في ظل توتر بعض جوانب العلاقة بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، وتراجع صورة إسرائيل داخل قطاعات من الرأي العام الأميركي عقب الحرب على إيران عام 2026، وتصاعد اتهامات ترى أنها دفعت الولايات المتحدة نحو حرب كان يمكن تجنبها، برز مسار آخر يسعى إلى ترميم ما تضرر من العلاقة ويسعى إلى إعادة بناء تحالفات جديدة أكثر متانة.
تعزز هذا السياق نتائج دراسة حديثة لمركز بيو للأبحاث، إذ أظهرت أن مواقف الأميركيين تجاه إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو أصبحت أكثر سلبية. فقد حمل 60% من البالغين الأميركيين رأيًا سلبيًا تجاه إسرائيل، مقارنة بـ53% في العام السابق. كما عبّر 59% عن ثقة قليلة أو معدومة بنتنياهو في اتخاذ القرارات الصحيحة في الشؤون العالمية، بعدما كانت النسبة 52% في العام السابق. وتكشف الدراسة عن أن غالبية الأميركيين دون سن الخمسين داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري باتوا يقيّمون إسرائيل ونتنياهو بصورة سلبية.
ضمن هذا المناخ، انعقدت في واشنطن بين 7 - 10 أيار 2026، النسخة الثالثة من مؤتمر AI+ Expo، بمشاركة إسرائيلية بارزة. وطرح المؤتمر مبادرة تهدف إلى توسيع التعاون الأميركي الإسرائيلي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات عبر نقل العلاقة من نموذج المساعدة الأمنية التقليدية إلى نموذج الشراكة التكنولوجية. وتقترح المبادرة استثمارًا عامًا مشتركًا يصل إلى مليار دولار سنويًا لمدة عشر سنوات؛ بما يعكس محاولة لإعادة تثبيت التحالف عبر بوابة التكنولوجيا لا عبر الأمن وحده.
من مبادرة مدنية إلى اتفاق بين دولتين؟
يُعدّ AI+ Expo منصة أميركية تربط الذكاء الاصطناعي بمستقبل التنافسية العالمية وبالتقنيات الحرجة، أي الابتكارات الناشئة القادرة على إحداث تحولات استراتيجية في مجالات الأمن القومي والدفاع والاقتصاد، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والتقنيات الحيوية.
بدأ المؤتمر بنسخته الأولى العام 2024 ثم تحول في العام 2025 إلى إطار سنوي أوسع يجمع مسؤولين حكوميين وعسكريين وخبراء تكنولوجيا وصناعة حول موقع الذكاء الاصطناعي في الأمن والاقتصاد والتفوق الاستراتيجي من انحاء العالم. وفي نسخته الثالثة التي انطلقت في 7 أيار 2026 شهد المؤتمر إطلاق خطة استراتيجية جديدة تقترح نموذجًا محدّثًا للعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال العقد المقبل.
تقوم الخطة، وفق ما أورده الملحق الاقتصادي "غلوبس"، على تعاون واسع النطاق بتمويل عام قدره مليار دولار سنويًا لمدة عشر سنوات تتقاسمه الدولتان مناصفة، بحيث تضخ كل من الولايات المتحدة وإسرائيل نحو نصف مليار دولار سنويًا. وبذلك تصل الميزانية الحكومية الأساسية إلى 10 مليارات دولار خلال عقد مع إمكان إضافة تمويلات من القطاع الخاص بما يوسّع الموارد المتاحة للمبادرة.
صاغت المبادرة مجموعة عمل تضم نحو خمسين خبيرًا من الولايات المتحدة وإسرائيل من بينهم مسؤولون سابقون في الإدارات الحكومية والمنظومات الأمنية والأوساط الأكاديمية والصناعات الأمنية. في مرحلتها الحالية، لا تعرض المبادرة اتفاقًا موقّعًا بين الحكومتين، وإنما تقدم مسوّدة عمل ومقترح سياسة يسعى إلى دفع المستويات السياسية في واشنطن وتل أبيب نحو تبنيه والتوقيع عليه رسميًا. كما تحدد الوثيقة الخطوات المطلوبة من صناع القرار وتقترح الجهات المسؤولة عن التنفيذ لدى كل طرف.
وتعرض المبادرة مسارًا من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى، يشكّل مجرّد القول إن إسرائيل تملك أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة إنجازًا كبيرًا في ظل المناخ الحالي داخل الولايات المتحدة. المرحلة الثانية، يستطيع القطاع الخاص أن يبدأ العمل فور توقيع الاتفاق. المرحلة الثالثة، يمكن دفع الاتصالات بين واشنطن وإسرائيل بصورة أفضل، لذلك يقدّر القائمون على المبادرة بحذر أن الطرفين قد يتمكنان خلال نصف السنة المقبلة من الوصول إلى توقيع رسمي.
المراكز البحثية في صلب المبادرة
تقف المراكز البحثية في صلب المبادرة، إذ يقودها أميركيًا معهد SCSP وهو مبادرة بحثية وسياساتية أميركية أسسها المدير العام السابق لغوغل إريك شميدت العام 2021 إذ تعمل على تعزيز تنافسية الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة ضمن سياق التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا. أما من الجانب الإسرائيلي، فيقودها معهد MIND Israel برئاسة بيني كوهين، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يدلين.
