يمكن القول، بكل تأكيد، إن المحكمة العليا الإسرائيلية لم تكن، في يوم من الأيام منذ إنشاء دولة إسرائيل وتأسيسها، في مثل هذا الوضع الذي وصلت إليه في هذه الأيام (أو: الذي أوصلت نفسها إليه، كما يمكن الادعاء بدرجة ما من الصواب)، رغم كل ما تعرضت له خلال السنوات من نقد واعتراض، وصل في السنوات الأخيرة تحديداً حدّ شن الهجوم الفظ والصريح والفظ عليها، على أدائها وقراراتها القضائية، ثم المحاولات العملية لمحاصرتها وتضييق رقعة عملها وصلاحياتها، من خلال تشريعات قانونية خاصة.

المختلف في الوضع المستجد الآن هو أن هذه المحكمة تتعرض في الأيام الأخيرة إلى موجة نقد واسعة وحادة من كلا طرفيّ/ معسكريّ الخارطة السياسية في إسرائيل (اليمين و"اليسار")، بادعاءات وحجج مختلفة تماماً، بل متناقضة، كتناقض الرؤية والمصالح؛ بينما كان مثل هذا (النقد والهجوم) يقتصر في السابق على الجناح اليميني في إسرائيل، والذي لم يترك تهمة تقريباً إلا ورماها بها ـ من تنفيذ "انقلاب" قضائي حتى "الخيانة" و"خدمة العدو"، مروراً بـ "استبدال حكم الشعب بحكم القضاة" وغيرها الكثير من الاتهامات التي ترجمها أحد أعضاء الكنيست من اليمين (بتسلئيل سموتريتش، من "البيت اليهودي" آنذاك) بالقول إن "المحكمة العليا المتغطرسة تدقّ المسامير، واحداً تلو الآخر في نعشها" وكان يقصد بالمسامير القرارات القضائية الصادرة عنها، بينما قال زميله في الحزب ذاته في حينه، موتي يوغيف، إن "المحكمة العليا شريكة في عملية القتل القادمة لجنود إسرائيليين ولا يجوز الأخذ برأيه"، ثم تصريحه الشهير بأنه "يجب رفع حاوية الجرافة على المحكمة العليا"، أي هدمها!

وبينما كان اليمين، الرسمي، الحكومي والبرلماني، والشعبي، يصعّد معركته الشرسة ضد المحكمة العليا خلال السنوات الأخيرة تحديداً، كانت هذه المحكمة تحظى بالتبرير والتسويغ، بالدعم والتأييد، من الجناح الليبرالي المسمى "يساراً" في إسرائيل، بدعوى كونها "الحصن الأخير لسلطة القانون وسيادته"، "حامي حقوق الإنسان، الفرد، والمواطن الأساسية" و"حارس الديمقراطية الإسرائيلية" وغيرها من هذه المقولات والتوصيفات، سواء في حماية حقوق الإنسان والمواطن، أو في محاربة الفساد السلطوي الرسمي، وذلك على الرغم من تاريخ حافل بالقرارات القضائية (التي لا تعدّ ولا تُحصى) المعادية لحقوق الإنسان الفلسطيني، الفردية والجماعية، سواء في داخل إسرائيل أو في المناطق الفلسطينية المحتلة، والتي ساهمت وتساهم في تكريس الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية ومشروعه الاستيطاني ووقفت "سدّاً منيعاً" أمام أي تدخل قضائي دولي، من خلال التساوق مع طيف واسع جداً مما يسمى في إسرائيل "الاعتبارات، الموجبات والضرورات الأمنية" التي لا تتجاوز دائرة تعريف الأجهزة الأمنية لها والإذعان لها، إلى جانب قرارات متفرقة أنصفت فيها حقوق الإنسان الفلسطيني، الفردية غالباً.

