في ذروة المعركة الانتخابية تم تعليق صور ضخمة لشارون في مفترقات الطرق في تل أبيب. الحملة مولت من جانب حركة <ميريتس>. في أحد الأيام شاهدت زوجين من دول رابطة الشعوب يقفان باعتزاز تحت احدي الصور الضخمة لالتقاط صورة تذكارية معه. وليس هذا ما أراده حزب <ميريتس> من حملة تعليق صور شارون مع عبارة في أسفلها: <لسنا في قطيع شارون>. أما الآن فيبدو الوضع وكأن الجميع يريدون الانضمام لهذا القطيع، كلهم، باستثناء ما تبقي من كتلة <ميريتس>. أعضاؤها يتجولون في الكنيست ووجوههم واجمة وكأنهم قد تدمروا ويجدون صعوبة في تحمل بعضهم البعض بالأساس.في نظرة للوراء قال شارون بعد ذلك راضياً: <<حصلنا علي عدة إنجازات: لدينا رئيس دولة ورئيس كنيست منا ورئيس الائتلاف وحتي رئيس الحكومة، كلهم من الليكود. كل هذا بعد ان تلقينا حزبا محطما مع 19 مقعدًا برلمانياً وأقسم بعضهم علي مناهضتي. كان علي ان أتوسل للبنوك حتي تمول الديون التي خلفها نتنياهو من ورائه، ومع ذلك قمنا بشيء ما>>.

بعد ذلك نهض شارون من موقعه في الكنيست ولوح لحفيده الذي يجلس في القاعة من موقع المشاهدين. اللحظات كانت سعيدة حيث يتمتع شارون بالنصر ويتلذذ خصوصا بالهزيمة التي مني بها معارضوه.

في الايام القريبة سيكون مطالباً باتخاذ قرار حاسم غير بسيط، وتاريخي الحجم والأبعاد. شارون سيضطر للتقرير اذا كان سيدير ظهره لمعسكره السياسي الطبيعي - معسكر اليمين. وسيضطر في تلك الحالة الي الحسم ايضا في قضية الافتراق عن الاصوليين، مفضلا العلمانيين عليهم من خلال <شينوي> ومع نموذج ديني صغير على شاكلة <المفدال>.

يبدو ان المشكلة الحقيقية ليست مشكلة عمرام متسناع، وعملية الالتواء المطلوبة منه اذا قرر الانضمام لحكومة شارون خلافا لوعوده. المشكلة هي مشكلة شارون قبل كل شيء: الشراكة مع <العمل> و <شينوي> قد تضع نهاية للهدوء المصطنع الذي يسود في <الليكود> منذ الانتخابات. وزراء <الليكود> يسيرون وهم صامتون في الاسابيع الاخيرة، وهذا ليس لانهم بلا رأي. فالسبب هو انهم بانتظار توزيع الغنائم: من الذي سيكون وزيرًا ومن الذي سيرحل ومن الذي سيحافظ علي مكانته ومن الذي ستتم ترقيته.

بكلمات اخرى، معضلة شارون تتراوح بين الحسم العقلاني البارد الأعصاب والقاسي وبين العاطفة: فهل يركل الاصوليين الي خارج المعسكر كما كانت أجزاء كبيرة من الجمهور تريد ويشكل في هذه الحالة حكومة من 80 عضوا برلمانيا، أم انه سيعود ليكون <اريك> القديم في أحضان اليمين والمتدينين الدافئة، في مواجهة كل اليسار في حكومة من 69 عضوا برلمانيا؟

* ما لم يقله شارون

وسائل الاعلام انجرت بعض الشيء - قال شارون في يوم الخميس إثر التقارير الصحافية حول التنازلات التي يقال إنه مستعد لاعطائها للفلسطينيين. الامور التي كشفت حول موقفه من التسوية مع الفلسطينيين ترتكز علي ما قاله لمتسناع في لقائهما الثاني في يوم الاثنين مساء.

لا حاجة لقراءة بروتوكول اللقاء حتي نتأكد من أن شيئا ما نسب لشارون حول استعداده لاخلاء المستوطنات، لم يقل ولم يكن صحيحًا بالمرة. شارون لن يقول ذلك ليس لانه لا يرغب في كشف خططه في جلسة يشارك فيها السكرتير العام لحزب <العمل>، اوفير بينيس، وانما حتي لو كان شريكه فيها بوش نفسه، لم يكن ليقول شيئاً حول نواياه بصدد المستوطنات. شارون لا ينوي تكرار الخطأ الذي وقع فيه رابين عندما كشف استعداده للانسحاب من كل الجولان أمام الامريكيين وطلب منهم فقط ان لا يكشفوا ذلك للأسد. الامريكيون من ناحيتهم لم يلتزموا بالوعد وحصل الأسد علي الهضبة ومن دون ان يقول كلمة شكرًا طالب بنصف طبرية ايضاً.

بالمناسبة، في قضية مبادرات حسن النية وغيرها المقدمة للفلسطينيين يبدي كبار المسؤولين الامريكيين مواقف أكثر تصلباً من مواقف نظرائهم الاسرائيليين: <<نحن لا نطلب منكم بوادر طيبة وان تقوموا باخلاء مستوطنات الآن>>، هذا ما يقولونه لهم، <<فهذا سيكون مثابة جائزة للارهاب، وعندما ستحين اللحظة المناسبة سنطالبكم بها، واذا لم تقدموها في حينه فسنجبركم علي إبداء الكرم. ولكن ليس الآن>>.

* صديق متسناع

اللقاء الثاني بين شارون ورئيس حزب العمل كان أفضل من الاول لأن متسناع كان مستعدًا للاصغاء. وربما لأنه ينضج للقيام بخطوة الانضمام للحكومة.

شارون ينظر لعناوين الصحف التي طحنت متسناع طحناً في قضية التواءاته في مسألة الوحدة، واقترح عليها ان لا تتشدد في أحكامها عليه ذلك لأن الجميع يفقدون صوابهم خلال الانتخابات، والانتخابات مضت الآن، ويتوجب مد خط والكف عن التركيز على ما قيل خلالها .

حاشية شارون تدعم حكومة الوحدة جدًا: نجله عمري وكذلك أوري شيني رئيس طاقم المفاوضات الائتلافية يكرران علي أسماعه أهمية التواصل مع حزب <العمل>. ومن الناحية الاخري يفضل جدعون ساعر، رئيس قائمة <الليكود> وعضو طاقم المفاوضات، حكومة يمينية - دينية. دوف فايسغلاس، مدير ديوان رئيس الحكومة وايهود اولمرت يؤيدان حكومة مع احزاب <شينوي> و <المفدال> و <الاتحاد الوطني>.

افيغدور يتسحاكي، مدير عام مكتب رئيس الحكومة، هو أحد المدافعين المتحمسين عن متسناع. فقد كانا معا في المدرعات منذ ثلاثين سنة، ويتسحاكي يكن له احترامًا كبيراً.

شارون نفسه يفضل التحدث عن الطريق وليس عن الائتلاف. وبكلمات اخرى يقول: أنا معني بمحاولة التوصل الي حل للصراع مع الفلسطينيين، ولذلك علي ان أكون قادرًا على اتباع سياسة تقوم علي التسوية .

لا يمكن حل الصراع مع الفلسطينيين اذا شكلت الحكومة من الأطراف المتطرفة في الخارطة السياسية، ولا يوجد أي واحد مستعد لاعطاء كل شيء، ولا يمكن لأي أحد ان يواصل الاحتفاظ بكل المناطق. لقد آن الأوان للتوصل الي التسويات.

لا يتوجب ان يتفاجأ أحد من اقوال شارون. ففي كل مكان يذكر انه كان قد تحدث عن الدولة الفلسطينية حتي في مركز الليكود، وانه قد تعهد بقبول أفكار بوش، وقال ان هناك حاجة الي تنازلات مؤلمة في المفاوضات مع الفلسطينيين.

هذا الامر تطلب منه مدة طويلة. ولكن من اللحظة التي أدرك فيها شارون العلاقة بين الضائقة الاقتصادية التي تمر بها اسرائيل وبين تواصل المجابهة مع الفلسطينيين أصبح لديه استعداد لمحاولة التوصل الي حل لهذا الصراع النازف.

هل يعتقد أحد ما حقا ان من الممكن مواصلة الاحتفاظ بجنين ونابلس الي الأبد؟ هل يعتقد أحد ان العالم سيقبل حصول ملايين الفلسطينيين وملايين الأفواه البشرية علي الطعام من المنظمات الدولية؟ أنا لا أعتقد ذلك قال شارون وأضاف نحن لن نصمد، واقتصادنا لن يصمد، ومن دون حل سياسي سينهار هذا الاقتصاد.

شارون يزمع تكريس وقته في الفترة الرئاسية الحالية لأربع قضايا: في المسار الأمني ينوي التوصل الي تهدئة في العمليات العسكرية. وسياسياً يريد بذل الجهود لاستئناف المفاوضات، وفي المجال الاقتصادي يريد استئناف النمو الاقتصادي مع اجراء تغييرات عميقة في هيكلية الاقتصاد وفي عمل الحكومة، وأخيراً: تشجيع الهجرة.

فهل يمكن لحكومة يمينية ان تواجه هذه المسائل؟ شارون يقول انه كان سيشكل هذه الحكومة خلال يوم واحد لو انه آمن بذلك. أنا أريد فعلا امكانية تشكيل حكومة واسعة مع العمل، وهذه ليست خدعة أو مناورة.

* هناك قعر لبئر <الارهاب>

عبارة <نافذة الفرص> هي احدي العبارات المحببة علي قلوب الجالسين في الطابق الاول في وزارة الدفاع، الذي هو الطابق المخصص للوزير. اسحق رابين أحب استخدام العبارة احيانًا كتحذير واحياناً اخري كتعبير عن الأمل. وموفاز لا يختلف عن رابين كثيرًا في هذه المسألة. في يوم الاربعاء مساء تحدث معنا عن عام 2003 علي انه عام نافذة الفرص. موفاز يعتقد ان الامريكيين سيضعون أمام اسرائيل فرصة نادرة بعد الحرب لحل الصراع مع الفلسطينيين. وعرفات حسب رأيه سيطرد من المنطقة. هذا سيحدث نتيجة لخطوة عسكرية اسرائيلية أو من خلال استجابة الفلسطينيين لمطلب الأسرة الدولية بتعيين رئيس حكومة يمسك بكافة الصلاحيات والادارة، بينما تبقي لعرفات مكانة رمزية كرئيس.

موفاز في حالة تنسيق مطلق مع شارون، وهناك اتفاق تام بينهما. شارون ووزير دفاعه يقودان الآن عملية عسكرية في القطاع من اجل زعزعة سيطرة حماس هناك، وموفاز يعتقد ان لبئر <الارهاب> قعرًا وان اسرائيل توشك على الفوز في هذه المعركة. وهو يوفر لشارون ردًا علي أصوات اليمين التي تنتقده حول تصريحاته بشأن التسوية من خلال السياسة الهجومية الميدانية التي يقوم بها.

والتقدير السائد في حاشية موفاز هو ان <حماس> و <الجهاد> قد بدأتا تستوعبان التغيير في طريقة التحرك الاسرائيلية وتدركان ان قادتهما سيشعرون من الآن بأنهم ملاحقون. موفاز الذي لم ينتخب للكنيست هو أحد القلائل في قيادة <الليكود> الذي لا يساوره قلق علي مصيره السياسي. فشارون قال في هذا الاسبوع انه لا ينوي بالمرة التراجع عن وعده باعطاء موفاز حقيبة الدفاع وانها لن تخضع للمساومات الائتلافية.

أما رفاق موفاز فيبحثون في الظلام عن أي اشارة لما سيحصلون عليه من شارون. وتركيبة الحكومة ستقرر ماذا سيحدث معهم بدرجة كبيرة. فاذا كانت حكومة موسعة فالامر سيأتي علي حسابهم في هذه الحالة، ومن المعتقد ان من الأسهل علي شارون في هذه الحالة ان يتنازل عن حقيبة الخارجية من ان يتنازل عن مستوطنة معزولة. سلفان شالوم من ناحيته يبث معلومة تقول ان شارون وعده بالاحتفاظ بحقيبة المالية، الا ان هذه المسألة غير واردة اذا تشكلت حكومة موسعة. <الليكود> سيملك في هذه الحالة عشرة وزراء بما فيهم رئيس الحكومة. وفي نيته ان يبقي الدفاع لموفاز والتربية لليمور لفنات والاحتفاظ بالداخلية والامن الداخلي بيد <الليكود>. أما كل ما تبقي فمطروح علي طاولة المفاوضات.

شارون وعد اولمرت بوزارة بارزة. أما وضع دان مريدور فمغاير: ففي حالة الحكومة الموسعة سيضطر لخوض المنافسة علي رئاسة بلدية القدس، أما اذا كانت حكومة يمينية فسيكون وزيرًا.

(يديعوت احرونوت، 21 شباط)

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية