أسقطت الهيئة العامة للكنيست في الأيام الأخيرة مشروع قانون يقضي بالسماح بعقد الزواج المدني، الذي يعترف به القانون الإسرائيلي، شرط أن يكون مبرما في أي من دول الخارج، إذ أن القانون يسمح فقط بعقود الزواج الدينية. وهذا واحد من أبرز ثلاث ملفات متعلقة بقوانين الإكراه الديني، وهي قضايا الحلال اليهودي، وأنظمة "قدسية السبت والأعياد"، وقضية الزواج، والتي هي ذات ارتباط وثيقة بمسألة "من هو يهودي".

وتحاول أحزاب وحركات مختلفة منذ ما لا يقل عن أربعة عقود تمرير قانون يسمح بالزواج المدني، إلا أن جميع هذه المبادرات تسقط الواحدة تلو الأخرى. وشهدنا أحزابا وكتلا برلمانية كانت تطرح مثل هذه القوانين، طالما فقط هي في المعارضة، وتمتنع عنها حينما تكون في الحكم، وبشكل خاص إذا كانت أحزابا دينية متزمتة شريكة في تلك الحكومات.

ومن أبرز الأحزاب التي أدرجت الزواج المدني في برامجها الحزبية، وما تزال تتمثل في الكنيست، حركة "ميرتس" اليسارية الصهيونية، وحزب "يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا)"، بزعامة أفيغدور ليبرمان، وحاليا أيضا حزب "يوجد مستقبل".

فلدى حزب ميرتس هذا أحد المطالب المركزية، التي تندرج في اطار سعيه لصد قوانين الاكراه الديني على المجتمع. وهو ثابت في مطالباته، ويطرح مشاريع قوانين في كل واحدة من الولايات البرلمانية. وقد يكون هذا بدرجة أقل لدى حزب "يوجد مستقبل"، الذي نائبة منه بادرت لمشروع القانون قبل أيام. أما حزب "يسرائيل بيتينو"، فإن هذا المطلب لديه نابع من أن أكثر شريحة متضررة من عدم وجود زواج مدني، هي المهاجرون منذ سنوات التسعين ولاحقا، خاصة من دول الاتحاد السوفييتي السابق، الذين يشكلون قاعدة مركزية لدى جمهور مصوتي "يسرائيل بيتينو". وهو حزب يتعامل مع هذا الملف بناء على موقعه السياسي، إذ يبادر للقانون حينما يكون في صفوف المعارضة، ويمتنع حينما يكون في الائتلاف، أو أنه يبادر للقانون وهو في الائتلاف حينما يسعى إلى خلق أزمة ائتلافية لتحقيق مكاسب أخرى.

وحسب التقديرات فإنه سنويا يعقد ما بين 8500 إلى 10 آلاف زوجين عقود زواجهم كعقود زواج مدنية، وهم يشكلون ما بين 9% إلى 11% من اجمالي الذين يبرمون عقود زواجهم سنويا. وهذه نسبة تعد هائلة، من ناحية المطالبين بالسماح بإبرام عقود زواج مدني. وحسب تقارير سابقة، فإن كلفة السفر إلى الخارج، وأيام الإقامة الضرورية لاتمام المهمة، تشكل عائقا أمام الآلاف ممن يرغبون بإبرام عقود زواج مدني. ما يعني من ناحية أطر اجتماعية، أن الكلفة تشكل عائقا أمام الشرائح الفقيرة إذا ما اختار أزواج منها إبرام عقود زواج مدني.

والعامل الأساس الذي يمنع سن قانون الزواج المدني، هو سطوة الأحزاب الدينية على كل القوانين والأنظمة التي لها علاقة بـ "الطابع اليهودي" للدولة. وهذا بدأ فور الإعلان عن الكيان الإسرائيلي في العام 1948، وحينما كانت الأحزاب الدينية، وقوة المتدينين بين الجمهور اليهودي، أقل بما لا يقاس عما هي اليوم. إلا أن الأحزاب والقوى الصهيونية أرادت من هذه القوانين تأكيد الطابع اليهودي للكيان في محاولة لإثبات الرواية الصهيونية.

فعلى سبيل المثال هناك الكثير من الأنظمة الدينية التي فرضت على الشارع الإسرائيلي، دون أن تكون مسنودة بقوانين، وأكبر مثال على هذا، مسألة المواصلات العامة في أيام السبت، فحظرها ليس ضمن قانون بل ضمن تفاهمات وأنظمة عمل، ولاحقا جرى دعمها بقوانين منع فتح المرافق الاقتصادية وأماكن العمل في أيام السبت.

