المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • وليد حباس

منذ توقيع اتفاقيات أوسلو العام 1993، تعاملت إسرائيل معها بوصفها إطارًا انتقاليًا مؤقتًا لإدارة الصراع، بينما تعامل الفلسطينيون معها، بالإضافة إلى معظم المجتمع الدولي، بوصفها مسارًا نحو إقامة الدولة الفلسطينية. لم تتأسس اتفاقيات أوسلو كاتفاق دولي يمتلك ضمانات ملزمة أو أجهزة رقابة وإنفاذ فعالة، بل قامت على علاقة ثنائية غير متكافئة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية تحت رعاية أميركية متغيرة. وضمن هذا الواقع، تعمل الاتفاقيات بين حكومة إسرائيلية تمتلك التفوق العسكري والسيطرة الميدانية وتتبنى سياسات توسعية معادية للفلسطينيين، وبين سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات والأدوات، تفتقر، ضمن حدود شرعيتها الدولية، إلى وسائل فعالة لوقف مشاريع فرض السيادة الإسرائيلية وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية.

اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، تنظر قطاعات واسعة داخل إسرائيل، خاصة اليمين الديني والقومي المتطرف، إلى اتفاقيات أوسلو باعتبارها صيغة تجاوزها الزمن، ليس لأنها فشلت في تحقيق السلام، إنما لأنها لم تعد تلائم المشروع الإسرائيلي الجديد القائم على فرض السيادة اليهودية الفعلية على كامل المجال الممتد بين النهر والبحر.
ضمن هذا التحول، يمكن التمييز بشكل عام بين ثلاثة مستويات إسرائيلية في النظر إلى أوسلو:
1. التيار الليبرالي والوسط الصهيوني، الذي يرى أن الاحتلال طويل الأمد يضر بإسرائيل ديمغرافيًا وأخلاقيًا ودوليًا، لكنه في الوقت ذاته ينظر إلى الفلسطينيين بوصفهم تهديدًا أمنيًا دائمًا. لذلك فإن هذا التيار، حتى وإن لم يرفض مبدأ "حل الدولتين"، فإنه ينطلق من ضرورة الفصل الأمني والديموغرافي أكثر من انطلاقه من الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
2. اليمين القومي وعلى رأسه الليكود وبنيامين نتنياهو تعامل تاريخيًا مع اتفاقيات أوسلو بوصفها خطأ أمنيًا منح الفلسطينيين بنية سياسية يمكن أن تتحوّل لاحقًا إلى دولة. غير أن هذا التيار قبل عمليًا باستمرار السلطة الفلسطينية طالما أنها تخفف العبء الأمني والإداري عن إسرائيل.
3. التيار الثالث هو الأهم اليوم، ويتمثل في الصهيونية الدينية والكهانية والتيارات المسيانية، التي لا ترى أصلًا وجود "أراضٍ محتلة"، وإنما تعتبر الضفة الغربية "يهودا والسامرة"، أي جزءًا عضويًا من أرض إسرائيل التوراتية. بالنسبة إلى هذا التيار، فإن أوسلو تمثل انحرافًا تاريخيًا يجب تفكيكه وإعادة صياغته بالكامل.
بناء عليه، فإن إسرائيل الحالية لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط السلطة الفلسطينية بصورة فورية، لأن غيابها سيضع أمام إسرائيل معضلة إدارة حياة السكان الفلسطينيين (الصحة والتعليم والبلديات)، وضبط المجال المدني (الشرطة، المحاكم، الأحوال الشخصية). لذلك فإن المشروع الإسرائيلي الجديد يتجه نحو تحويل السلطة الفلسطينية من كيان سياسي يفترض أنه جزء من عملية تفاوضية تؤدي إلى دولة، إلى جهاز إداري وظيفي منزوع السياسة، يعمل تحت الهيمنة الإسرائيلية المباشرة.
في هذا السياق، ومع توقف المفاوضات أو قنوات التفاوض السياسية، فإن إسرائيل قصرت علاقتها مع السلطة الفلسطينية تدريجيًا نحو نموذج تقني- أمني يرتبط فيه الفلسطينيون بمؤسسات عسكرية وشبه عسكرية إسرائيلية مثل "الإدارة المدنية" و"منسق أعمال الحكومة في المناطق" (COGAT) وحسب. هذا كان يعني أن إسرائيل لم تعد ترى القضية الفلسطينية مسألة سياسية تحتاج إلى تسوية، بل ترى فيها مشكلة سكانية وأمنية تحتاج إلى إدارة دائمة.
يساعد غياب أي ضمانات دولية فعلية لاتفاقيات أوسلو في تسريع هذا التحول. فالمنظومة الدولية تعاملت مع أوسلو بوصفها اتفاقًا ثنائيًا، من دون بناء آليات إلزام أو رقابة أو عقوبات تمنع الطرف الأقوى من إعادة تفسير الاتفاقيات بصورة أحادية. وعمليًا، أنتج ذلك وضعًا غير متكافئ بين دولة استعمارية تمتلك القوة العسكرية والسيطرة على الأرض والمعابر والاقتصاد، وسلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات لا تمتلك أدوات سيادية أو وسائل ضغط فعالة ضمن حدود الشرعية الدولية المفروضة عليها. نتيجة لذلك، أصبحت إسرائيل قادرة على تعديل اتفاقيات أوسلو عمليًا من دون إعلان رسمي عن انهيارها.

وبالفعل، فتحت إسرائيل "المزاد" لإدخال تعديلات أحادية على اتفاق أوسلو:

1. في 23 شباط 2023، تم إنشاء "مديرية الاستيطان" داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية تحت سلطة بتسلئيل سموتريتش (رئيس الصهيونية الدينية)، وقد تولّت عمليًا جزءًا جوهريًا من صلاحيات الإدارة المدنية (التخطيط، البناء، تخصيص الأراضي، إعلانها "أراضي دولة"، تنظيم البؤر، وحتى التخطيط الفلسطيني في المناطق المصنفة "ج"). تعني هذه الخطوة ترسيخ نظام حكم مدني للمستوطنين.
2. في 21 آذار 2023 صادق الكنيست الإسرائيلي على إلغاء البنود التي منعت الإسرائيليين من دخول شمال الضفة الغربية (حيث مستوطنات حومش، غانيم، كاديم، سانور التي أُخليت بصورة أحادية الجانب العام 2005)، فاتحًا الباب أمام إعادة الاستيطان في تلك المنطقة.
3. في العام 2024، اتخذ الكابينيت الإسرائيلي قرارين. الأول، ينقلب على اتفاقيات واي ريفر، ويعيد الصلاحية الإدارية على صحراء القدس (منطقة "ب") إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. والثاني، قرار يمنح ضابط الآثار في الإدارة المدنية صلاحية إعلان مواقع أثرية وإصدار أوامر وقف عمل وهدم في المنطقة "ب" (متجاوزًا قانون الآثار الأردني من العام 1966 المعمول به). وفي أيلول 2025 أُضيف أكثر من 60 موقعًا أثريًا جديدًا كمواقع "يهودية- إسرائيلية"، تمهيدًا لإنشاء "هيئة آثار يهودا والسامرة" المستقلة عن سلطة الآثار الإسرائيلية، بصلاحيات شاملة في كل الضفة الغربية بصرف النظر عن تصنيفات أوسلو.
4. في 8 شباط 2026 قرر الكابينيت الأمني توسيع الإنفاذ الإسرائيلي إلى مناطق "أ" و"ب" في ثلاثة حقول: الآثار والتراث، المخاطر البيئية، مخالفات المياه — مع صلاحية الهدم.
5. في 8 شباط 2026، قرّر الكابينيت إلغاء الحظر الأردني الذي يقصر شراء الأرض على سكان الضفة/ الشركات المسجلة فيها (يسمح للمستوطنين بالشراء المباشر من فلسطينيين)، وفتح سجلات الأراضي الفلسطينية السرية للجمهور.
6. استئناف عملية تسوية تسجيل الأراضي لأول مرة منذ العام 1967 في المنطقة المصنفة "ج" (حيث 58% من الأرض غير مسجّلة، ويعيش فيها 300 ألف فلسطيني)، مع نية تسجيل 15% خلال 4 سنوات.
7. نقل صلاحيات التخطيط في الحرم الإبراهيمي ومنطقة الاستيطان داخل الخليل من الإدارة المدنية إلى يد إسرائيلية مباشرة، في تغير أحادي الجانب على اتفاق الخليل، وإنشاء إدارة لقبر راحيل في بيت لحم.
8. تعليق بروتوكول باريس الاقتصادي عمليًا، بحيث أنه بالإضافة إلى اقتطاعات الأسرى، تقوم إسرائيل منذ تشرين الأول 2023، بخصم شهري لحصة قطاع غزة من المقاصة، ومنذ أيار 2025، توقفت بشكل كامل عن تحويل المقاصة.
9. الشروع ببناء مشاريع لها طابع جيو- سياسي أكثر من كونها مجرد توسيع استيطاني، من ضمنها استئناف العمل على مخطط E1، وطريق "نسيج الحياة".

يتزامن كل هذا التحول مع تغير أعمق في بنية الدولة الإسرائيلية نفسها. فالصهيونية الدينية والتيارات الكهانية لم تعد هامشًا سياسيًا، بل أصبحت جزءًا من مركز صناعة القرار. تنظر هذه القوى إلى اتفاقيات أوسلو بوصفها عائقًا أمام تحقيق المشروع التوراتي الكامل، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الظروف الدولية لا تسمح حاليًا بضم شامل ورسمي. لذلك تتبنى استراتيجية تدريجية تقوم على الجمع بين أمرين متوازيين: تعميق السيطرة اليهودية على الأرض، وتعليق تدريجي لاتفاقيات أوسلو في مسعى لإعادة تعريفها كإطار حكم من دون دور سياسي.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات