي أوكلت لها المهمة في نقل الوقائع من كافة المناطق وبطريقة مباشرة، وأنّ تلك الاعتقالات لن تطال آلاف الناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال البيان إن "إعلام" يعمل في الآونة الأخيرة على مواجهة تلك الانتهاكات قضائيًا، إذ قام القسم القضائي في المركز بمراسلة كافة المؤسسات المسؤولة مطالبًا إياها بالعمل على وقف المس بالصحافيين وحمايتهم في الميدان.
الصفحة 462 من 627