وهذا يتسّق مع تنامي قوة المتدينين باستمرار بين اليهود الإسرائيليين، بفعل التفاوت في نسب التكاثر الطبيعي بارتفاع معدلات الولادة، ولكن أيضا بفعل تزايد التشدد الديني، الذي هو قائم أصلا لدى جمهور المتدينين المتزمتين الحريديم، وتزايد في التيار الديني الصهيوني، الذي من المفترض أنه أقل تشدد دينيا، وكانت فيه تيارات ليبرالية دينيا أكثر من اليوم، وهذه التيارات آخذة بالتلاشي في إسرائيل. فالتيار الديني الصهيوني كان حتى قبل سنوات، أقل تشددا بكثير من الحريديم في الموقف من القوانين والتشريعات ذات العلاقة بالأنظمة الدينية، أما اليوم فهو بات أقرب إلى الحريديم. ومع تنامي أعداد المتدينين تزايدت قوتهم السياسية، وتغلغلهم أكثر في مؤسسات الحكم، وأكثر من هذا هو أنه من المستحيل أن تقام حكومة إسرائيلية من دون مشاركة على الأقل أحد التيارين الدينيين، الحريديم والصهاينة. وهؤلاء عقبة أمام أي محاولة لتقديم تسهيلات في هذا المجال، وموقفهم مسنود من جميع الأحزاب الحاكمة على مر السنوات.

خلفيات مطلب الزواج المدني

المبدأ العام في المطالبة قائم لدى الجمهور العلماني بشكل خاص، أكثر من شرائح أخرى، وهو من باب الدفاع عن حرية الفرد وحقوقه في اختيار نمط الحياة الذي يختاره. وحسب المبادرة للقانون الذي تم اسقاطه قبل أيام، النائبة عليزا لافي، من حزب "يوجد مستقبل"، فإن 72% من الجمهور الإسرائيلي يؤيدون سن قانون يسمح بالزواج المدني، ومن بين المؤيدين محافظون ومتدينون، بحسب أقوالها لدى عرض القانون من على منصة الكنيست.
ونشير هنا إلى أن حزب "يوجد مستقبل"، بزعامة يائير لبيد، يعرض نفسه على أنه حزب علماني، يرفض سطوة الأحزاب الدينية على الحكم. ولكن هذا الحزب لم يطرح مشروع قانون الزواج، حينما شارك في حكومة بنيامين نتنياهو السابقة، 2013- 2015، كون حزب المتدينين الصهاينة الأبرز "البيت اليهودي"، كان هو أيضا شريكا في الحكم، وحتى عمل في الكثير من الجوانب بالتنسيق مع "يوجد مستقبل".

إلا أن لقضية الزواج المدني في إسرائيل جوانب أكثر تعقيدا، تتعلق بداية بمسألة "من هو يهودي"، وثانيا بتعقيدات أنظمة الزواج اليهودي، التي لا يتحمل تبعاتها قسم كبير من العلمانيين.

ففي مسألة "من هو يهودي"، هناك ما يقارب 350 ألف يهودي إسرائيلي، ممن لا تعترف المؤسسة الدينية الرسمية بيهوديتهم، وهؤلاء محظور عليهم عقد زواج ديني يهودي، في حين أنه ليس متاحا لهم ابرام عقود زواج مدنية في إسرائيل، بل عليهم ابرامها في دول في العالم، أو أن يعيش الزوجان من دون عقد زواج، وفقط ابلاغ السلطات بأنهما يعيشان معا، وبموجب التعريف الإسرائيلي "معروفان للجمهور".

وتقول النائبة لافي إنه سنويا يولد في إسرائيل 4 آلاف طفل، ممن "لا دين لهم"، بمعنى أولئك الذين لا تعترف المؤسسة الدينية بيهوديتهم، وعلى هؤلاء أن يواجهوا الكثير من التعقيدات في حياتهم، وصولا إلى الزواج، ولاحقا في مماتهم، بمعنى في مكان دفنهم، إذ يكون محظورا أن يتم دفنهم في مقابر اليهود.

والذين لا تعترف المؤسسة الدينية بيهوديتهم، يتوزعون على عدة مجموعات، إما أنهم ضمن عائلات يهودية، وترفض المؤسسة الاعتراف بأنهم يهود، لأسباب مختلفة، مثل الشك في مدى يهودية والدة الواحد منهم. والمجموعة الثانية هي ممن تهودوا لدى تيارات دينية ليبرالية، لا تعترف المؤسسة الدينية بطريقة التهويد لديها. والغالبية الساحقة من اليهود غير المعترف بهم، هم ممن هاجروا إلى البلاد منذ مطلع سنوات التسعين ولاحقا.

أما الجانب الآخر في رغبة العلمانيين في عقد زواج مدني، فهو تعقيدات الإجراءات الدينية حتى يوم عقد الزواج، التي يرفضها جمهور واسع من العلمانيين. وتقول جهات علمانية إن الشروط غير معقولة في نظرهم، فالمؤسسة تتدخل في التفاصيل الدقيقة لحياتهم الشخصية، ومن بينها الزام كل زوجين بالمثول أمام حاخام يهودي لسماع "محاضرات" حول كيفية الزواج والمعاشرة والحياة الزوجية بشكل عام وغيرها، الأمر الذي يعتبره الكثيرون من اليهود أمرا "مذلا ومهينا".

وليس هذا وحده، بل إن الكثير من النساء تتخوفن أيضا من شروط الطلاق، وهذه واحدة من أكثر القضايا الساخنة في قضية الزواج اليهودي. وبحسب الشريعة اليهودية، فإن الطلاق يكون نافذا فقط في حال وافق الزوج عليه. وهناك مئات الحالات التي تبقى فيها الزوجة معلقة من ناحية اجتماعية، إذ تكون منفصلة عن زوجها كليا، ومن ناحية ثانية لا يمكنها الزواج لأنها من ناحية دينية ما تزال متزوجة.

وجرت محاولات كثيرة لسن قوانين تهدف إلى فرض ضغوط كبيرة على الرجال الذين يرفضون النطق بالطلاق، خاصة أولئك الذين يربطون زوجاتهم لسنوات طوال بفعل تلك الأحكام، رغم أن المحاكم الدينية تحاول ممارسة ضغوط على الرجال، الذين منهم من يختار مغادرة البلاد كي لا يمنح الطلاق لزوجته.

وفي الأسبوع الماضي، صادقت المحكمة العليا الإسرائيلية، بهيئة موسعة من سبعة قضاة، على قرار المحكمة الدينية العليا، التي فرضت على رجلين عقوبات الحرمان الاجتماعي والديني، حتى يمنحا الطلاق لزوجتيهما. وضمن العقوبات حظر مشاركتهما في الصلوات في الكنس، أو مع مجموعات، وعدم الاختلاط بهما اجتماعيا وغيرها.

وتبين أن هذا الشكل من العقوبات وضعه أحد الحاخامين الذي اشتهر بفتاواه في القرن الثاني عشر بعد الميلاد. وحسب ما ذكرته صحيفة "هآرتس"، فإن هذه العقوبات تستخدمها محاكم دينية يهودية في العالم، وكما يبدو استخدامها في المحاكم الدينية الإسرائيلية نادر.

أما موقف الحكومة من مشروع القانون، والذي عرضه وزير الأديان دافيد أزولاي، من كتلة "شاس" للحريديم الشرقيين، فقد لخصه بالقول: "إن موقف الحكومة معارض لمشروع القانون. إنني افترض أن هناك اتفاقا على أن هذا موضوع خلافي واسع جدا في المجتمع الإسرائيلي. وبسبب حساسيته البالغة، فإنه من غير الممكن تغيير القانون القائم بالصيغة التي تعرضها صاحبة مشروع القانون. ومن أجل سن قانون يسمح بعقد زواج خارج أحكام الدين، فإن هذا يتطلب توافقا واسعا جدا، وهو ليس موجودا الآن".

متطلبات أخرى

وفي قول الوزير أزولاي "الصيغة التي تعرضها المبادرة"، يقصد بذلك ما ورد على لسان النائبة لافي بشأن مثليي الجنس. ففي السنوات الأخيرة، بات مطلب الزواج المدني مقرونا أيضا بمطلب ابرام عقود زواج لمثليي الجنس، وهذا ما ظهر في خطاب النائبة لافي، إذ قالت في ردها "يزداد سنويا عدد الناس الذين ليس لديهم خيار لابرام عقد زواج، ولأن يحققوا حبهم. فهناك المرفوضون من المؤسسة الدينية، ويعيشون مع بعضهم. وهناك الأزواج من ذات الجنس، وآخرون من الذين لا دين لهم، وكل هؤلاء محرومون من الحق الأساس، ولا أحد يقدم لهم الاجابة".

وعلى الرغم من أن مسألة السماح بإبرام عقود زواج لمثليي الجنس ليست مرتبطة بالزواج المدني، وهي تحتاج إلى قانون خاص، فإن من يطرحون مشاريع قوانين الزواج المدني، باتوا يرفقون مطالبهم بالسماح لابرام عقود زواج مثليي الجنس. ومثل هذا المطلب يقلص عادة حلقة المؤيدين من جمهور المحافظين، الأقرب إلى المتدينين، ولكنه يؤيد تعاملا ليبراليا مع الجمهور العلماني.

أخيرا، تجدر الإشارة إلى أننا خصصنا تقريرين سابقين في "المشهد الإسرائيلي" لمسألة تداعيات الإكراه الديني في إسرائيل: الأول عن مسألة فتح المحال التجارية في أيام السبت، ظهر في عدد 7 شباط الماضي، والثاني عن تعقيدات الطعام الحلال في قطاع الأغذية في الفنادق والمطاعم، وظهر في عدد 21 شباط الماضي.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية