المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 96
  • عبد القادر بدوي

يصدر مؤشر السياسة الخارجية الإسرائيلية لعام 2026 عن معهد "ميتفيم" مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، ومع خروج اسرائيل من حروب مدمرة لم تنتهِ بشكل كامل في كل غزة وإيران ولبنان، مع كل ما رافق ذلك من تآكل في صورتها الدولية، ومن تراجع في هامش المناورة أمام حلفائها (وخاصة الولايات المتحدة)، ومن تصاعد في النقاش الداخلي حول أثمان الحرب وحدودها.  لذلك، تكتسب نتائج مؤشر السياسة الخارجية الصادر عن معهد "ميتفيم" أهمية خاصة، كونه لا يقيس اتجاهات الرأي العام تجاه السياسة الخارجية فقط، وإنما يقدم صورة أيضًا عن ملامح التفكير الإسرائيلي قبيل الانتخابات القادمة.

 

هذه المساهمة، تقدم استعراضًا سريعًا ومكثفًا لأهم ما ورد في هذا المؤشر، مع أهمية الإشارة إلى أن الأفكار والآراء الواردة أدناه لا تعبر عن وجهة نظر معد المساهمة أو مركز مدار.

أُنجز استطلاع المؤشر في مطلع حزيران الحالي، وشمل عينة تمثيلية من الجمهور الإسرائيلي، وتتمثل أهميته في أن نتائجه تقدم صورة مركّبة: جمهور قلق من تحوّل إسرائيل إلى دولة منبوذة، لكنه لا يترجم هذا القلق إلى مراجعة سياسية عميقة، كما يظهر مؤشرًا متزايدًا يتمثل في انتقاد أداء الحكومة، واستعداد نسبي للنظر في ترتيبات إقليمية، وإدراك لتدهور المكانة الدولية، في مقابل تمسّك واسع بمنطق القوة، واستمرار النظر إلى الفلسطينيين عبر بوابة الأمن والضبط والمقايضة الإقليمية.

أولًا: القلق من العزلة ومحدودية المراجعة السياسية

تشير نتائج المؤشر إلى تحسن نسبي في تقييم الجمهور الإسرائيلي لمكانة إسرائيل في العالم مقارنة بالعام السابق، فقد ارتفع المعدل العام لتقييم هذه المكانة، حيث يرى نحو نصف الجمهور أن وضع إسرائيل الدولي جيد أو جيد إلى حد ما، غير أن هذا التحسن لا يحجب المعطى الواضح، والمتمثل في أن 66% من المستطلعين قلقون بدرجة كبيرة أو كبيرة جدًا من تدهور إسرائيل إلى مكانة "دولة منبوذة"، مقارنة بـ 57% في العام الماضي، حيث يدرك جزء واسع من الجمهور أن استمرار العمليات العسكرية، وسياسات الحكومة، وصور التدمير في غزة، وتنامي الانتقادات الغربية، كلها تضع إسرائيل في موقع دولي أكثر هشاشة، مع ذلك، يبقى النقاش في الغالب محصورًا في كلفة العزلة على إسرائيل، من دون النظر في جوهر السياسات التي صنعت هذه العزلة.

تظهر الفوارق الحزبية بوضوح في هذا الموضوع، ناخبو أحزاب الائتلاف أكثر رضى عن مكانة إسرائيل، فيما يسجل ناخبو المعارضة، خصوصًا اليسار، مستوى أدنى بكثير من الرضى، كما أن ناخبي الأحزاب الحريدية و"عوتسما يهوديت" أقل اكتراثًا بانتماء إسرائيل إلى المعسكر الليبرالي- الديمقراطي الغربي، وهذا الانقسام يعكس الصراع على هوية إسرائيل وموقعها بين المعسكرات السياسية.

ثانيًا: العلاقة مع واشنطن وحدود الرهان على ترامب

يظهر المؤشر انتقادًا إسرائيليًا واسعًا لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا بعد فرضه جزئيًا وقف إطلاق نار على إسرائيل في غزة وإيران ولبنان، 31% من الجمهور يرون أن خطواته تضر بالمصالح الإسرائيلية، و27% يعتقدون أنها تخدم إسرائيل في المدى القصير وتضر بها في المدى البعيد، بينما ترى نسبة محدودة فقط أن هذه السياسات تخدم المصالح الإسرائيلية.

ثالثًا: الفلسطينيون بين الصفقة الإقليمية ومنطق السيطرة

في الملف الفلسطيني، يكشف المؤشر انقسامًا حادًا حول إمكان التقدم نحو صفقة دولية واسعة تشمل إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وتفكيك حماس عسكريًا وسياسيًا في غزة، وتطبيعًا كاملًا مع العالم العربي، 41% يؤيدون هذه الصفقة مقابل 40% يعارضونها، فيما لم يحسم نحو خُمس الجمهور موقفه من هذه المسألة. لا يعكس هذا الانقسام صعودًا واضحًا لخيار سياسي جديد، وإنما يظهر ترددًا بين كلفة استمرار الحرب وكلفة الاعتراف بأي صيغة سياسية للفلسطينيين، حتى عندما تكون هذه الصيغة منقوصة السيادة ومشروطة أمنيًا، حيث يأتي الدعم الأكبر لهذه الصفقة من ناخبي أحزاب المعارضة اليمينية والوسطية، في حين يبقى الدعم محدودًا داخل قاعدة الائتلاف. 

أما في غزة، فيبدو المستطلعون أكثر استعدادًا للمشاركة في إدارة نتائج الحرب من دون تحمّل مسؤولية سياسية كاملة عنها، فقد أبدى 59% من المستطلعين تأييدهم لمساعدة إسرائيلية أو انخراطًا مباشرًا في خطة أميركية لإعادة إعمار القطاع، لكن الغالبية داخل هذا الاتجاه تفضل مساهمة إسرائيلية في جهود دولية وإقليمية من دون دور إسرائيلي نشط. تظهر حدود هذا الاستعداد عندما يُطرح سؤال هزيمة حماس، 48% يرون أن الضغط العسكري هو الأداة الأنجع، ومنهم 32% يؤيدون العودة إلى القتال واحتلال القطاع بالكامل، في المقابل، تؤيد نسب أقل بدائل سياسية أو دولية.

رابعًا: الضفة الغربية والانقلاب القضائي" كجزء من "مشروع السيادة"

في سؤال الحل المفضل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، تبقى صيغة "الضم" و"تطبيق السيادة" الإسرائيلية على غزة والضفة في موقع متقدم، وتحصل على 30%، وهي النسبة الأعلى بين البدائل المطروحة، في المقابل، يؤيد 25% حل الدولتين ضمن اتفاق تطبيع إقليمي، و14% يفضلون استمرار إدارة الصراع وفق الوضع القائم. من ناحية ثانية، يربط 42% من المستطلعين بين تشريعات تغيير النظام القضائي والدفع نحو فرض "السيادة الإسرائيلية" على أراضي الضفة الغربية، وهو ما يؤشر على إدراك أن مشروع "الإصلاح القضائي" يتجاوز حدود الصراع بين الحكومة والمحكمة العليا، وأن إضعاف القضاء يخدم مشروعًا سياسيًا أوسع، يتعلق بإزالة القيود القانونية أمام الاستيطان، وتوسيع الضم، وإعادة ترتيب علاقة الدولة بالمشروع الاستيطاني اليميني.

تزداد هذه الصورة وضوحًا في الموقف من العقوبات الدولية على المستوطنين والمنظمات الداعمة لـ "العنف" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالمستطلعون منقسمون حول هذه العقوبات، مع تفوق طفيف لتيار المعارضة، كما أن جزءًا معتبرًا منهم يرى أن على البنوك الإسرائيلية تجاهل التهديدات الدولية المتعلقة بعملها في المستوطنات، وهذا يعني أن الخوف من العزلة لا يتحول بالضرورة إلى استعداد لكبح المشروع الاستيطاني، خصوصًا عندما تصبح الكلفة موزعة على المجتمع كله ولا تبقى محصورة في المستوطنين في الأراضي المحتلة 1967 وحدهم.

خامسًا: التطبيع بين بوابة غزة وبوابة إيران

تقدم نتائج المؤشر قراءة مهمة لطريقة تفكير الإسرائيليين في العلاقات مع العالم العربي: 32% يرون أن استمرار المواجهة في قطاع غزة يهدد مستقبل التطبيع، مقابل 23% يعتقدون أنها تعزز الرغبة العربية في التطبيع، و26% يرون أن تأثيرها محدود، في المقابل، يرى 37% أن الحرب مع إيران زادت من استعداد الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل. إن الفارق بين غزة وإيران يكشف عن بنية التفكير الإسرائيلية تجاه الإقليم، فالقضية الفلسطينية يتم النظر إليها كعبء على التطبيع، بينما تتم قراءة الحرب على إيران كفرصة لتوسيعه، لذلك، يترجم الاستطلاع صعودًا كبيرًا في أهمية الإمارات العربية المتحدة في الوعي الإسرائيلي، إذ تقفز إلى موقع متقدم بين دول المنطقة الأكثر أهمية لإسرائيل، مقابل تراجع نسبي في مكانة الأردن، مع بقاء مصر في الصدارة، غير أن الانقسام يعود عند طرح السعودية: 41% يؤيدون تقديم تنازلات أو خطوات عملية تجاه الفلسطينيين في مقابل التطبيع مع المملكة، مقابل 39% يرفضون أي تنازل في الملف الفلسطيني، وهو ما يشير إلى أن التطبيع مع السعودية يحتفظ بجاذبية إسرائيلية واسعة، لكنه يصطدم بالسقف الداخلي حول الضفة والقدس والاستيطان وحدود الاعتراف السياسي بالفلسطينيين.

سادسًا: إيران ولبنان وسورية بين الحرب والترتيبات

تحتل إيران موقعًا مركزيًا في المؤشر، حيث يعتقد 37% من المستطلعين بأثر رجعي أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي العام 2018، بضغط من بنيامين نتنياهو، كان خطأ، في مقابل 31% يرون أنه كان قرارًا صحيحًا، فيما لم يحسم 32% موقفهم، لكن هذا النقد لا يقود إلى تفضيل واضح للمسار الدبلوماسي؛ إذ تؤيد أغلبية واسعة تجديد الحرب ضد إيران، حيث يدعم 42% جولة عسكرية تهدف إلى إسقاط النظام، و15% يدعمون حملة تهدف إلى الوصول إلى اتفاق أفضل، بينما يرى 16% فقط أن العمل العسكري استنفد غرضه ويجب التوجه إلى اتفاق.

في لبنان، يؤيد 63% الاعتقاد بأن "المنطقة الأمنية" التي أقامتها إسرائيل في الجنوب اللبناني تخدم أمن سكان الشمال على المدى البعيد، كما ترى شريحة واسعة أن نزع سلاح حزب الله هو هدف واقعي في المستقبل القريب، مع تفضيل وسائل إضافية مثل الضغط الإقليمي والدولي، تقوية الحكومة والجيش اللبنانيين، أو استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي. أما في ما يتعلق بسورية، فيظهر ميل أكبر نحو ترتيبات مؤقتة أو طويلة الأمد مع النظام الجديد، مقارنة بالدعوات السابقة لإسقاط هذا النظام.

إجمالاً، يقدم مؤشر "ميتفيم" للعام 2026 صورة مكثفة لمجتمع قلق من أثمان الحرب، لكنه مشدود بقوة إلى أدواتها، حيث يُظهر فيه المستطلعون خوفهم من العزلة، وانتقادًا لأداء الحكومة، وترددًا حول مستقبل غزة والصفقات الإقليمية، واستعدادً للتفكير في بعض الترتيبات السياسية، لكن كل ذلك لا يصل إلى مستوى مراجعة جذرية لمنطق السيطرة والقوة، أو إظهار نية لمراجعة السياسات المتبعة منذ سنوات.

المصطلحات المستخدمة:

بنيامين نتنياهو

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات