لا تزال ارتدادات استقالة رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، المفاجئة والغامضة، تثير العديد من الأسئلة والتكهنات حول ما تخبئه الأيام والأسابيع القريبة المقبلة، وخاصة حيال الأزمة الحادة التي خلقتها هذه الاستقالة وزجّت في أتونها دول المنطقة بأسرها، لا لبنان وحده، وحيال الحديث المتزايد عما إذا كانت هناك "خطة سعودية متكاملة" مرسومة، مما جرّ تطورات متسارعة رفعت منسوب التوتر والترقب في عواصم الشرق الأوسط وولّدت موجة من التكهنات بشأن الخطوات السعودية المقبلة المحتملة.

ولئن كان التصعيد الذي نشأ برسم استقالة الحريري، بما ورد في نصّ بيانها عن أسبابها ودوافعها، قد تمحور في مسار العلاقات السعودية ـ الإيرانية، أساساً، إلا أن تفاعلاتها اللاحقة تضع المنطقة كلها في دائرة التوتر والترقب، وخاصة على ضوء الحديث الواسع عن "دور إسرائيلي"، محتمل أو متوقع، في سيرورة هذه الأحداث ومآلاتها.

إيران وحزب الله ـ المشكلة والهدف

في بيان استقالته، وجه سعد الحريري أصابع اتهام مباشرة إلى كل من إيران وحزب الله، ليس في ما يتعلق بلبنان وحده فقط، وإنما في مجمل ما يدور في المنطقة كلها خلال السنوات الأخيرة. فقد اتهمهما بالتخطيط لمحاولة اغتياله (استنادا إلى "معلومات استخبارية نقلتها وكالات استخبارات أجنبية"، وهو ما نفت الأجهزة الأمنية اللبنانية أي علم لها به) وبالسيطرة على الساحة السياسية اللبنانية، فضلا عن دورهما في ما يجري في سورية واليمن وما أسماه "محاولة إيران تصدير الدمار والفوضى".

وأجمعت تقديرات عديدة على أن استقالة الحريري جاءت بقرار وإملاء سعوديين مباشرين، كان من بينها ـ بشكل خاص ـ ما كشفه المحلل السياسي في صحيفة "واشنطن بوست"، ديفيد أغاتيوس، الذي روى تسلسل الأحداث التي أوصلت إلى بيان استقالة الحريري وقال إن "السعوديين يرغبون في مرشح آخر يخلف سعد الحريري الذي لم يعتمد سياسة متصلبة وحازمة بما فيه الكفاية ضد حزب الله وإيران".

وقد شكلت هذه التقديرات متكأ الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في اتهامه السعودية بأنها "أعلنت الحرب على لبنان وحزب الله" وبأنها "تحرّض إسرائيل على شن حرب ضد لبنان وقد استثمرت في ذلك عشرات مليارات الدولارات"، محذراً إسرائيل من مغبة "استغلال الوضع الداخلي في لبنان"، رغم استبعاده إقدام إسرائيل على شن عدوان على لبنان في المستقبل المنظور "لأنها تدرك حجم الثمن الباهظ الذي ستدفعه إن هي فعلت ذلك".

غير أن نصر الله، الذي قال إنه لا يسوق "تحليلات" وإنما "يعتمد على معلومات"، شدد على أن منظمته "تتابع التحركات الإسرائيلية وتراقبها عن كثب"، كما أكد أن "الكل يعرف أن إسرائيل تحارب من أجل مصالحها هي فقط، ولا تحارب من أجل السعودية"! وفوق هذا، نوه نصر الله بأن إسرائيل تحتاج، لشن حرب على لبنان، إلى "الثقة بتحقيق انتصار مضمون واضح وكامل في تحقيق أهدافها".

وفي سياق التصعيد السعودي ضد إيران، يأتي الاجتماع الطارئ الذي سيعقده وزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية في القاهرة، الأحد المقبل، بناء على طلب السعودية لبحث "انتهاكات إيران في الدول العربية". ويأتي هذا وسط أنباء متداولة غير مؤكدة حول طلب سعودي من الجامعة العربية بتجميد عضوية لبنان في الجامعة العربية.

إسرائيل ـ صمت حيال لبنان وتصعيد ضد إيران

تلتزم إسرائيل الرسمية الصمت، إجمالا، حيال استقالة سعد الحريري وما أحدثته من تفاعلات، لبنانية وعربية، باستثناء هجوم علني مباشر شنه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، على إيران، بينما كشفت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي عن "ورقة موقف" وزعتها وزارة الخارجية الإسرائيلية على السفارات الإسرائيلية المختلفة "انسجمت تماماً مع التفسيرات السعودية لاستقالة الحريري وألقت على إيران كامل المسؤولية عن الأزمة الحاصلة في لبنان"!

فقد قال نتنياهو، في بيان مقتضب أصدره خلال زيارته إلى العاصمة البريطانية، لندن، في نهاية الأسبوع الأخير، إن استقالة الحريري بمثابة "جرس تنبيه وإنذار للمجتمع الدولي كله للتحرك، بخطوات عملية، ضد العدوانية الإيرانية التي تحاول تحويل سوريا إلى لبنان 2". وأضاف: "هذه العدوانية الإيرانية لا تشكل خطرا على إسرائيل وحدها، وإنما على الشرق الأوسط بأسره"، وعليه فإن "على المجتمع الدولي التوحّد والوقوف صفاً واحداً في وجه هذه العدوانية ومن جل صدّها".

وكان نتنياهو قد حذر، في بداية الأسبوع الماضي، مما أسماه "تعزيز الوجود العسكري الإيراني في سورية" وقال، في حديث لشبكة "بي. بي. سي" الأميركية، إن "طهران معنية ببقاء قواتها العسكرية بصورة دائمة على الأراضي السورية". وأضاف: "إنهم (الإيرانيون) يرغبون في موضعة سلاحهم الجوي بالقرب من الحدود الإسرائيلية وفي إحضار تشكيلات عسكرية شيعية وإيرانية إلى هناك، كما يرغبون في إحضار غواصات أيضا"، محذراً من أن "إسرائيل لن تسمح بحدوث هذا".

وأعقب هجوم نتنياهو وتحذيراته إلى "المجتمع الدولي" من المطامع الإيرانية تحذيرٌ آخر وجهه وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، إلى "المحور الشيعي" والنظام السوري، وذلك على خلفية إسقاط الدفاعات الجوية الإسرائيلية طائرة بدون طيار اقتربت من الحدود الإسرائيلية، دون أن تخترقها، صباح يوم السبت الأخير، أشارت التقديرات الإسرائيلية إلى أنها (الطائرة) "تابعة للنظام السوري وكانت تقوم بمهمة جمع معلومات استخبارية"، وذلك بعدما "تم استيضاح الأمر مع الروس، بواسطة "الخط الهاتفي الساخن"، للتأكد من أن هذه الطائرة ليست تابعة لهم".

فقد وجه ليبرمان أصابع اتهام مباشرة إلى النظام السوري "الذي نعتبره مسؤولاً عن أي خرق للسيادة الإسرائيلية وندعوه إلى لجم العناصر التي تعمل من المناطق التابعة له"، كما قال، محذراً: "سنردّ بقوة هائلة على أي استفزاز ولن نسمح بتعزيز قوة المحور الشيعي ومواقعه في سوريا كقاعدة متقدمة"، مع الإشارة إلى أن "هذه الظاهرة تتكرر في الفترة الأخيرة، على خلفية تعزز ثقة النظام السوري في أعقاب ما حققه من إنجازات أسهمت في استقراره".

وتزامنت هذه التحذيرات الإسرائيلية مع إعلان "موظف أميركي رفيع"، الأحد الأخير، عن "تعهد أميركي، روسي وأردني" بـ "إبعاد القوات الإيرانية عن الحدود مع إسرائيل"، مشيراً إلى أن "الإيرانيين استغلوا الوضع في سورية لتعزيز تواجدهم العسكري هناك، وهو تطور يهدد إسرائيل والأردن معاً".

ومن اللافت إنه باستثناء هجوم نتنياهو على إيران، برز بشكل واضح عدم صدور أي تعقيب آخر عن أي مسؤول إسرائيلي رسمي على استقالة الحريري أو على اتهامات نصر الله بأن "السعودية تحرض إسرائيل على شن حرب ضد لبنان"، كما برز أيضا عدم اتخاذ إسرائيل أية خطوات عملية لرفع مستوى الجاهزية العسكرية عند حدودها الشمالية، بما يمكن أن يدل على استعداد الجيش الإسرائيلي لأي عمل عسكري قريب.

التصعيد السعودي واحتمال التورط الإسرائيلي

يصف بعض المراقبين الإسرائيليين الخطوات التصعيدية السعودية الأخيرة حيال إيران ولبنان بأنها "محاولة سعودية لإرساء نظام جديد في الشرق الأوسط"، وهو ما يُلزم إسرائيل ـ في رأي هؤلاء المراقبين ـ "بالحذر من مغبة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة مع حزب الله"، وهو خيار "لا مصلحة مباشرة لإسرائيل فيه"، رغم أنه "يبدو أن السعوديين راغبون فيه".

وعلى هذا المنحى، رأى المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل (11/11)، مثلاً، أنه "من الضروري التذكير بأنّ السعودية قد بنت على عملية عسكرية إسرائيلية مرتين اثنتين في السابق: شن هجوم عسكري إسرائيلي على منشآت نووية في إيران، ثم تدخل الجيش الإسرائيلي ضد النظام السوري في الحرب الأهلية السورية" وأن "الرجاء السعودي قد خاب في كلتا المرتين". لكن الخطوات السعودية الحثيثة والمتسارعة الآن، يضيف، "ترفع منسوب التوتر على الجبهة المضطربة أصلا، حيث تقف إسرائيل وحزب الله، في أحيان كثيرة، على بعد خطأين متبادلين عن الحرب".

وبالرغم من "التنسيق السياسي المتزايد بين الرياض وتل ابيب، والمصحوب بتعاون استخباراتي أيضا"، كما ينقل هرئيل عن "تقارير متواترة في وسائل إعلام دولية"، في ضوء اتفاقهما على "اعتبار إيران عدوا مشتركا" و"خيبة أملهما من عجز الدول الغربية عن مواجهة التأثير الإيراني المتزايد في المنطقة"، إلا أن جملة الخطوات السعودية الأخيرة "شكلت مفاجأة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية" و"مفاجأة أكبر للسياسيين الإسرائيليين، وخاصة للوزراء أعضاء المجلس الوزاري المصغر الذين لا يتابعون تفاصيل التطورات اليومية الأخيرة"، كما يقول. وأرجع ذلك إلى حقيقة أن غياب الاستقرار في المنطقة، عدد اللاعبين الضالعين ووتيرة الأحداث تضع، مجتمعة، "صعوبة بنيوية" أمام محللي المعلومات وتحول دون قدرتهم على توقع خطوات مستقبلية محتملة. لكن، فوق هذا، قد يكون الأمر عائدا إلى "أسباب عميقة تتعلق بالجانب الإسرائيلي"، من ضمنها "البطء البارز في وضع سلم أولويات قومي مُلزم لأجهزة الاستخبارات، مقابل التركيز المفرط في السنوات الأخيرة على جميع المعلومات الاستخبارية لغايات عملانية، على حساب الإصغاء الضروري لتحليل سيرورات بعيدة المدى".

غير أن "الطموحات السعودية" الساعية إلى "إرساء نظام جديد في الشرق الأوسط"، قد تقود، برأي الكاتب، إلى نتائج أخرى. وهنا يشير إلى المقال الذي كتبه السفير الأميركي السابق في إسرائيل، دان شابيرو، ونُشر في الطبعة الإنجليزية من صحيفة "هآرتس" تحت عنوان يتساءل: "هل تدفع السعودية بإسرائيل إلى حرب مع حزب الله وإيران؟". وهو احتمال يطرحه شابيرو، الذي أشغل أيضا منصب مستشار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لشؤون الشرق الأوسط، برسم "الرغبة السعودية في نقل ساحة القتال مع الإيرانيين من سورية إلى لبنان"، وذلك على خلفية "نجاح نظام الأسد في تجاوز الحرب الأهلية في سورية"، لافتاً إلى أن "السعوديين يرغبون في أن تقوم إسرائيل بهذه المهمة القذرة من أجلهم"!

أما السيناريو الذي يعرضه شابيرو لمثل هذا الاحتمال فينطوي على "سلسلة من ردات الفعل تتمناها السعودية"، كما يقول: استقالة سعد الحريري سوف تضع حزب الله أمام الإسقاطات السياسية والاقتصادية المترتبة على هذه الأزمة في لبنان، مما قد يدفعه إلى المبادرة وافتعال مواجهة عسكرية مع إسرائيل "سعياً منه إلى توحيد الجمهور اللبناني منه حوله". ويحذر شابيرو إسرائيل من مغبة "الوقوع في شراك هذه المناورات السعودية والتورط في مواجهة عسكرية مبكرة"!

لكن شابيرو ليس الوحيد الذي يشير إلى احتمال وقوع إسرائيل في فخ هذا "الإغراء". ففي مقال نشره في مجلة "فورين بوليسي"، رأى دوف زكهايم، الذي تولى مناصب رفيعة جدا في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إبان عهديّ الرئيسين رونالد ريغان وجورد بوش الأب، إن "توليفة القادة الثلاثة، ترامب، نتنياهو ومحمد بن سلمان، تجعل كل الاحتمالات واردة". وقال: "هؤلاء الثلاثة يخططون لشيء ما يبدو كأنه خطة للضغط على إيران"!

وعلى أي حال، من الواضح أن التطورات الأخيرة والظروف المستجدة في الشرق الأوسط قد خلقت واقعاً جديداً يشوبه الكثير من الغموض. وهذا، بالذات، ما دفع رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، إلى القول بأن "ثمة حاجة إلى وضع قواعد لعبة جديدة تحفظ لإسرائيل حرية الحراك العسكري على الجبهة الشمالية". وهي حاجة تقوم على التقدير بأن الظروف المستجدة "تزيد، بصورة دراماتيكية، من خطر التدهور غير المخطط، نتيجة حادثة عينية قد تخرج عن السيطرة"، كما يقول هرئيل، ويضيف: "وإذا كانت السعودية تذكي النار بين الطرفين عمداً، فإن الخطر يغدو ملموسا جداً".

 

الإثنين, أكتوير 15, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية