عقدت لجان برلمانية في الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا عددًا من الجلسات بعد عدد من حوادث العنف التي وصلت إلى حد القتل، كان ضالعًا فيها فتيان وشبان إسرائيليون يهود، بعضهم قاصرون. وكالعادة، تعلو الأصوات المستنكرة والغاضبة حين تقع حوادث قتل ضحاياها ومقترفوها من اليهود، بينما يسود صمت شبه مطبق في الإعلام والرأي العام والدوائر السياسية حين يكون الأمر متعلقًا بالعرب.
وحين عُرضت بيانات جديدة جمعها مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست وتشير إلى ارتفاع حاد خلال العام الماضي (2025/2024) في عدد القضايا الجنائية التي فتحتها الشرطة ضد المراهقين (حتى سن 18 عامًا)، بعد سنوات من الانخفاض المستمر، لم تُذكر الحرب المتواصلة كسبب لهذا التدهور، خلال الجلسات البرلمانية. هذا رغم وضوح الأرقام: عام (2025/2024)، فُتحت قضايا جنائية ضد أكثر من 6200 مشبوه من المراهقين، في مقابل 5400 في العام الذي سبقه. وحوالي 20% من المخالفات في قضايا العام الماضي كانت مخالفات عنف جسدي.
عنف الشباب "أزمة وطنية تتطلب خطة حكومية شاملة"
عقدت لجنة التربية والثقافة والرياضة واللجنة الخاصة لحقوق الطفل جلسة مشتركة حول موضوع العنف الشديد بين الشباب، واعتبرتا عنف الشباب "أزمة وطنية تتطلب خطة حكومية شاملة". ودعت رئيسة اللجنة الخاصة لحقوق الطفل، إلى فرض عقوبات أشد على المراهقين الذين يرتكبون جرائم قتل.
القائم بأعمال رئيس لجنة التربية والثقافة والرياضة قال "إنّ جريمتي قتل (الشابين) بنيامين زيلكا وديستاو تشيكول البشعتين هما مؤشران على واقع أوسع وأكثر إثارة للقلق. فنحن نشهد خطابًا عنيفًا على وسائل التواصل الاجتماعي بات يُعتبر أمرًا شائعًا، وتراجعًا في مستوى الوعي والحساسية تجاه هذه الجرائم".
أشارت المحامية ليزو وولفوس، من مكتب المدعي العام في القدس إلى انخفاض أعمار مرتكبي العنف في السنوات الأخيرة. وأضافت: "لا يُمكن سجن من هم دون سن الرابعة عشرة، بل يُحالون إلى مراكز إيواء مغلقة. نحن بحاجة إلى تضافر جهود جميع الجهات المعنية. فنحن نشهد نقصًا في الكوادر في جميع الأنظمة، ونقصًا في الاستجابات المناسبة".
ورأى المدير العام لوزارة التربية والتعليم أن "هذا الأمر يستدعي منا جميعًا التوقف والتفكير مليًا في كيفية تغيير النهج المتبع حتى الآن، لأن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. لدينا مقترح لخطة استراتيجية طويلة الأجل للوقاية من العنف، وقد وافق عليها الوزير بالفعل، وستتطلب قرارًا حكوميًا بميزانية مُعززة. ولم نجتمع بعد مع وزارة المالية لمناقشة هذا الأمر".
في نهاية الجلسة، أكدت اللجنتان أن العنف بين الأطفال والشباب في إسرائيل يُمثل أزمة وطنية تتطلب تضافر جهود جميع الجهات المعنية، ووضع خطة وطنية شاملة، مدعومة بقرار حكومي، ومُرفقة بميزانيات ووظائف. ويجب أن تشمل الخطة جميع الجوانب المتعقلة بتعزيز وتطوير الاستجابات في مجالات الوقاية والرصد والعلاج وإنفاذ القانون وإعادة التأهيل. ويجب أن يتم ذلك بالتعاون بين جميع الجهات المعنية، وهي: وزارات التربية والتعليم، والعدل، والرفاه والضمان الاجتماعي، والهجرة والاستيعاب، والصحة النفسية، ووحدات الشرطة الإسرائيلية، وسلطة إعادة تأهيل السجناء، ومصلحة السجون الإسرائيلية، ومنظمات المجتمع المدني.
لكن لم تتطرق اللجنتان بالمرة، وفقًا لبيانات تلخيص الجلسة، إلى تأثير المناخ السياسي العنيف والحروب المتواصلة على الشباب.
عبء العمل يُجبر المختص الاجتماعي على الاكتفاء بـ"إخماد الحرائق"
لجنة حقوق الطفل في الكنيست عقدت أيضًا جلسة طارئة حول العنف الخطير بين المراهقين "بهدف دراسة الإجراءات والتدابير المتخذة من قبل الجهات الحكومية من أجل مواجهة هذه الظاهرة".
قالت نائبة المدير العام في وزارة التربية والتعليم إن "الوضع الراهن للعنف بمثابة جرس إنذار لنا جميعًا، وليس فقط لجهاز التربية والتعليم. فالمسؤولية مشتركة، وتقع على عاتق جهات عديدة. تُعدّ المدرسة عاملًا محوريًا ومهمًا، لكنها لا تعمل بمعزل عن الواقع. يترعرع أطفالنا في بيوتهم، وفي ثقافتهم، وفي مجتمعهم، وفي واقعنا المعاصر، فضلًا عن الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تُؤثر تأثيرًا بالغًا في تشكيل سلوكهم وخطابهم وحدودهم. هناك دور بالغ الأهمية للأهل في غرس قيم أبنائهم وعاداتهم وسلوكهم، لا يقل أهمية عن دور المدرسة. لذا، فإن التعاون الأمثل بين جميع الأطراف: جهاز التربية والتعليم، والأهل، والمجتمع، والحيز العام - هو وحده الكفيل بإحداث استجابة حقيقية وفعّالة ومستدامة".
تكشف القراءة التي تقدمها جهات المعالجة الاجتماعية والنفسية طبقة أعمق من الحديث عن خطط وإجراءات يُعلن عنها فقط حين تقع جرائم. وهي تكشف مجددًا عن تراجع تحمّل مؤسسات السلطة مسؤوليتها في مجالات الرعاية والحماية الاجتماعية، كجزء من الانحسار المتواصل في الخدمات والحقوق الاجتماعية، وهو هدف معلن في سياسات قوى وأحزاب اليمين.
في بيانٍ قُدِّمَ إلى اللجنة، ذكرت نقابة المختصين الاجتماعيين أن عبء العمل المُلقى على عاتقهم لا يُتيح تقديم علاج وقائي مُعمَّق. وأوضحت النقابة أنه في المجالات المُتعلِّقة بالعمل مع الشباب، كمختصي الخدمة الاجتماعية الأسرية، لا يوجد تقييد لعدد المتعالجين لدى الأخصائية الاجتماعية الواحدة، والتي قد تكون مسؤولة في كثير من الأحيان عن مئات الأشخاص. وتتعامل مختصة الخدمة الاجتماعية للشباب في البلدية مع عشرات الشباب في أي وقت. وذكر البيان أن هذا الوضع لا يُتيح إمكان تقديم علاجٍ مُعمَّق، ويُجبر المختص الاجتماعي على الاكتفاء بـ"إخماد الحرائق"، أي التعامل مع حالات الطوارئ والحالات القصوى.
وأشار منتدى منظمات علم النفس العام إلى أنه على الرغم من الزيادة المُقلقة في نطاق وشدَّة العنف بين المراهقين في إسرائيل، فإن سياسة التعامل مع هذه الحوادث تُركِّز بشكل أساس على تطبيق القانون بعد وقوع الحادث، بينما يغيب التدخل الوقائي. ويُعيق النقص الحاد في عدد المختصين النفسيين في القطاع العام وفترات الانتظار الطويلة الكشف المُبكر عن الاضطرابات النفسية وعلاجها. ونتيجةً لذلك، كما ذُكر، يصل العديد من الشباب إلى حالاتٍ حرجة من دون تدخل في الوقت المناسب.
