فلسطينية من اللد تمر، في 11 أيار الجاري، من أمام سيارات محروقة بعد صدامات تلت اعتداءات المستوطنين في المدينة. (أ.ف.ب)

كانت للإضراب العام الذي عمّ مدن الداخل بتاريخ 18 أيار 2021 تداعيات مهمة لا بد من الالتفات إلى بعضها. لا تقتصر هذه التداعيات على المستوى الاقتصادي وحسب، وإنما تنسحب أيضاً على رؤية الحكومة الإسرائيلية لمكانة الفلسطينيين، وجدوى دمجهم اقتصاديا. هذه المقالة تحاول أن تستشرف تداعيات الإضراب، في حال تكرر استخدامه كأسلوب نضالي مطلبي، على مساعي الحكومة الإسرائيلية لدمج المواطنين العرب في الاقتصاد الإسرائيلي.

القمع الأمني لفلسطينيي اللد: اعتقالات في 13 أيار الجاري. (أ.ف.ب)

لم تكن الادعاءات التي تناقلتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، سواء عن ألسن محللين أمنيين أو مسؤولين سياسيين إسرائيليين، بشأن "عجز الشرطة" عن مواجهة ومعالجة ووقف ما وصفته بـ "الاضطرابات وأعمال خرق النظام" التي شهدتها القرى والبلدات الفلسطينية في داخل إسرائيل، وفي مقدمتها المدن التي تسمى "مدناً مختلطة" وقد أصبح اليهود يشكلون فيها أغلبية السكان في أعقاب النكبة الفلسطينية - لم تكن تلك الادعاءات سوى ذر للرماد في العيون ضمن مسعى تعتيميّ على قرار الشرطة الواضح، والمتجسد بصورة لا يشوبها أي غموض في ممارساتها الميدانية التي ألقت الحبل على غاربه لقطعان المستوطنين المنقولين، في سفريات منظمة، من الضفة الغربية إلى داخل المدن الإسرائيلية ليعيثوا فيها اعتداءً وتخريباً ضد المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، تحت أبصار الشرطة وأسماعها دون أن تبذل الحد الأدنى من محاولة ردعهم، منعهم أو الحؤول دون تنفيذ اعتداءاتهم الإجرامية.

العدوان على غزة. (أ.ف.ب)

اندلعت المواجهات الإسرائيلية- الفلسطينية بدءا من أواسط شهر نيسان الماضي على جميع الجبهات التي يمكن تصوّرها، في المواجهات الميدانية، وفي الحقل الدبلوماسي وفي شتى وسائل الإعلام، وتحت قباب الكونغرس ومعظم برلمانات العالم، كما في شوارع العواصم والمدن وساحاتها الرئيسة، وكل ذلك انطلق من بؤرة المواجهات في القدس، وامتد لسائر مدن الضفة وقطاع غزة وفي مناطق 1948 وصولا للشتات والمهجر، في مشهد استثنائي توحد فيه الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم مجمعين على رفض نتائج النكبة وآثارها. ومع تميز كل تجمع فلسطيني بنمط المواجهة وفق خصوصياته وأدواته المتاحة وعناوينه "المحلية" الساخنة، ولأسباب عملية ستركز هذه المقالة على الحرب التدميرية على قطاع غزة، وارتباطها بسائر جوانب القضية ومستقبل الصراع.

صورة تجمع يائير لبيد مع منصور عباس.   (الصورة عن: "حدشوت 13")

كانت مساعي تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل حتى مطلع الأسبوع الجاري ما تزال تراوح في مكانها. ومن المفترض بعد أن عادت طائرات الاحتلال إلى قواعدها، وسكتت فوهات المدافع، في عدوانها على قطاع غزة، أن يشهد الحراك وتيرة أسرع، خاصة وأنه ما زال أمام المكلف الحالي، يائير لبيد، أسبوعان فقط ليبلغ الرئيس الإسرائيلي عن تشكيل حكومة، إلا أن كل المعادلات التي تعيق تشكيل الحكومة ما زالت على حالها. في المقابل، فإن ترشيحين وحيدين فقط لمنصب رئيس الدولة، وليسا من أعضاء الكنيست، كان مفاجئا من حيث برودة المنافسة، بعد أشهر طويلة تحدث فيها حزب الليكود عن تنافس شديد على منصب رئيس الدولة، الذي حسب مؤشرات أولية، قد يكون من نصيب رئيس الوكالة اليهودية الصهيونية إسحاق هيرتسوغ، ولكن كل مفاجأة قد تكون واردة.

وقفة تحدّ في "الشيخ جراح" في 14 أيار الجاري.  (أ.ف.ب)

الأنثروبولوجيا الاستعمارية والأمن الإسرائيلي

عملت المنظومة الاستعمارية الصهيونية قبل النكبة على تأسيس معرفة استعمارية أمنية عن المجتمع الفلسطيني، من خلال توثيق دقيق وميداني لقرى ومدن فلسطينية متعددة، وخير مثال على ذلك العمل الأمني- الأنثروبولوجي آنذاك، ملفات القرى التي عملت على إعدادها منظمة الهاغناه التي شملت توثيقا دقيقا لجزء كبير من القرى والبلدات الفلسطينية التي استعمرت العام 1948. ولاحقاً بعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، شكل رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ليفي إشكول لجنة سميت "لجنة الأساتذة" ضمت أكاديميين في مجالات علم الاجتماع وعلم السكان والاقتصاد وغيره من التخصصات لدراسة أحوال السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة حديثاً؛ كان الهدف منها فهم طبيعة السكان والتخطيط للتعامل معهم وإدارتهم وحكمهم. أي أن الحكومة الإسرائيلية وأذرعها السياسية والأمنية لديها هوس أمني بجمع كل التفاصيل المرتبطة بالفلسطينيين ومجتمعهم، لتتمكن من السيطرة عليهم والتحكم بهم والقدرة على قمعهم عند الحاجة لذلك، وربما بسبب الغرور الأمني وصلت المنظومة الأمنية الإسرائيلية إلى حد الوهم أن بإمكانها فهم السلوك الفلسطيني والتنبؤ به قبل حدوثه، وبإمكانها تحييد أي سلوك فلسطيني أو قمعه وإنهائه من خلال الأدوات الأمنية.

الأربعاء, أغسطس 04, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الاشتراك في قناة التيليجرام

telegram

متابعينا الأعزاء يرجى متابعة قناة مدار على التيليجرام

 إشترك الآن