يمنح هذا التكوين المبادرة بعدًا سياسيًا واستراتيجيًا، لأنها لا تصدر عن جهة تقنية فقط، إنما عن شبكة قريبة من مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، تسعى إلى إعادة تقديم إسرائيل كشريك تكنولوجي حيوي للولايات المتحدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والسايبر والطاقة المتقدمة والحوسبة الكمية وسلاسل الإنتاج الحساسة.
الرقائق، الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي
تركّز الخطة على عدد من المجالات التي تصفها بأنها ركائز التحالف الجديدة، في مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني والرقائق والكهرباء والطاقة المتقدمة والحوسبة الكمّية والتقارب الحيوي والمواد الحرجة. وتعتمد الخطة على مزيج من المنح والاستثمارات الحكومية والشراكات مع القطاع الخاص.
كما تقترح أن تتولى لجنة توجيه مستقلة ومدنية الإدارة الجارية للمبادرة؛ بهدف تخفيف الأعباء البيروقراطية وتنسيق الوصول إلى المختبرات والمنشآت الرسمية في الدولتين ودفع الاعتراف المتبادل بالمعايير والأنظمة التنظيمية.
بالنسبة إلى الشركات الناشئة، تسعى الخطة إلى فتح مسار مباشر نحو السوق الأميركية عبر إنشاء آلية سلسلة توريد موثوقة تتيح للشركات الإسرائيلية العاملة في مجالات الرقائق والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إمكان الوصول إلى المناقصات الفدرالية وبرامج الشراء التابعة للإدارة الأميركية مع إزالة حواجز تنظيمية قائمة اليوم.
أما بالنسبة إلى الباحثين، فمن المتوقع أن توفر المبادرة وصولًا إلى البنى التحتية ومنح البحث وأن تنشئ مسارات تمويل مخصصة للبحث الأساسي والتطبيقي في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمّية. في المقابل، ستحصل الولايات المتحدة على إمكانية الوصول إلى قواعد بيانات فريدة وإلى نتائج تجارب تُجرى في إسرائيل في ظروف واقعية. تشير الخطة أيضًا إلى برنامج بحثي مشترك في مجال الاندماج النووي وبنى الطاقة الذكية وإلى توجه في مجال الرقائق يهدف إلى تطوير جيل أسرع وأكثر كفاءة مع قدرات جديدة.
تغيير التصوّر تجاه إسرائيل
يتمثل أحد الأهداف المركزية للمبادرة في إعادة تشكيل صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة. فالمبادرة تنطلق من إدراك وجود فجوة متزايدة بين عمق الشراكة الأمنية والرسمية بين واشنطن وتل أبيب التي تبدو في ذروتها خلال المرحلة الراهنة، وبين مستوى التأييد الشعبي لإسرائيل داخل المجتمع الأميركي الذي يشهد تراجعًا واضحًا.
ويرى معهد MIND Israel أن المبادرة تقع عند تقاطع ثلاثة مسارات استراتيجية:
أولًا: اتفاق مساعدات أمنية يُفترض أن توقّعه إسرائيل والولايات المتحدة خلال نحو عامين.
ثانيًا: تآكل مكانة إسرائيل في الرأي العام الأميركي بعد الحرب.
ثالثًا: تسارع السباق التكنولوجي بين الدول.
وبما أن العقد الحالي سيحمل طابعًا حاسمًا في المنافسة التكنولوجية، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، ترى الخطة ضرورة التنظيم حول قدرات تكنولوجية حيوية قادرة على التأثير في ميزان القوى خلال العقود المقبلة.
بالنسبة إلى إسرائيل، تبدو هذه اللحظة محطة استراتيجية في إعادة تعريف علاقتها مع الولايات المتحدة. فالخطة تسعى إلى نقل صورة إسرائيل من دولة تعتمد على المساعدات الأمنية الأميركية إلى شريك استراتيجي يمتلك قيمة تكنولوجية واضحة داخل منظومة القوة الأميركية.
تقوم الفكرة المركزية على بناء علاقة أكثر تبادلية تقدم فيها إسرائيل قدرتها على الابتكار السريع وخبرتها العملياتية ومنظومتها الأمنية والأكاديمية، في مقابل ما توفره الولايات المتحدة من بنى تحتية واسعة وحجم اقتصادي ورأس مال وأسواق وقدرات صناعية قادرة على تحويل التعاون إلى شراكة طويلة المدى.
يرى بيني كوهين - رئيس مجلس إدارة MIND Israel - أن العقد الحالي سيكون العقد الحاسم في السباق التكنولوجي العالمي، كما أن هذه السنوات ستحدد ميزان القوى في العقود المقبلة. وهو يؤكد أن إسرائيل أثبتت تعاونًا مذهلًا مع الولايات المتحدة في الساحة الأمنية، وعليها أن تنقل ذلك إلى المرحلة التالية- الساحة التكنولوجية- وأن تصبح شريكًا قياديًا ومبادرًا.