بالإضافة إلى المحاولات الحثيثة التي من المتوقع أن تبذلها المعارضة خلال الدورة الحالية للكنيست الإسرائيلي والتي بدأت قبل أسبوع، والرامية إلى زعزعة استقرار حكومة بينيت- لبيد، على خلفيات شتيتة، ستشهد هذه الدورة أيضاً إقرار الميزانية الإسرائيلية العامة بالقراءتين الثانية والثالثة، وذلك حتى منتصف تشرين الثاني المقبل.

ولا شكّ في أن الكلام حول الميزانية العامة من شأنه أن يحيل، على نحوٍ مباشرٍ، إلى ما يرتبط بسياسة الحكومة الإسرائيلية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وفيما إذا كانت هذه السياسة تنطوي على تغيير جوهري مغاير عما هو متبع منذ عدة عقود من سياسة تدور في فلك النيوليبرالية. ولعلّ من أبرز معالم هذا الدوران، حسبما تؤكد دراسات العديد من المختصين والخبراء، التخلّي أكثر فأكثر عن برامج الرفاه والإعانات التي تقدمها الدولة بحجّة تعزيز الحوافز التي تشجع الفقراء على الانخراط في سوق العمل، وخفض الضرائب ولا سيما التي تُفرَض على الشركات وعلى ذوي الدخل المرتفع من أجل تشجيع الأغنياء على البقاء في البلد، وتحرير أسواق العملات الأجنبية بغية تمكين الشركات العالمية من ممارسة قدر أكبر من النفوذ وزيادة قدرتها على تحقيق الأرباح في السوق المحلية، وخصخصة أصول الدولة ووضعها في أيدي القطاع الخاص وإزالة القيود التي كانت مفروضة على القطاع الخاص.. وما إلى ذلك.

طبعاً يُفضّل أن ننتظر إلى حين إقرار الميزانية الإسرائيلية العامة بشكل نهائي سوية مع ما يعرف باسم "قانون التسويات"، حتى يكون بالوسع تقديم إجابة دقيقة عن السؤال السالف. وإلى أن يحدث هذا يمكن الاكتفاء بتسليط الضوء على آخر مستجدات الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل وآثارها الاجتماعية التي تستلزم معالجةً من طرف الحكومة. ومن نافل القول إن معظم هذه الآثار مرتبط بجائحة كورونا. وما بات شبه واضح منذ الآن أن أبرز تداعيات الجائحة سيكون زيادة نسبة العاطلين عن العمل. ووفقاً للتوقعات فإن هذه الزيادة ستكون مضطردة أيضاً في ضوء أن التعافي من تداعيات تلك الجائحة يتم في الوقت عينه إلى ناحية تكريس وضع عام يوصف بأنه تعافٍ إنما من غير خفض البطالة، وهو وضع يميّز العديد من الاقتصادات في العالم التي تعود إلى أدائها الجيّد من أزمات طارئة تواجهها ولكن الكثير من الشغيلة يكونون من دون عمل لأسباب كثيرة، في مقدمها الاعتماد على نشاطات اقتصادية تدجّج النموّ العام في الاقتصاد ولا تحتاج إلى أيدٍ عاملة. ومثل هذا الوضع قائم في إسرائيل منذ عدة أعوام، وهو ما يؤكده تقرير جديد لمحافظ البنك المركزي شدّد فيه على أن استمراره قد يؤدي في الأفق المنظور إلى اتساع الفجوات بين مختلف فئات السكان، وازدياد حدّة الفقر، وتعمق التقاطب الاجتماعي.

وبموجب تقارير في هذا الصدد تدأب على نشرها صحيفة "دافار" الإلكترونية الصادرة عن اتحاد نقابة العمال العامة في إسرائيل (الهستدروت)، ثمة الكثير من الغموض الذي يحفّ بقضية العمالة في الاقتصاد الإسرائيلي. وهو غموض ناجم عن عاملين: الأول، صعوبة الوصول إلى بيانات تحدّد عدد العاطلين عن العمل بشكل دقيق، نتيجة عدم وجود هيئة تقوم بدمج كل المعطيات المطلوبة لوضع بيانات كهذه، بموازاة اكتفاء الحكومات الإسرائيلية بما في ذلك الحكومة الحالية ببيانات جزئية للهروب إلى الأمام من هذه المشكلة التي تستوجب سياسة اقتصادية غير السياسة المعمول بها في الأعوام الأخيرة. والعامل الثاني، هو عدم وجود بيانات دقيقة أيضاً حول نسبة الشغيلة من أبناء 15 عاماً فما فوق، باستثناء طلبة الثانوية والجامعات والجنود، في سوق العمل الإسرائيلية. وتقول بعض التقارير إن نسبة هؤلاء انخفضت تحت وطأة كورونا من 61% إلى 58.5%، ورقمياً فإن 170 ألف إسرائيلي كانوا يعملون قبل عامين باتوا عاطلين عن العمل الآن.

أمّا فيما يخصّ سياسة الحكومة الاجتماعية وفقاً لسياستها الاقتصادية، فمن الجليّ منذ الآن أن الأمن ما زال هو المهيمن على خطاب الحكومة الحالية، كما كانت الحال دائماً. وهذا الأمر انعكس ببريق أخّاذ في حجم الميزانية الأمنية ونسبة الزيادة التي حظيت بها. وهو ما أدى، مثلما كان في السابق طول الوقت، إلى تراجع السياسات الاجتماعية إلى المرتبة الثانية من حيث أولويتها. وما ينبغي إعادة التذكير به باستمرار هو أنه في حين تُعتبر إسرائيل من بين أقل الدول التي تنفق على مرافق الخدمات الاجتماعية كنسبة من ناتجها المحلي الإجمالي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، فهي في الوقت عينه تعتبر أكبر دولة تنفق على القطاع الأمني كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي!

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

مؤتمر مدريد بعد 30 عاماً.. أبرز ما يمكن استخلاصه

 تُصادف هذا الشهر ذكرى مرور 30 عاماً على انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط (30/10- 1/11/1991) والذي شارك فيه بنيامين نتنياهو عندما كان يشغل منصب نائب وزير الخارجية الإسرائيلي. ولا شك في أن العودة إليه وإلى ما تلاه من تطوّرات وصولاً إلى أيامنا الراهنة، من شأنها أن تُوضّح بعض ما يمكن وصفه بأنه ثوابت موقف إسرائيل حيال عملية التسوية التي ترمي إلى أن تحققها لقضية صراعها مع الفلسطينيين.

بيد أن هذه الوقفة تأتي، على وجه التحديد، في سياق نفض الغبار عن السردية الإسرائيلية الأكثر تداولاً لهذا المؤتمر من جهةٍ، وأيضاً من أجل تأصيل طرائق المقاربة والتأويل لما شهده المؤتمر من مُقدّمات ووقائع من جهةٍ ثانيةٍ.

ولعلّ أول ما يتعيّن التنويه به بهذا الصدد هو حقيقة أن إسرائيل أرغمت على المشاركة في هذا المؤتمر في حينه، بعد أن هدّد الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جورج بوش الأب رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إسحق شامير بعدم منحه ضمانات لازمة لقروض طلبتها حكومته، ما يعني أن هذا الأخير كان رافضاً لعقده أصلاً. في الوقت نفسه يتعيّن أن نتوقف ولو بإيجاز أمام ما يلي: بدايةً نجمت معارضة إسرائيل لعقد مؤتمر دوليّ للسلام، كما يؤكد مقربون من شامير، عن حقيقة أن فكرة المؤتمر الدولي كانت فكرة عربيّة بالأساس، يُراد منها أن يُصار إلى تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 والذي، وفقاً لقراءة إسرائيل، يتحدث عن الانسحاب من أراضٍ محتلة (منذ العام 1967)، وحدود آمنة ومعترف بها، وحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

للمزيد
"نظام الرعاية الصحية الإسرائيلي في حالة يرثى لها، ويتزايد الضغط على الأطباء ليصبحوا عمال إنتاج مطيعين". (الصورة أرشيفية من مستشفى إيخيلوف، عن "فلاش 90")

عن حال الأطباء في إسرائيل.. المشكلة غير كامنة في المناوبات فقط!

باتت احتجاجات الأطباء في إسرائيل طقساً سنوياً تقريباً. كل احتجاج ومطالبه: تقصير ساعات العمل (مناوبات)، تغيير ظروف العمل، زيادة الأجور وما إلى ذلك. لكن جميع الاحتجاجات ذات قاسم مشترك واحد: الاستنزاف المهني.

يُعرَّف التآكل بأنه حالة من الإرهاق العقلي، والذي ينتج عن الإجهاد المستمر الناتج عن الشغل المهني. ويعاني العديدون من الإرهاق المهني في عالمنا، لكنه يشتدّ بشكل خاص بين أصحاب المهن التي تقوم على مُثُل الإيثار والتضحية الشخصية، مثل الطب. ولا يقتصر استنزاف الأطباء على إسرائيل وحدها. إنه يتفاقم في جميع أنحاء العالم الغربي، ويهدّد استقرار الأنظمة الصحية حتى في الفترات التي يتم فيها إصلاحها.

للمزيد
الأرشيفات الإسرائيلية: مستودع المسكوت عنه.

معهد إسرائيلي: الرقابة على الأرشيفات تُستخدم لتكريس الرواية الرسمية المشوّهة حول أسس الصراع!

حتى الآن، تقوم هيئة حكومية إسرائيلية مؤلفة من وزراء بدور يمكن وصفه بالرقيب الأعلى، وهي صاحبة القرار الأخير في تقرير مصير ملفات ووثائق أرشيفية، انتهت مدة التكتّم عليها وفقاً للقانون. ويقول تقرير جديد لمعهد "عكيفوت"، الذي ينشط ضد فرض "السريّة" على وثائق ومعلومات أرشيفية حان وقت كشفها، إنه تم تفويض لجنة وزارية خاصة، برئاسة وزير العدل، للمصادقة على قرارات أرشيف الدولة الرسمي بمنع الكشف عن المواد الأرشيفية التي انقضت "فترة تقييدها"، والتبرير: أسباب تتعلق بالأمن القومي أو العلاقات الخارجية.

للمزيد
الثلاثاء, أكتوبر 26, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية