كتب محمد دراغمة:
كان الأطفال في منزل سمير البدوي في حي القصبة بمدينة نابلس غارقين في النوم عندما هز انفجار عنيف مبنى مجاورا في حوالي السابعة والنصف من مساء أول من أمس ليفيقوا مفزوعين وقد هشم زجاج نافذة غرفتهم وجوههم..

تحطمت نوافذ المنزل وحوالي عشرين منزلاً آخر في الجوار، ليمضي أهلها ليلتهم في مهب الريح والأمطار الشديدة التي عصفت بها طيلة الليلة ونهار اليوم التالي.

صباح أمس كانت جميع هذه المنازل غارقة بمياه الأمطار.

<<انظر السجاد والموكيت والملابس والأثاث، لقد أتلفت الأمطار كل شيء>>، قال سمير وهو يشير بيديه في كل اتجاه إلى مياه الأمطار التي اخترقت بيته الواقع في الطابق الثالث من بناية قرب باب الساحة.

من شرفة هذا البيت يمكن رؤية الخراب الذي حل بمسجد النصر الذي انهارت جميع نوافذه، وغيره العديد من البيوت الأخرى من جراء شدة الانفجار.

تعمد جنود الاحتلال تفجير مشغل للمجوهرات في السوق التجاري في هذا الجزء من البلدة القديمة دون ابلاغ أصحاب البيوت المجاورة، ما أدى إلى تخريب نوافذ وأبواب بيوتهم وانقطاع الكهرباء عنهم وإشاعة حالة من الرعب في نفوسهم وخصوصاً الأطفال منهم. <<شعرنا أن القيامة قد قامت هنا عندما فجروا البناية>>، قال البدوي.

وأضاف: <<جرت العادة أن يتم إبلاغ وإخلاء البيوت المجاورة لكل مبنى يتم هدمه، أما هذه المرة فقد تعمد الجنود تفجير البيت دون إبلاغ المجاورين من أجل إلحاق الأذى الجسدي والنفسي بهم>>.

أدى هدم المشغل الذي يقع في الطابق الثاني من بناية تجارية إلى هدم ثماني محال تجارية بصورة كاملة. وقد تداعى أصحاب هذه المحال صباح أمس إلى محالهم من أجل إنقاذ ما تبقى فيها من بضاعة ومحتويات.

<<ربما فقط هتلر فعل مثل هذا بالبشر>>، قال فهمي طبيلة وهو ينظر إلى محل التجاري وقد أصبح ركاماً..

<<هل ممنوع أن نفتح مشاغل مجوهرات في نابلس، أم هي هدم وتخريب فقط>>، تسائل طبيلة.

وقد دأبت قوات الاحتلال على هدم مشاغل المجوهرات في كل عملية اجتياح لها للمدينة، معلنة عقبها عن عثورها على مشاغل لصناعة المتفجرات.

وتستخدم هذه المشاغل بعض المواد الكيماوية في تنظيف معدن الذهب ما يثير شبهات الجنود الذين يسارعون إلى هدم المشغل دون فحص أو تدقيق.

وقد تحولت البلدة القديمة التي يطلق عليها اسم القصبة خلال اليومين الماضيين إلى ساحة للقتل والهدم والتخريب.

وتسمع أصوات الانفجارات في هذا البلدة المكونة من خمس حارات على مدار الساعة. ويعقب الانفجارات تصاعد موجات من الغبار في سمائها.

ويقول مواطنون في اتصالات هاتفية بأن الجنود يعمدون إلى هدم كل بيت مهجور وتفجير أبواب معظم المحال التجارية والكثير من البيوت.

وذكر مواطنون أن الجنود قاموا بتفجير منزل لمجرد عثورهم على صور للشهداء فيه. وقد أخرج الجنود سكان هذا المنزل الذي يعود للمواطن أبو السعيد الأسود وقاموا بتفجيره من الداخل.

ويقوم الجنود بجمع الرجال من البيوت التي يقتحموها وينقلوهم إلى مدرستين حولوهما إلى مركزي اعتقال وتحقيق وهما مدرسة جمال عبد الناصر ومدرسة ظافر المصري.

وينقل الجنود العشرات من المحتجزين إلى معسكر للجيش خارج المدينة قرب قرية حوارة ويلقون بهم هناك في خيام عارية حتى صباح اليوم التالي.

وذكر زهير الدبعي 54 عاماً مدير الأوقاف في نابلس الذي كان أحد الذين نقلوا إلى هذا المعسكر بأن المحتجزين يمضون ساعات طويلة على الأرض الموحلة وفي البرد القارس. وكان الدبعي نقل وحوالي ثلاثين آخرين من القاطنين في باب الساحة إلى هذا لمعسكر ظهر أول من أمس وأطلق سراحهم في الرابعة من فجر أمس.

وقال: <<قيدوا أيدينا وألقوا بنا في الخيام، ولم يسمحوا لنا بالوصول إلى الحمام سوى مرة كل أربعة ساعات ونحن مقيدي الأيدي>>.

وقد خضع بعض هؤلاء لاستجواب عابر لدى ضباط المخابرات في المعسكر.

وفي الرابعة فجراً أطلقهم الجنود على باب المعسكر ما اضطرهم للسير ما يزيد عن خمسة كيلومترات مشياً على الأقدام تحت المطر.

ووصف الدبعي الذي اعتقل في الماضي سبع مرات في سجون الاحتلال هذه الليلة بأنها أسوأ ليلة مرت عليه طيلة حياته.

وقال: <<اعتقلت سبع مرات، أمضيت فيها ما يزيد عن السبع سنوات في سجون الاحتلال، لكن هذه المرة هي الأسوأ>>، مشيراً إلى ما يتعرض له المحتجزون من امتهان وتعذيب نفسي، إضافة إلى معاناتهم الشديدة من البرد القارس والمطر.

ويتعمد جنود الاحتلال الذين شرعوا في عملية واسعة النطاق في البلدة القديمة منذ ليلة الثلاثاء الماضية إلى إطلاق النار والقتل في مختلف الحالات.

ففي اليوم الأول من العملية لجأوا إلى إعدام شاب أوقفوه وهو في الطريق إلى عمله عند السادسة صباحاً أمام أعين والده العجوز التسعيني.

وذكر مصطفى أبو صفية والد الشاب ناصر أبو صفية 32 عاماً أن الجنود أطلقوا النار مباشرة على نجله بعد أن فتشوهما جسدياً ولم يعثروا على شيء بحوزتهما.

ويوم أمس أطق الجنود النار على فتى في السابعة عاشرة من عمره هو أحمد ابو زهره، كان برفقة جده ومواطن ثالث قرب المسجد الكبير، ما أدى لمقتل الفتى وإصابة جده بجروح خطيرة وإصابة الثالث بجروح متوسطة.

وتدعي سلطات الاحتلال أنها تقوم بعملية واسعة في البلدة القديمة هدفها إلقاء القبض على مطلوبين.

لكن مصادر المطلوبين في نابلس تقول بأن أي منهم لا يتواجد في البلدة القديمة وأن أيا منهم لم يعتقل بخلاف ما ادعته السلطات، الأمر الذي يشير إلى هدف آخر لهذه العملية وهو جعل حياة الجحيم التي يعيشها أهل البلدة القديمة أشد جحيماً.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية