تمثل ظاهرة "شبيبة التلال" حالة تجسّد ما يمكن تسميته بـ"الإرهاب المنفلت"، أي نمط من العنف الذي نشأ برعاية مؤسسات الدولة ودعمها، لكنه ما إن بدأ بممارسة العنف على الأرض حتى اكتسب زخمًا ذاتيًا، وأخذ يتطور وفق دينامياته الخاصة، إلى درجة تجاوزت قدرة الدولة التي أسهمت في إنتاجه على ضبطه أو التحكم بمساراته. ومن هنا جاءت تسمية "الإرهاب المنفلت". يستعرض هذا المقال أبرز قنوات التمويل الحكومية التي تغذي "شبيبة التلال"، ثم يشرح الكيفية التي يتحول بها هذا النموذج إلى حالة من الإرهاب المنفلت.
من هم"شبيبة التلال"؟
في حزيران 2026، نشرت وزارة شؤون الاستيطان خطة لتوزيع مبلغ 50 شيكلًا كل يوم على أعضاء "شبيبة التلال"، حتي نهاية العام 2026. ما يهم في الوثيقة، هو أنها تخصص المبلغ لحوالي 657 "منتفعًا"، وفي هذا إحصاء غير مباشر لعدد "شبيبة التلال" كما تصنفهم وزارة شؤون الاستيطان. يتوزع أعضاء "شبيبة التلال" على المحافظات التالية:
|
المحافظة |
العدد |
|
المحافظات الشمالية (جنين، نابلس، طولكرم، قلقيلية، طوباس) |
129 |
|
محافظة رام الله وسلفيت |
225 |
|
الأغوار |
120 |
|
محافظة الخليل |
99 |
|
محافظة بيت لحم |
84 |
|
المجموع |
657 |
ثمة 6 خصائص تجتمع في "شبيبة التلال". 1) سياسيا، هم ينتمون إلى التيار الصهيوني الديني القومي الذي ينظر إلى كامل الأرض الواقعة بين البحر والنهر باعتبارها ملكا حصريا للشعب اليهودي، ويرى في الوجود الفلسطيني عائقا ديمغرافيا وسياسيا ينبغي تقليصه أو إزالته؛ 2) عقائديا، هم يستمدون مرجعيتهم من قراءة تحريفية وخلاصية للتوراة، التي تؤدي بالنسبة لهم وظيفة الدستور والمرجعية العليا. ويعتقد أفرادها أن مجيء "المشيح" وبلوغ الخلاص الجماعي يرتبطان بفرض السيادة اليهودية الكاملة على "أرض إسرائيل"، الأمر الذي يحوّل الاستيطان من مشروع سياسي إلى واجب ديني وممارسة تعبدية؛ 3) ثقافيا، تمثل جماعة "شبيبة التلال" تيارا محافظا ذا نزعة سلفية يسعى إلى استعادة نمط حياة متخيل لليهود القدماء، يقوم على التقشف والعمل اليدوي والابتعاد النسبي عن مظاهر الحداثة؛ 4) تنظيميا، لا تمتلك "شبيبة التلال" قيادة مركزية أو هيكلا هرميا واضحا، بل تعمل من خلال شبكات مرنة وغير رسمية تقوم على العلاقات الشخصية، والروابط العائلية، والتنسيق الميداني؛ 5) سلوكيا، تتبنى "شبيبة التلال" الإرهاب بوصفه أداة مشروعة لإعادة تشكيل الحيز الجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية. وتستهدف هجماتها الفلسطينيين وممتلكاتهم بالدرجة الأولى، كما قد تطاول الجيش والشرطة الإسرائيليين عندما تعتبرهما معيقين للمشروع الاستيطاني؛ 6) اجتماعيا، تشكل ثقافة التمرد ركنا أساسيا في هوية "شبيبة التلال". فهم يتمردون على سلطة الأسرة، ويرفضون أنماط الحياة السائدة في المجتمع الإسرائيلي، ويصطدمون بصورة متكررة بمؤسسات الدولة التي يرون أنها متساهلة مع الفلسطينيين وخاضعة لضغوط خارجية.
كيف تمول إسرائيل "شبيبة التلال"؟
تعد "شبيبة التلال" نموذجًا معياريًا لما يسمى في علم الاجتماع "الإرهاب المنفلت". ومفهوم "الإرهاب المنفلت" (runaway terror) يشير إلى دينامية يتحرر فيها الإرهاب تدريجيا من الحسابات السياسية التي أطلقته، ويصبح مصدرا لإعادة إنتاج ذاته. فمع تراكم الإفلات من العقاب، والمكاسب المادية والرمزية لممارسة الإرهاب، تفقد المؤسسات الراعية قدرتها على ضبط الإيقاع أو تحديد حدود الإرهاب المقبول.
في حالة الضفة الغربية، نشأت "شبيبة التلال" في بيئة وفرت لها قطاعات من الحركة الاستيطانية والهيئات شبه الحكومية والوزراء المتحالفين مع المشروع الاستيطاني، التمويل، والبنية التحتية، والحماية الأمنية، والتسامح القضائي. مع مرور الوقت، تحولت البؤر الرعوية والزراعية إلى فضاءات اجتماعية تنتج جيلا جديدا من "الإرهابيين اليهود" الذين يرون في مهاجمة الفلسطينيين وطردهم ممارسة اعتيادية ووسيلة لإثبات الالتزام بالخلاصية الدينية والسيادة اليهودية. في هذا السياق، تصبح كل عملية اعتداء ناجحة حافزا لاعتداءات جديدة، وتخلق شبكات تضامن ومكافآت وروايات بطولية تجعل الإرهاب الاستيطاني أقل ارتباطا بالحسابات الاستراتيجية للدولة وأكثر خضوعا لمنطقه الداخلي، بحيث قد تجد المؤسسات الإسرائيلية نفسها أمام عنف ساهمت في إنتاج شروطه، لكنها لم تعد تمتلك القدرة الكاملة على احتوائه أو تحديد سقوفه.
لا يقتصر دعم "شبيبة التلال" على التسامح السياسي أو الحماية الأمنية، بل يتجسد في منظومة تمويل حكومية وشبه حكومية توفر للبؤر التي ينشطون فيها مقومات البقاء والتوسع. ففي العام 2023 خصصت الحكومة الإسرائيلية 28 مليون شيكل لحماية بؤر استيطانية غير قانونية، منها 15 مليون شيكل للبؤر الزراعية والرعوية، وارتفع المبلغ إلى 63 مليون شيكل العام 2024، ثم إلى 75 مليون شيكل خصصت لمعدات أمنية للبؤر والكرفانات والمزارع الرعوية. وشملت هذه المخصصات سيارات، وطائرات مسيرة، وكاميرات مراقبة، ومولدات كهرباء، وبوابات وأسيجة، وهي البنية التحتية التي تتحرك داخلها شبكات شبيبة التلال وتمكنها من فرض حضور دائم في المناطق الفلسطينية المستهدفة.
وتتجاوز الرعاية الحكومية تقديم البنية التحتية إلى دمج هذه البؤر في شبكات الخدمات العامة. ففي العام 2024 قاد الوزير بتسلئيل سموتريتش خطة لتنظيم نحو سبعين بؤرة استيطانية غير قانونية، تضمنت توجيه الوزارات والهيئات الحكومية لربطها بالمياه والكهرباء والخدمات العامة قبل استكمال إجراءات التخطيط والترخيص. ويعني ذلك أن الدولة لا تكتفي بالتغاضي عن وجود هذه البؤر، بل توفر لها شروط الاستقرار والنمو حتى قبل حصولها على أي اعتراف "قانوني".
وتشكل وزارة شؤون الاستيطان والمهام القومية، برئاسة أوريت ستروك، قناة إضافية لتمويل الفضاء الاجتماعي الذي تتشكل فيه "شبيبة التلال". فقد ارتفعت ميزانية الوزارة من 133 مليون شيكل في العام 2023 إلى نحو 653 مليون شيكل بعد إضافة الأموال الائتلافية وتعديلات الموازنة خلال الحرب. وتمول الوزارة شعبة الاستيطان، والنوى التوراتية، والأكاديميات الدينية ما قبل العسكرية، ومشاريع الهوية اليهودية، إضافة إلى وحدات ميدانية لحماية أراضي المنطقة المصنفة "ج". وقد خصصت الوزارة وحدها 34 مليون شيكل لما يسمى "وحدات دورية حماية أراضي المنطقة ج"، وهي وحدات توفر حضورا استيطانيا دائما يراقب الأراضي الفلسطينية، ويمنع وصول الفلسطينيين إليها، ويحمي البؤر الرعوية التي تشكل الحاضنة الأساسية لـ"شبيبة التلال".
أما شعبة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، فتؤدي دور الوسيط شبه الحكومي الذي يتيح تمرير الأموال العامة بقدر أقل من الشفافية والمساءلة. فقد حصلت الشعبة على 197 مليون شيكل في ميزانية العام 2023، ثم تلقت 200 مليون شيكل إضافية في كانون الأول من العام نفسه، ونحو 92 مليون شيكل خلال العام 2024. وتستخدم هذه الموارد في تطوير البؤر والمزارع الاستيطانية، بما يسمح بتمويل شبكات "شبيبة التلال" بصورة غير مباشرة ومن خلال مسميات بيروقراطية محايدة، مثل البؤر الرعوية، والمستوطنات الشابة، وحماية أراضي المنطقة المصنفة "ج"، والطرق الأمنية، ومراكز الاستيعاب.
وتكشف برامج "إعادة التأهيل" الحكومية عن نمط آخر من الرعاية المؤسسية لشبيبة التلال. ففي حزيران 2026 تبين أن وزارة الاستيطان والمهام القومية تعتزم تخصيص 5.5 مليون شيكل لتقديم مخصصات معيشية لمئات أفراد "شبيبة التلال"، بمعدل 50 شيكل يوميا للفرد لتغطية نفقات الغذاء والملابس على مدى سبعة أشهر، حتى نهاية العام. ويشمل البرنامج تمويل عاملين اجتماعيين، ووسطاء بين "شبيبة التلال" والسلطات المحلية، وبرامج تشجيع التجنيد العسكري والتأهيل المهني. وعلى الرغم من تقديم هذه المخصصات بوصفها أدوات احتواء وتأهيل، فإنها تمنح أفرادا ينحدر جزء منهم من شبكات ضالعة في اعتداءات شبه يومية موردا ماليا مستقرا ورعاية مؤسسية مباشرة، بما يحوّل التعامل مع العنف من مسألة إنفاذ قانون إلى مسألة رفاه اجتماعي وإدارة للمخاطر داخل المجتمع الاستيطاني نفسه.