تُثار على نحو متواتر، في غمرة سجالات فكرية وسياسية داخل إسرائيل خلال الفترة الأخيرة، وعلى خلفية تطوّرات ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مسألتان يجدر تسليط الضوء عليهما:
- الأولى، تبنّي مفهوم أو عقيدة أمنية جديدة تركّز، بالأساس، على تجاوز العقيدة التقليدية التي اعتمدت لعدة عقود على الردع، والإنذار المبكر، والدفاع، والإحراز السريع للنصر.
- الثانية، تقييم الهوية السياسية والعسكرية لإسرائيل، وفحص ما إذا كانت الممارسات العسكرية في حرب غزة، التي اتجهت نحو الإبادة والتهجير والتدمير الشامل، هي نتاج أيديولوجيا تأسيسية أم محصلة ظروف أمنية وسياسية استثنائية توازت مع تحوّلات سياسية أخيرة داخل إسرائيل ولا سيما صعود اليمين القومي الديني المتطرّف إلى مراكز اتخاذ القرار، أكثر من ارتباطها بـ "الصهيونية المؤسسة" التي قامت عليها الدولة في عقودها الأولى.
وبالاستناد إلى السجالات بشأن المسألة الأولى، التي سنتناولها بالتفصيل في هذه الكلمة، تتلخص العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة التي يجري تطبيقها فعليًا على الأرض، وإن لم تُقرّ بعد في وثيقة رسمية مكتوبة ومصادق عليها من طرف الحكومة، في عدة ركائز تشي بها مؤشرات ميدانية آخذة بالتراكم. ومن هذه الركائز استبدال ما يوصف بأنه الاستكانة إلى الردع أو الجدران العازلة والتقنيات الذكية، بالمنع المبكر والمبادرة المستمرة، والانتقال من انتظار "نضوج التهديد" ثم الردّ عليه إلى محاولة ضربه منذ مرحلة تشكّله. وهذا التغيير ينعكس في الخطاب الرسمي وفي الأفعال. ففي نهاية شباط الماضي، مثلما أشير من جانب تقرير أحد مراكز الأبحاث الإسرائيلية، عرّف وزير الدفاع يسرائيل كاتس الهجوم على إيران بأنه "ضربة استباقية"، هدفها، بحسب قوله، إزالة التهديدات عن إسرائيل. وهنا ينبغي أن نشير إلى أن فكرة المنع ليست جديدة، فقد عملت إسرائيل بهذه الطريقة أيضًا في السابق، ولا سيما في إطار ما اصطلح على تسميته بـ "المعركة بين الحروب"، وهي سلسلة من عمليات الإحباط المحدودة، التي تُنفذ غالبًا وتكون أدنى من عتبة الحرب العلنية.
بيد أن الجديد الذي نقصده يتجسّد أكثر شيء في ثلاثة أبعاد:
أولًا، انخفاض عتبة العمل العسكري من "تهديد وشيك" إلى "تهديد آخذ في التشكل".
ثانيًا، دفع خط الدفاع الأول إلى ما وراء الحدود، داخل أراضي الخصم. وتم تطبيق هذا النمط، حتى الآن، في عدة ساحات، ففي قطاع غزة أبقى وقف إطلاق النار إسرائيل مسيطرة على أكثر من نصف القطاع؛ وفي لبنان تقيم إسرائيل شريطًا أمنيًا حتى نهر الليطاني؛ وفي سورية تسيطر على شريط أمني يمتد من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك. وهذا يعني بإيجاز أن إسرائيل، وفقًا لهذا البعد، لم تعد مقيّدة بحدودها السياسية. ففي كل ساحة يجري إنشاء "منطقة أمنية"، ليست مجرد منطقة منزوعة السلاح (كما قال رئيس هيئة الأركان)، بل توجد فيها أيضًا قوات من الجيش الإسرائيلي، كما هي الحال اليوم في قطاع غزة، ولبنان، وسورية. ويضاف إلى ذلك، على الأقل لدى بعض الجهات ذات التأثير، تصوّر مكمّل يرى أن "الاستيطان هو الأمن"، ولذلك فإن إسرائيل يتعيّن عليها أن تقوم في نهاية المطاف بالاستيطان أيضًا داخل هذه "الأحزمة الأمنية"، الأمر الذي سيؤدي، بحسب المفهوم الجديد، حتمًا إلى توسيع المناطق التي "يحمي فيها الجيش المواطنين من الأمام"، ثم تتكرّر الدورة من جديد.
ثالثًا، تغيّر نمط العمل من سلسلة من "العمليات المحدودة والموضعية" إلى حالة مستمرة من المبادرة العملياتية العلنية والأوسع نطاقًا.
وبلغة أحد الخبراء الإسرائيليين في مجال الأمن القومي، لم يعد الأمر مجرد عقيدة تقوم على الردّ بعد وقوع الضرر، بل أصبح تصوّرًا يقوم على تشكيل البيئة مسبقًا: إنشاء مناطق أمنية، والسيطرة على المحاور الاستراتيجية، والحفاظ على حرية عمل تتيح لإسرائيل إمكان العودة إلى دخول أراضي الخصم مرة بعد مرة. ومن هذا المنظور، فإن التغيير ليس عملياتيًا فحسب، بل هو أيضًا تغيير في التصوّر.
أبرز التحديّات
غير أن هذه العقيدة الأمنية الجديدة تواجه عدة تحديّات.
ويبقى في مقدمها تحدّي الاستنزاف. فالعمل العسكري المبكر والمتواصل ضد كل تهديد يتطلب جيشًا أكبر، وخدمة عسكرية أطول، ومنظومة احتياط أكثر صمودًا. وقد حذّر رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، من أن عدم سنّ تشريع يعالج أزمة القوى البشرية سيؤدي إلى إلحاق ضرر جسيم بالجيش الإسرائيلي. وفي المؤسسة الأمنية يتحدثون عن حاجة ملحة إلى نحو 12 ألف جندي إضافي، معظمهم من المقاتلين.
ويُضاف إلى ذلك التحدي الاقتصادي. ففي نهاية آذار الماضي، أبقت وكالة "فيتش" إسرائيل ضمن التصنيف الائتماني A، لكنها أبقت أيضًا النظرة المستقبلية السلبية، وحذرت من ارتفاع الدين العام ومن تأثير النشاط العسكري المطوّل على النمو الاقتصادي. وبعد أيام قليلة، خفّض بنك إسرائيل توقعاته للنمو للعام 2026 إلى 3.8 بالمائة، مقارنة بـ5.2 بالمائة في توقعات كانون الثاني الفائت. هذا يعني أنه إذا أصبحت سياسة المنع دائمة، فإن ثمنها الاقتصادي قد يصبح دائمًا أيضًا. ولن تعود "ضريبة الأمن" بمثابة نفقات مؤقتة ناتجة عن حالة طوارئ، بل ستصبح عنصرًا هيكليًا ومستدامًا يثقل كاهل الاقتصاد، ويقلّص الحيّز المالي، ويشكل تحدّيًا لمعدل النمو على المدى الطويل.
وهناك أيضًا تحدٍ استراتيجي، ومؤداه أن القوة العسكرية بوسعها إبعاد التهديد، واستنزاف قدرات الخصم، وإيجاد حيّز أمني، لكنها لا تنتج بالضرورة نظامًا سياسيًا مستقرًا. وبناء على ذلك يؤكد أغلب المحللين ومراكز الأبحاث أنه يمكن لإسرائيل أن تواصل تحديد ما بات يعرف باسم "مناطق أمنية عازلة"، وتنفيذ عمليات توغل، وعمليات إحباط، وضربات استباقية متكرّرة، والحفاظ على حرية عملها حتى بعد وقف إطلاق النار، ولكن كل ذلك لن يكون أكثر من تفوّق تكتيكي ومن دون ترجمته إلى ترتيبات سياسية مستقرة، فلن تُحلّ المشكلة من جذورها.
وأبرز مثال على ذلك، حتى الوقت الحالي، هو إيران. فقد تكون لدى إسرائيل والولايات المتحدة قوة حقيقية بوسعها إعادة إيران إلى الوراء من حيث القدرات النووية والصاروخية، لكن من دون آلية تسوية موثوقة، قد تعود إلى تهديد إسرائيل خلال بضعة أعوام. ومثل هذا السيناريو من شأنه أن يُبقي إسرائيل في مواجهة مستمرة، مع نشوء حاجة إلى جولات متكرّرة من الضربات. ولعلّ من أبرز الخلاصات بهذا الشأن تلك التي توصل إليها وزير الخارجية الإسرائيلي السابق شلومو بن عامي، بعد أن نوّه بأن الحرب ضد إيران هذا العام ستُذكر في التاريخ باعتبارها "الهزيمة الاستراتيجية الأكثر صدى لقوتيْن عسكريتيْن، الولايات المتحدة وإسرائيل، أمام عدو أدنى منهما قوةً"، وأكد فيها أن الحرب وسّعت أيضًا خطر الانتشار النووي ليشمل منطقة الشرق الأوسط برمتها، وبدلًا من أن تقضي على الخطر النووي، ربما تدفع إيران إلى السعي الحثيث نحو امتلاك السلاح النووي، ويمكن أن تشجع السعودية وتركيا ومصر ودولًا أُخرى على دخول المسار النووي، وهو ما يؤدي إلى سباق تسلّح نووي إقليمي واسع النطاق.
ولا يزال قطاع غزة جزءًا من الصورة العامة. وثمة تقديرات بأنه مع تخفيف كثافة الحملة ضد إيران، ستتجه إسرائيل إلى تطبيق العقيدة الأمنية نفسها في غزة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أقام بالفعل رابطًا مباشرًا بين الساحات، عندما قال إن جنوب لبنان سيُعالج وفق نموذج رفح وبيت حانون، أي إن غزة تُستخدم بالفعل نموذجًا عملياتيًا للبنان، ولذلك عندما تتفرّغ إسرائيل لذلك فقد تطبّق النموذج نفسه بصورة أوسع في القطاع.
غير أنه حتى في قطاع غزة، كما أكد أكثر من مركز أبحاث إسرائيلي لشؤون الأمن القومي، فإنه من دون آلية تسوية موثوقة تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية والسلطوية لحركة حماس، قد تجد إسرائيل نفسها بعد أعوام قليلة في مواجهة "تهديد متجدّد". ومن هذا المنطلق، ستكون الخطة الأميركية لتفكيك حماس بمثابة اختبار لمعرفة ما إذا كانت العقيدة الأمنية الجديدة القائمة على المنع المبكر، والسيطرة على الحيّز، وحرية العمل المستمرة، قادرة أيضًا على إنتاج تسوية مستقرة، أم أنها ستُبقي إسرائيل في مواجهة ممتدة، مع الحاجة إلى عمليات توغل، وعمليات إحباط، وجولات قتال متكررة.
عند هذا الحدّ ينبغي أن نشير إلى أن ما يلمّح له رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وأبواقه حيال كل ما تقدّم هو التمسّك بخيار الحرب. وبرأي مستشار نتنياهو السابق لشؤون الأمن القومي، مئير بن شبات، ينطوي خيار مواصلة الحرب على أثمان ليست بسيطة، لكن لا ينبغي التعامل معها بمعزل عن سياقها، وإنما مقارنتها بالأثمان التي قد تدفعها إسرائيل في ظل أي بديل آخر يُبقي الخصم واقفًا على قدميه. وبرأيه، لا حاجة إلى الغوص بعيدًا في ذكريات الماضي لفهم تداعيات إبرام صفقة مع خصم مصمم لم يُهزم بعد. فالعودة السريعة لحزب الله إلى القتال ضد إسرائيل، إلى جانب منظومة المراوغة والتحدي التي تديرها إيران في مواجهة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاليًا، تقدّمان مثالًا حديثًا على ذلك.
وتفضي بنا ملاحظة بن شبات هذه إلى الاستنتاج الذي توصل إليه عضو الكنيست السابق والخبير في شؤون الأمن القومي عوفر شيلح، من "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، الذي أكد أن نقطة الانطلاق في العقيدة الأمنية أو فيما يصفه بأنه مفهوم الأمن القومي ليست "التهديد الموضوعي"، بل التصوّر الذاتي لطبيعة دولة إسرائيل وهويتها، ولمصدر مزاياها التي ستشكل أساس أمنها، مهما يكن الخصم أو التهديد. وبناء على ذلك فإن الجدل حول مفهوم الأمن القومي، في جوهره، ليس جدلًا حول "كيف نقدّم ردًا أفضل على التهديدات"، بل حول "من نحن؟".
وبحسب ما يرى شيلح، لم يعد الحديث بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 مقتصرًا على "استراتيجية أمنية دفاعية، موجهة لضمان وجود إسرائيل، وخلق ردع فعّال، وتقليص التهديدات عند الحاجة، وتأجيل المواجهات"، ولا عن حالات روتين وطوارئ وحرب، بل عن حرب دائمة.
ويشدّد شيلح في الوقت عينه على أن إسرائيل باعتبارها "سوبر إسبرطة" (بموجب تعريف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو) هي التي جيشها موجود إلى أقصى حدّ في حرب لا نهاية لها، وحدودها آخذة بالاتساع، والعبء الناجم عن هذا المفهوم يهدّد اقتصادها، وتماسكها الداخلي، وما يُعرف بـ "نموذج جيش الشعب" ورغبة كثيرين في العيش فيها، كما أن ذلك من شأنه أن يقرّبها من عزلة عالمية خطيرة. وفي قراءته، ترمي حالة الحرب الدائمة ليس إلى إزالة تهديد قائم أو آخذ بالتشكل فحسب، بل أيضًا إلى إعادة تشكيل محيطها بالقوة.
في الأسبوع المقبل سنعود إلى مسألة تقييم الهوية السياسية والعسكرية لإسرائيل في الوقت الراهن، وفحص ما إذا كانت الممارسات العسكرية في حرب غزة هي نتاج أيديولوجيا تأسيسية أم محصلة ظروف أمنية وسياسية استثنائية توازت مع تحوّلات سياسية أخيرة داخل إسرائيل، مثلما سلفت الإشارة.
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.
المصطلحات المستخدمة:
الصهيونية, جيش الشعب, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو, يسرائيل كاتس, عوفر شيلح