لكن ما حصل في الأيام الأخيرة أن هذا الجناح الليبرالي فتح نيران انتقاداته وتهجماته على هذه المحكمة، وذلك في أعقاب قرارها القضائي (الذي صدر مساء يوم الخميس الأخير) ردّ جميع الالتماسات التي كانت قُدّمت إليها مطالبةً إياها بإصدار قرار قضائي يمنع تكليف بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة وترؤسها على خلفية لائحة الاتهام الجنائية الخطيرة التي قُدّمت بحقه، إضافة إلى قرار قضائي آخر يلغي الاتفاق الائتلافي المبرم بين الليكود و"أزرق أبيض"، أو إلغاء بعض بنوده المركزية على الأقل، بدعوى عدم شرعيتها القانونية والجماهيرية والأخلاقية ـ القيمية. وبقرارها هذا، فتحت المحكمة العليا الطريق على رحبها أمام تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بالارتكاز على ائتلاف برلماني ـ حكومي بين الليكود و"أزرق أبيض" وبرئاسة نتنياهو وغانتس المزدوجة.

وعلى الرغم من هذا القرار، الذي يلبي تماماً إرادة اليمين عموما، والليكود خصوصا، ورغبتهما في تشكيل حكومة جديدة برئاسة نتنياهو، لم تسلم المحكمة العليا من نقد شديد، بل هجوم حاد، عليها من جانب أوساط مختلفة في معسكر اليمين، وذلك على خلفية ما تضمنه قرارها القضائي في رد الالتماسات من تصريحات مبطنة بأنها (المحكمة) قد تعود إلى النظر في الاتفاق الائتلافي الجديد بعد إخراج بعض بنوده الخاصة بإقرار تشريعات قانونية جديدة إلى حيز التنفيذ، مشيرةً إلى أن تلك التشريعات (التي تم إنجاز بعضها في هذه الأثناء، عشية وتحضيراً لعرض الحكومة على الكنيست لكسب ثقته، غداً الأربعاء، كما هو مقرر) قد تكون غير دستورية، من حيث تناقضها مع بعض قوانين الأساس.

"اليسار" قلق على مستقبل "الديمقراطية" و"سلطة القانون"

لا يمكن الادعاء بأنها المرة الأولى التي يصوّب جناح الليبراليين (المسمى "يساراً") في إسرائيل سهام نقده إلى المحكمة العليا، لكنها من دون شك المرة الأولى التي يكون فيها النقد بهذا التزامن، بهذه الكثافة وبهذه الحدّة. ويمكن الجزم بأن الدافع المركزي لموجة النقد هذه (التي كان في مركزها ومحط إجماع فيها الحديث عن انعكاسات وتداعيات قرار المحكمة العليا الأخير على "الديمقراطية الإسرائيلية" و"سلطة القانون") هو القلق والخوف من كل ما يمكن أن يتهدد مستقبل المشروع الصهيوني، متجسداً في دولة إسرائيل وفي العلاقة الثنائية ما بينها ككيان سياسي، واليهود فيها، من جهة، وبين اليهود في مختلف أنحاء العالم، وخصوصاً في الولايات المتحدة. وفي صدارة ما يمكن أن يتهدد هذا المشروع، بالتأكيد، هو الفساد السلطوي الفاضح في أعلى قمة هرم السلطة والمتفشي، تالياً، في العديد من منظوماتها وأجهزتها وأذرعها، إلى جانب التعنت والصلف السياسيين اللذين تمارسهما حكومات اليمين الإسرائيلي بأسلوب يتحدى العالم كله وما اصطلح على تسميته "المجتمع الدولي"، واللذين قد يقودان في نهاية الأمر إلى وضع "الدولة اليهودية الديمقراطية" على حافة الهاوية واستبدالها بـ "دولة ثنائية القومية".

فقد كتب البروفسور مردخاي كريمنيتسر، أستاذ القانون السابق في الجامعة العبرية في القدس ونائب رئيس "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" والمحلل القضائي لصحيفة "هآرتس"، تحت عنوان "المحكمة العليا نسيت الأخلاق والمنطق"، أن المحكمة، في قرارها الأخير، "تجاهلت جوانب هامة جداً ترجّح الكفة إلى الموقف المعاكس (للموقف الذي اتخذته) وستكون لذلك إسقاطات على صورة الدولة، على سلطة القانون والمعركة ضد الفساد السلطوي". وأضاف: "من الصعب القبول بهذا العمى الذي أصاب أفضل القضاة في إسرائيل، جميعهم دون استثناء"!

وعاد كريمنيتسر إلى التأكيد على أن قرار المحكمة الأخير سيعود بالضرر عليها ذاتها لأنه يوجه ضربة شديدة تحت الحزام للديمقراطية الإسرائيلية، بينما يحتفل أعداء سلطة القانون وأنصار الفساد السلطوي، وبذلك "انضمت المحكمة العليا إلى حاملي هودج عدو سلطة القانون (نتنياهو) ودهورَت الجهاز القضائي في إسرائيل إلى حضيض غير مسبوق"!

وكتبت د. تسفيا غرينفيلد، عضو الكنيست السابق عن حركة ميرتس، تحت عنوان "المحكمة العليا خائفة"، أن المسوغات التي ساقتها المحكمة لتبرير قرارها "تثير الخشية من أن المحكمة العليا لا تتنصل من مسؤوليتها وتتهرب من تأدية وظيفتها فقط، وإنما قد تساهم، دون قصد، في تعميق الأزمة السياسية والقضائية في إسرائيل". وأضافت: "الجميع يرى ويتابع التدهور الحاصل والانزلاق نحو نظام دكتاتوري في إسرائيل، ما عدا المحكمة العليا التي تمتنع عن الحسم في قضية واضحة ومفهومة ضمناً"، ثم تساءلت: "لماذا لا يستطيع قضاة المحكمة العليا أن يكونوا شجعاناً؟ ممَّ يخافون؟".

ورأى المعلق القضائي في صحيفة "ذي ماركر"، عيدو باوم، تحت عنوان "قضاة المحكمة العليا كتبوا قراراً مقطوعاً عن الواقع، لا يناسب سلطة عديمة الخجل"، أن "حصن سلطة القانون لم يسقط حقاً، كما أشارت رئيسة المحكمة العليا، لكن تبين أنه ليس حصناً أصلاً". وقال: "طبقاً لقرار المحكمة العليا ومنطقه، فإن متهمين بالقتل، بالتجسس أو بالاغتصاب، مؤهلون لإشغال منصب رئيس الحكومة في إسرائيل".

وركّز مراسل "هآرتس" غيدي فايتس (الذي أجرى عدداً من التحقيقات الصحافية الخطيرة في قضية الفساد السلطوي) على مبدأ "المساواة أمام القانون" الذي رأى أن قرار المحكمة العليا الأخير وجه له "ضربة ساحقة"، إذ منح رئيس الحكومة مكانة عليا تفوق مكانة أي شخص آخر في مثل وضعيته. وقارن فايتس بين قرار المحكمة هذا، بشأن نتنياهو، وبين قرارات سابقة لها بشأن رؤساء سلطات محلية أو مسؤولين آخرين في مواقع ومناصب رسمية أقل شأناً، إذ منعتهم هناك من مواصلة إشغال مناصبهم أو الترشح لإشغال هذه المناصب، بينما شرعنت الأمر لنتنياهو، مؤكداً أن الضرر في حالة نتنياهو هو أكبر بمئات آلاف المرات من أية حالة أخرى، خاصة وأن لائحة الاتهام ضد نتنياهو أشد خطورة، بما لا يقاس من حيث بنود الاتهام، من لوائح الاتهام التي قدمت ضد رؤساء بلديات أو حتى وزراء، ناهيك عن أن نتنياهو سوف يدير دولة بأكملها، على كل ما في ذلك من تفاصيل وأهمية وخطورة، في الوقت الذي سيمثل فيه أمام المحكمة ثلاث مرات/ ثلاثة أيام في الأسبوع للنظر في لائحة الاتهام الجنائية الخطيرة المقدمة ضده.

الصحافي في "هآرتس" أوري مسجاف، وتحت عنوان "المحكمة العليا، أيضاً، انضمت إلى الخنوع الكبير"، وصف قضاة المحكمة العليا بـأنهم "شلة من التكنوقراطيين، مهما كانوا متعلمين، مثقفين وضالعين في النصوص القانونية.... وقد أبدوا، خلال جلسات النظر في الالتماسات، قدراً عالياً من التواضع والتفهم تجاه ممثلي السلطة، مقابل قدر غير قليل من الاستعلاء وعدم التسامح تجاه بني البشر، إذ كثيراً ما اختار بعضهم توبيخ ممثلي الملتمسين، بصورة خاصة". وأضاف: "ربما أدرك القضاة الـ 11 الذين نظروا في الالتماسات، في سريرتهم، أنهم شركاء في الخنوع الكبير فاختاروا إسقاط خجلهم وإحباطهم على الذين طرحوا القضية أمامهم، ممثلي الملتمسين". وكما رأى عيدو باوم (مثما أشرنا أعلاه)، كذلك كتب مسجاف أيضاً عن ملاحظة رئيسة المحكمة العليا، القاضية إستير حيوت، التي قالت لمحامية مثلت الملتمسين، خلال إحدى جلسات المحكمة، إن "أي حصن لن يسقط إذا ما رفضنا الالتماسات"، فرأى أن "رئيسة المحكمة العليا صدقت في ملاحظتها التوبيخية تلك، لأنه لم يكن ثمة أي حصن أصلاً".

وتحت عنوان "أيتها الديمقراطية، انتحري أولاً ومن ثم فقط نفحص"، رأى الكاتب في "هآرتس" تسفي برئيل، أن "الجدار العازل الذي بناه قضاة المحكمة في قرارهم هذا بين الأخلاق والقضاء يجعلهم مجرد هندسيين في مجال القانون مهمتهم الأساسية الحسم فقط في ما إذا كانت الاتفاقيات السياسية، التي تتحدث عن تشريعات مستقبلية، تنسجم مع المعايير التي حددها المشرّعون السابقون، حتى لو كانت التشريعات الجديدة المتوقعة تنطوي على مس خطير بشعور غالبية المواطنين بالعدل والإنصاف". وأضاف، متسائلاً: "ماذا كنا سنقول عن مهندس يقرر أن حسابات المواد صحيحة بموجب قوانين الفيزياء، لكن من الأفضل الانتظار لأنهاء عمليه البناء والمصادقة على نتيجتها في لجنة التنظيم والبناء وبعد ذلك فقط نتقدم بالاعتراضات عليها؟ ماذا سنقول للديمقراطية؟ انتحري أولاً وبعد ذلك فقط نقرر سبب الوفاة؟". ثم خلص إلى القول إنه "حين تضع المحكمة العليا سقف الديمقراطية المنتحِرة مقياساً لحيز التشريع المسموح به، وتفصل تماماً ما بين الأخلاقي والقانوني، كأنما هما زيت وماء، فإنها تعفي نفسها من أية مسؤولية عن الرقابة القضائية على أي ظلم أو غبن أو إجراء أو تشريع قانوني غير أخلاقي"!

اليمين الإسرائيلي لا يرضى بأقلّ من محكمة "على صورته وشاكلته"!

لم يكن اليمين في حاجة إلى ما وصفه بعض المتحدثين باسمه "ألغاماً" زرعتها المحكمة العليا في أسطر نص قرارها القضائي الأخير (الذي صدر مساء يوم الخميس الأخير) كي يواصل هجومه الشرس ضد المحكمة العليا الإسرائيلية، على الرغم من أن المحكمة، بقرارها هذا، شرعنت تكليف نتنياهو بتشكيل حكومة جديدة بالرغم من لائحة الاتهام الجنائية الخطيرة المقدمة ضده كما شرعنت أيضاً الاتفاق الائتلافي البرلماني ـ الحكومي بين الليكود و"أزرق أبيض". وهو القرار نفسه الذي اصطف كثيرون جداً من قادة اليمين وممثليه والمتحدثين باسمه، السياسيين والإعلاميين، في جوقة تحذير وتهديد للمحكمة العليا، عشية انعقادها للنظر في الالتماسات، بأنها إذا لم تتوصل إليه فسيكون الأمر بمثابة "ضربة قاسية للديمقراطية الإسرائيلية" و"اعتداء فظ على حق الناخبين الذين قالوا كلمتهم" (بالادعاء الكاذب بأن نتنياهو واليمين حصلا في الانتخابات الأخيرة على أغلبية أصوات الناخبين!)، بل "التسبب بجر الدولة إلى جولة انتخابية رابعة في غضون أقل من سنة ونصف السنة" وتحميلها (المحكمة كهيئة وقضاتها كأفراد) المسؤولية عن ذلك، بكل ما يعنيه هذا الاتهام ويحمله في ثناياه. حتى أن بعض المتحدثين باسم اليمين ذهبوا، قبل انعقاد المحكمة، إلى "ترجيح" احتمال اتخاذ المحكمة العليا قراراً بقبول الالتماسات، أي منع نتنياهو من تشكيل حكومة وإلغاء الاتفاق الائتلافي بينه وبين غانتس، وذلك من خلال "تحليل" أسباب ودوافع القرار بأن تبحث المحكمة الالتماسات بهيئة موسعة مكونة من 11 قاضياً، كما فعل عضو الكنيست السابق من الليكود، ميخائيل كلاينر، على سبيل المثال، في مقال طويل نشره في موقع "معاريف" (1 أيار 2020).

فقد كتب كلاينر أن البحث الذي (كانت) ستجريه المحكمة العليا "غير مسبوق وقد يُحدث زلزالاً سياسياً في إسرائيل"، مضيفاً أن "إقرار هيئة موسعة من 11 قاضياً للنظر في التماسات كان ينبغي رفضها وردّها بصورة قاطعة، يشير إلى أحد احتمالين: إما أن النية تتجه نحو قبول الالتماسات والقضاة الـ 11 سيشكلون درعاً واقياً (للمحكمة) وإما أن هذه الهيئة الموسعة، التي يبرز فيها أنها لا تشمل غالبية القضاة التي تم تعيينهم خلال إشغال أييلت شاكيد ("البيت اليهودي"، ثم "اليمين الجديد") منصب وزيرة العدل (أي: القضاة المحافظون المتشددون)، الهدف منها هو مخاطبة الجمهور المقتنع بأنه قد حان الوقت لأن تتخذ المحكمة العليا الخطوة العملية الصحيحة التي يرفض الشعب، بجهله وغبائه، وبعناد، أن يتخذها بنفسه ومنع نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة"!! وأضاف كلاينر: "في كلتا الحالتين، قائمة القضاة الـ 11 أعدّت للوقوف في وجه النقد الجماهيري على القرار الذي سيُتخذ"!!

أما وزير المواصلات، بتسلئيل سموتريتش ("الاتحاد القومي") فكتب، على حسابه في "تويتر"، عقب صدور قرار المحكمة العليا: "لقد نجحوا في خداعكم... مثلما حصل في قرار المحكمة العليا في قضية "بنك همزراحي" في العام 1995 (الذي ألغت فيه المحكمة للمرة الأولى نصاً قانونياً)، والذي ادعوا فيه بأن المحكمة لم تتدخل في النتيجة، فقد أرسوا قاعدة الأساس للثورة الدستورية التي قادها باراك (أهارون باراك، رئيس المحكمة العليا سابقاً). هكذا ينفذون الانقلابات بهدوء ومن خلال تخدير الجمهور. قرار المحكمة الأخير هو تجسيد فاضح للفاعلية القضائية ويرسي الأرضية لإلغاء قوانين أساس"!

مثل سموتريتش، اعتبر الحقوقي زئيف ليف، مدير "وحدة الأبحاث وحرية المعلومات" في "الحركة من أجل الحوكمة والديمقراطية" اليمينية، أن قرار المحكمة العليا الأخير يشكل "انتصاراً للسياسة على القانون والقضاء"، لأنه يجسد "الفاعلية القضائية الزاحفة" من خلال ما أسماه "التطويق القضائي للديمقراطية". وكتب ليف (موقع "ميداه" اليميني ـ 7/5) أنه "إلى جانب الرفض المحق والمبرر للالتماسات ضد نتنياهو تشكيل حكومة جديدة، زرع قضاة المحكمة العليا بذور التدخل المستقبلي من جانبها في هذه المسألة، إن لم تتدخل الهيئة التشريعية (الكنيست) للجم هذا المنحي"، بما يشكل دعوة صريحة إلى الكنيست لتشريع قوانين تحاصر المحكمة العليا وتقلص صلاحياتها، وخصوصاً صلاحية ممارسة الرقابة القضائية على التشريعات القانونية وصلاحية إلغاء قوانين، أو بنود محددة منها، تالياً. وأضاف: "بكلمات بسيطة جداً ـ قضاة المحكمة العليا الـ 11 منحوا أنفسهم الصلاحية والقدرة على التدخل في اعتبارات أعضاء الكنيست السياسية واتخاذ القرارات بدلاً منهم... صحيح أن نحو ثلاثة ملايين ناخب صوتوا لأشخاص محددين كي يمثلوهم في الكنيست والحكومة، إلا أن القضاة الـ 11 يعرفون أكثر منهم. صحيح أنهم لا ينوون التدخل "في المرحلة الحالية"، لكن من المهم جداً بالنسبة لهم التأكيد على أنهم يستطيعون فعل ذلك متى يشاؤون"! وخلص، في نهاية مقاله، إلى الفكرة/ الدعوة المركزية فيه: "إذا كان أعضاء الكنيست معنيين حقاً بحماية حقهم وصلاحيتهم وقدرتهم على القرار، وإذا كان المواطنون في إسرائيل يريدون حقاً حماية حقهم في انتخاب ممثليهم في الكنيست والحكومة، فممنوع منعاً باتاً أن يلتزموا الصمت حيال السطر الأخير في قرار المحكمة هذا، بل يتوجب عليهم أن يعلنوا بصراحة ووضوح أن هذا التوجه غير مقبول عليهم"!
المحلل القضائي في موقع "ميداه"، موشي إيفرجان، كتب أن "الإمبريالية القضائية التي تأسست رسمياً قبل 25 سنة، سحقت ثقة الجمهور بالجهاز القضائي وبالحوكمة في إسرائيل، ما يعني أنها سحقت الديمقراطية الإسرائيلية أيضاً"! بينما كتب الحقوقي يوتام إيال، عضو "المنتدى القضائي من أجل إسرائيل"، أن ما ينبغي أن يُقرأ في قرار المحكمة العليا هو أن "أقلية هامشية في اليسار الإسرائيلي قررت شن حرب على الشعب، والمحكمة العليا توفر لها المنصة لذلك"! وختم: "إحدى الخطوات الهامة المتوقعة من منتَخبي جمهور اليمين في الطريق نحو استعادة التوازن بين السلطات هو: إعادة صلاحية التشريع للكنيست، وحدها، صلاحية التنفيذ للحكومة وأذرعها المختلفة وصلاحية الحسم في النزاعات، طبقا للنصوص القانونية فقط، للمحكمة".

خلاصة القول إن اليمين الإسرائيلي، على مركبّاته الحزبية المختلفة، بقيادة بنيامين نتنياهو الذي أعطى ضوءاً أخضر، أكثر من مرة، للهجوم الكاسح وتصعيده على المحكمة العليا خاصة والجهاز القضائي عامة، فيما لا يعد ولا يحصى من التصريحات والخطوات، من بينها مثلاً أن "المحكمة العليا ليست فوق النقد" ـ هذا اليمين لن يرضى بأقل من أن تكون المحكمة العليا، والجهاز القضائي كله، "على صورته وشاكلته" تماماً، حسب تعبير العهد القديم (سفر التكوين، 1: 26).

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الإثنين, مايو 25, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الأعزاء متابعوا إصدارات المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار": يواصل "مدار" العمل على إنجاز خطته السنوية كالمعتاد على الرغم من الظروف التي فرضها "فيروس الكورونا"، وسوف يتم توفير المُنتج الجديد الكترونيًا على موقع "مدار" على الشبكة، فيما ستتوفر النسخ الورقية حال تجاوز حالة الطوارئ.