"خلال السنوات الثلاث الأخيرة، غرق أبناء الشبيبة في العنف من كل صوب"
في المقابل تناول عدد من الكاتبات والكتاب الصحافيين المسألة من منظور أوسع وأعمق، بمفهوم تأثير الوضع السياسي على اتساع العنف بين الشباب الإسرائيليين. وهو ما قالته الكاتبة نيطع هلبرين في جريدة "هآرتس" في مقال بعنوان "أبناؤنا المراهقون لا يرون حولهم سوى العنف. فلا عجب أن ينتهي الأمر بالقتل".
وفصّلت: "أعرب كثيرون عن غضبهم وخجلهم إزاء العنف القاتل، لكن من المهم ألّا نطمس الواقع: العنف لن يختفي. حتى لو خرج المفتش العام للشرطة في حملة قطرية لمعالجة جنوح الأحداث، وحتى لو نشر رئيس الحكومة تصريحات جوفاء. لقد تعرّض مفهوم وضع مرآة أمام المجتمع لسوء استخدام في الأشهر الأخيرة، حين استعمله اليمين كوسيلة لتبرير نشاط البلطجية العاملين لصالح السلطة، الذين يمارسون العنف ضد كل من لا يوافقهم الرأي. لكن من يضعون المرآة حقًا هم أبناء الشبيبة في إسرائيل – والصورة المنعكسة منها تبعث على الرعب. المراهقون ليسوا سوى أطفال أكبر قليلًا، يتعلمون من بيئتهم البالغة: يرون العنف المنفلت على الطرقات، واعتداءات القتل على الشواطئ، وفي المدارس، والحدائق، ومواقف السيارات، والطائرات، ويرون الشتائم واللغة العنيفة في البرلمان. الأدرينالين يفور وهم يشاهدون مقاطع لفتيان حريديم يحرقون حافلات ويهاجمون الشرطة، وعلى مقربة من البيت، في الأراضي المحتلة، يعيش فتيان في مثل أعمارهم داخل أوكار إرهاب تحمل اسم المزارع، يخرجون منها لإحراق بيوت عائلات، وإطلاق النار على رؤوس الشيوخ والشبان، ثم يعودون بخطى خفيفة".
وتابعت الكاتبة: "خلال السنوات الثلاث الأخيرة، غرق أبناء الشبيبة في إسرائيل في العنف من كل صوب: بدءًا من مقاطع الفظائع في 7 تشرين الأول/ أكتوبر (2023)، مرورًا بمقاطع القصف من غزة والإرهاب من الضفة الغربية، وصولًا إلى المضايقات العنيفة على شبكات التواصل الاجتماعي". وخلصت إلى أنه "لن يتغير شيء في ظل الحكومة الحالية، التي تتاجر بالعنف وتتغذى عليه. أبناء الشبيبة ذوو القلنسوات والشرّابات الدينية ليسوا سوى المستخدمين النهائيين في هذه السلسلة. وما يبقى لنا هو أن نتموضع في كل جبهة ممكنة – في المظاهرات أو في الحضور الحمائي، وأن نتطوع في المدارس، ونتبرع للمنظمات الديمقراطية من أجل تعزيز القوى التي تعمل على حماية هذا المكان، وأن نخوض معركة الانتخابات المقبلة وكأن حياة أطفالنا متوقفة عليها".
"القتل والبلطجة في شوارع إسرائيل نتيجة لشرعنة ممارسات البوغروم ضد الفلسطينيين"!
تطرقت الكاتبة نوعا ليمونا في الصحيفة نفسها إلى أثر الحرب وانهيار الشعور بالأمان وشلل المسارات التعليمية. وتقتبس عن مختصة نفسية القول إن "هناك جيلًا لم يعش استمرارية في الجهاز التعليمي، هذه الأزمة هي ذروة أخرى في الخلل الذي بدأ منذ فترة كورونا، وتسلسل الأزمات ظاهر على الأرض، مع مؤشرات على إنهاك شديد. جهازنا العصبي غير معتاد على البقاء في حالة تأهب فترة طويلة".
وتتابع: "صحيح أنه يمكن منذ الآن رؤية أعراض قلق لدى بعض الأطفال، وتصلنا توجهات من أهالٍ يبلغون عن أطفال يجدون صعوبة في الخروج من الغرفة المحصنة بعد انتهاء الإنذار، ويغمرهم التوتر العاطفي ويتشبثون بوالديهم – لكن ما يقلقني أكثر هو اللحظة التي سنعود فيها إلى الروتين، وسنرى الأثر التراكمي لكل الأزمات التي مررنا بها مع الأزمة الحالية. بعد فترات من التعلّم عن بُعد، تظهر مشكلات في المواظبة على الحضور إلى المؤسسات التعليمية، حتى لدى طلاب المدارس الابتدائية. الاستمرارية هي ما يحافظ على الروتين الوظيفي، وعندما تنقطع مرات كثيرة كهذه، لا يكون من السهل إعادتها، خصوصًا عندما يرافقها القلق. كما ظهرت لدى بعض الأطفال صعوبات في ضبط الانفعالات، تتجلى أحيانًا في نوبات غضب وعنف، وأحيانًا في الانسحاب والتجنب – وكلاهما تعبير عن فرط التأهب. وهناك أيضًا ارتفاع ملحوظ في حالات الانتحار وإيذاء الذات".
أشار أحد مديري المدارس بوضوح إلى تأثير الحرب على التطرّف العنيف، وهو يقول إن تجربة الماضي علمته أنه بعد جولات الحروب يظهر تطرف سياسي، حتى لدى طلاب المدارس الابتدائية. "أطفال يقولون أشياء مثل: حلمي أن يموت كل العرب في غزة. هذه أمور لم نسمعها قبل الحرب".
رأت عضو الكنيست من حزب العمل نعاما لزيمي في مقال عن قتل الشاب زيلكا أن "الإذن بهذه الجريمة المروعة مُنح عبر تصفية دولة القانون كجزء من الانقلاب السلطوي. عندما يدعو وزير تلو الآخر إلى عدم الامتثال لقرارات المحكمة العليا، وعندما لا تلتزم الحكومة، كجسم واحد، بالقانون، وتمجّد المجرمين، وتستمد الرضى من مشاهد "الكابيتول" في المحكمة العليا من أجل إنتاج فوضى مخطط لها بعناية – ففي النهاية ستنشأ مجموعة من الفتيان العنيفين، تحمل سكينًا وتعتقد أنها فوق القانون. التفكك الاجتماعي ليس خطأ، بل سياسة".
وبكلمات مباشرة كتبت لزيمي تقول: "إن القتل والبلطجة في شوارع إسرائيل هما نتيجة لشرعنة ممارسات البوغروم ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، التي تُرتكب بعلم حكومة اليمين بل وبتشجيعها. والقتل والبلطجة في المدن اليهودية هما نتيجة للإرهاب الإجرامي في البلدات العربية، الذي جرى تطبيعه بالكامل على يد حكومة بنيامين نتنياهو – إيتمار بن غفير، حيث وُسِم مواطنو الدولة بأن حياتهم أقل قيمة. القتل والعنف والبلطجة هم نتيجة مباشرة للترخيص بالتخلي عن حياة أولئك الذين لا ترغب الحكومة في اعتبار حياتهم ذات قيمة، بسبب حساباتها الانتخابية الضيقة والساخرة".
وشدّدت لزيمي على أن "هذا هو الاستخفاف المطلق بحياتنا، تمامًا كما في قرار خوض حرب من دون أي استراتيجية سياسية، بالرغم من غياب وسائل الحماية لثلث سكان إسرائيل، وإلغاء تمويل الصواريخ الاعتراضية، وضآلة مخزون الصواريخ المضادة للدروع وتآكله. إنه التخلي نفسه عن المواطنين الذين لا يملكون تأمينات خاصة داخل جهاز الصحة، وعن سكان الشمال المحرومين من الوصول إلى الخدمات الطبية، وعن سكان النقب الذين لا يزال مستشفاهم الوحيد يجمع التبرعات لترميمه بعد إصابته إصابة بالغة بصاروخ إيراني، وعن سكان الأطراف حيث متوسط العمر المتوقع أقل. هؤلاء وأولئك، جرى وسمهم باعتبار أن حياتهم أقل قيمة"!